لعلّ اللغة الفرنسية قد تأخرت 157 سنة قبل أن تستقبل أشعار الروائي والقاصّ والشاعر الأمريكي هرمان ملفيل (1819-1891)، في مجلد أوّل بترجمة تييري جيليبوف، جاء في 592 وصدر مؤخراً عن دار النشر Unes؛ ويُنتظر صدور مجلد ثان يستكمل الأشعار المتبقية وخاصة القصيدة الطويلة «كلاريل: قصيدة وحجّ إلى الأرض المقدسة»، 1876. وأن يصل هذا النتاج متأخراً إلى القارئ باللغة الفرنسية، خير من احتجابه عقوداً إضافية، بصرف النظر عن سلسلة أسباب (بعضها وجيه أو جدير بالتفهم، ليس هنا مقام الخوض فيها)؛ جعلت صاحب «موبي ديك» أشهر من نار على علم في الرواية، وفي موضوعات أقرب إلى بصمة شخصية تخصّ متاهات الروح والجسد في ميتافيزيقا البحار؛ ولكنها حالت دون ذيوع صيته كشاعر تفرّغ لكتابة القصيدة، بصفة شبه حصرية، منذ بلوغه سنّ الأربعين وحتى وفاته.
وقد تكفي إشارة، هنا، إلى أنّ الكاتب الذي أنجز تسع روايات وأكثر من 15 أقصوصة خلال 11 سنة فقط، أصابته حالة غامضة من «العطالة» الإرادية بلغت درجة الامتناع عن تلبية طلبات محرّري الصحف والمجلات؛ فغاب عن المشهد العام، وانخرط في الترحال، ومارس حفنة أشغال تقيم أود أسرته في الحدود الدنيا، إلى أن اتضح أنه إنما كان يخوض في بحور الشعر، والشعر وحده. وذاك مآل دفع معظم دارسيه إلى توزيع حياته الإبداعية على مراحل ثلاث: الرواية (1846-1857)؛ والقصة القصيرة (1853 – 1856)؛ ثمّ الشعر، ابتداء من سنة 1866 مع مجموعته «قِطَع المعركة»، المستمدة في معظمها من مناخات البحر الأبيض المتوسط والتي عُدّت بمثابة «إلياذة» خاصة به.
تصحّ الإشارة، أيضاً إلى أنّ عدم اشتهاره كشاعر كان عائداً إلى اعتبار منطقي أوّل، هو أنّ أعماله الروائية والقصصية لم تُقابل أصلاً بحماسة شديدة في حياته؛ إذْ اعتُبر كاتباً/ بحّاراً ورحّالة في المقام الأوّل، واستمرت هذه الحال حتى مطالع عشرينيات القرن العشرين حين أخذ النقد الأمريكي يعيد استكشاف خصوصية أعماله وفرادة أدبه، والدلالات الأعمق لبُعد الترحال في شخصيته كما في نصوصه. ففي السابعة والثلاثين غادر في رحلة بحرية إلى الشطر الشرقي من حوض المتوسط، وكانت الروايات والقصص القصيرة العديدة التي أنجزها قد استهلكته فيزيائياً وروحياً، فأخذ يشعر بالعجز عن استكمال المخططات التي رسمها لأعمال قادمة. وفي خريف 1855 بلغ به الإعياء درجة متقدمة، وتعرّض لنوبة روماتيزم حادّة جعلت أسرته تستجيب لنصيحة طبيبه بتمويل رحلة استجمام يقضيها في أوروبا، ثمّ في الشرق.
وساعة ترك العالم الجديد وراءه، كان ملفيل يحمل في أغوار روحه القلقة مزيجاً عسيراً من التيه التراجيدي (كما مثّله آخاب، في رواية «موبي ديك» الشهيرة)، وبراءة اليانكي الباحث في ظلمة البحار عن طهارة دينية يتجاذبها قدر لا ينطوي على البراءة وحدها (شخصية بيللي بَدْ)؛ ولكنّ العالم الجديد ظلّ يحرّك في دواخله باعث الشعر. إنه على أعتاب العالم القديم، برموزه، وجلاله، وغموضه، ووضوحه العصيّ على الإدراك، وتلك نقطة انعطاف كبرى وضعت ملفيل أمام احتمالين: إما العودة بشيء من نقاهة الروح، أو العودة وقد تلاشى آخر ما تبقى من قدرة الروح على الصمود في أنواء أشدّ من تلك التي رسمها لشخصياته الروائية، ذات المآلات المحتومة.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1856 بلغت سفينته مضائق جبل طارق، حيث ما يشبه «الاقتراب من رحم التاريخ» كما كتب، وحيث يبدأ المتوسط الحقيقي في نظره. على شواطئ قبرص سوف يصف صعود فينوس من المياه (مثلما سيصف صعود المسيح من المياه، حين ستبلغ رحلته جبل الزيتون في فلسطين). وفي كانون الأول (ديسمبر) سيقترب من القسطنطينية والبوسفور، ولكنه جوهرياً فضّل وصف آسيا القارّة، وأوّل مشهد آسيوي تقع عليه عيناه، فتحدث عن «متاهة تاريخ» تارة، وعن «أرض خصبة لجذور التاريخ» تارة أخرى.
وتحت ضغوط مزاج محتقن كهذا، قرّر ملفيل القيام برحلته الخطرة إلى فلسطين، على متن قارب صغير، فوصل إلى يافا في السادس من كانون الثاني (يناير) 1857، ودخل بلدة الرملة قبل الوصول إلى القدس، حيث كتب يصف شعوره الأول: «لست أدري كيف حدث ذلك، ولكنّ بصري انحسر فجأة، وارتعشت الأشياء أمامي، وتراقصت كأنها معلقة على سطح مائي أملس». بعد ذلك سيغادر إلي البحر الميت، ودير مار سابا، وكانت الثمرة الأدبية لهذه الرحلة دفتر يوميات وقصيدة «كلاريل» الملحمية التي تقع في 150 نشيداً، وتصف رحلة بطلها في فلسطين، بحثاً عن سكينة عالقة في تضارب واصطخاب أكثر من عقل واحد وراء الروح.
هذه هي القصيدة التي ينتظرها قرّاء اللغة الفرنسية في المجلد الثاني، وبصدورها سوف تُختتم ترجمة أعمال ملفيل الشعرية الكاملة للمرّة الأولى، وبالتالي قد يلقى الرجل قسطاً من إنصاف مكانته كشاعر؛ خاصة أنّ هذا العمل الملحمي الخطير عرف في لغته الأمّ الكثير من التجاهل، الذي نجم أحياناً عن رهبة مقاربة عمل فلسفي ضخم، والوحيد المكتوب شعراً؛ أو عن الإهمال، بذريعة عدم الوثوق من النصّ بأكمله؛ فضلاً عن سوء الفهم، المقترن بجملة تعقيدات اكتنفت النصّ منذ نشـــره.