لجأ سوناك إلى إقالة الزهاوي بدل الطلب منه الإستقالة من منصبه في الحكومة، وهو أمر تلقفه حزب العمال المعارض لممارسة مزيد من الضغط على سوناك وحكومته والتشكيك بكفاءته ونزاهته.
تعرض حزب المحافظين في بريطانيا إلى هزة جديدة من باب الإهمال الضريبي أدت إلى قيام رئيس الحكومة ريشي سوناك بإقالة ناظم الزهاوي، رئيس الحزب من منصبه الوزاري في الحكومة بموجب خطاب موجه من سوناك إلى الزهاوي يقول فيه: من الواضح أن هناك خرقا خطيرا حدث لمدونة السلوك الوزاري، ونتيجة لذلك، أخبرك بقراري عزلك من منصبك في حكومة جلالته.
المنصب الذي أقيل منه الزهاوي كان مقعدا وزاريا بلا حقيبة في حكومة سوناك، وأما الخرق فيتعلق بالإهمال في الشؤون الضريبية لزهاوي عندما كان وزيرا للخزانة في حكومة بوريس جونسون حيث خلص تحقيق حكومي أمر به سوناك إلى أن الزهاوي أظهر «اهتماما غير كاف للمبادئ العامة الخاصة بمدونة السلوك الوزاري، وعلى وجه الخصوص، المتطلبات وفقا للمبادئ السبعة للحياة العامة، أن تكون صادقا ومنفتحا ومثالا يقتدى به من خلال السلوك».
ورغم أن الزهاوي قام بدفع فاتورة ضريبية بقيمة 4.8 مليون جنيه إسترليني (6 ملايين دولار) إلى مصلحة الإيرادات والجمارك البريطانية، لكنه تلقى سابقا 30 غرامة لعدم تسوية المبلغ الصحيح في ذلك الوقت أثناء توليه وزارة الخزانة. وكان الزهاوي قد قال إنه كان «مهملا» في شؤون الضرائب الخاصة مؤكداً أنّه ليس ناجماً عن فعل متعمّد، وهو توصّل في آب/أغسطس 2022 إلى اتفاق مبدئي مع السلطات الضريبية، وتمت المصادقة على الاتفاق بعد شهر. ويتمحور النزاع حول بيع الزهاوي أسهماً في معهد استطلاع «يوغوف» الذي كان قد أسّسه في العام 2000 تُقدّر قيمتها بنحو 27 مليون جنيه استرليني، تملكها شركة استثمارية مسجّلة في جبل طارق ومرتبطة بعائلة الزهاوي وهو من أصول عراقية مهاجرة.
واللافت أن سوناك لجأ إلى أسلوب الإقالة للزهاوي بدل الطلب منه الإستقالة من منصبه في الحكومة، وهو أمر تلقفه حزب العمال المعارض لممارسة مزيد من الضغط على سوناك وحكومته والتشكيك بكفاءته ونزاهته وذلك من خلال أمرين، أولهما الطلب من سوناك توضيح كافة جوانب الإهمال الضريبي للزهاوي، وثانيهما توضيح سبب لجوئه إلى خيار الإقالة رغم أنه وفي قضية أخرى أعاد تعيين سويلا برافرمان وزيرة للداخلية في تشرين الأول/اكتوبر بعد أيام فقط من خرقها للقانون الوزاري باستخدام البريد الإلكتروني الشخصي لإرسال مسودة بيان حكومي إلى حليف سياسي.
إلا أن نتائج قضية الزهاوي ليست الوحيدة التي تقلق سوناك وحزب المحافظين فهناك جملة قضايا أخرى لا تقل أهمية ومنها المزاعم الخطيرة بالتنمر موجهة إلى دومينيك راب، نائب رئيس الوزراء ووزير العدل رغم أنه ينفيها.
ولم تطو أيضا صفحة الاتهامات ضد رئيس حكومة المحافظين السابق بوريس جونسون الذي أجبره نواب حزبه على التنحي والاستقالة في شهر تموز/يوليو العام الماضي بعدما تم اتهامه بجملة فضائح ومن المنتظر استدعاؤه إلى جلسة استماع علنية من جانب لجنة الامتيازات للنظر ما إذا كان قد كذب على أعضاء البرلمان بشأن قضية حضور موظفين حكوميين حفلة عيد ميلاده في مقر رئاسة الوزراء أثناء فترة الإغلاق العام. وتكمن أهمية عمل تلك اللجنة وفق صحيفة الفايننشال تايمز: «بأن لديها أغلبية من حزب المحافظين ولكن يرأسها النائب عن حزب العمال هارييت هارمان، وستبحث في ما إذا كان جونسون قد ضلّل البرلمان عمدا عندما قال لمجلس العموم أنه تم اتباع جميع التوجيهات بالكامل من قبل الموظفين العاملين في داونينغ ستريت في ذلك الوقت، وإذا وجدت اللجنة أنه قام بازدراء البرلمان، فربما يُعزل من مجلس العموم. وإذا تم إيقافه عن العمل لأكثر من 10 أيام، فيمكن تقديم عريضة سحب الثقة وإجراء انتخابات فرعية محتملة».
حتى سوناك نفسه لم يسلم حينها عندما كان وزيرا للمال في حكومة جونسون، حيث فُرضت عليه غرامة في إطار ما عرف بفضيحة حفلات داونينغ ستريت، لمشاركته في حفل عيد ميلاد رئيس الوزراء إبان حظر التجمّعات الذي كان مفروضا لاحتواء كورونا.
وكذلك فإنه وخلال توليه حقيبة المالية في عهد جونسون، فاضت وسائل الإعلام البريطانية بالتقارير التي تنتقد سوناك وتتحدث عن استفادة زوجته الثرية أكشاتا مورتي التي تحمل الجنسية الهندية، من إعفاءات ضريبية. وتم حل القضية بعدما تمت تبرئة سوناك من أي مخالفة للأنظمة الوزارية، وبعدما أعلنت زوجته أنها ستسدد الضرائب المستحقة عن مداخيلها في الخارج، علما بأن كونها أجنبية يتيح إعفاءها من هذا الأمر.
وفي الموازاة استمرار شبح الأزمات السابقة المتراكمة منذ إمساك المحافظين بالسلطة على مدى ثلاثة عشر عاما، لم يتمكن سوناك بعد مرور أكثر من مئة يوم على عمر حكومته من السيطرة على الأوضاع الاقتصادية المتأزمة التي سجلت اضطرابات كبرى في الأسواق في عهد رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس فتم إجبارها على الاستقالة بعد 44 يوما فقط من تشكيل حكومتها. وأبرز دلالات زيادة حدة الأوضاع المتأزمة في المملكة المتحدة تتجسد في تنفيذ إضرابات متتالية بسبب التضخّم الكبير الذي تتخطى نسبته عشرة ونصف في المئة، ما يدفع بملايين البريطانيين نحو حافة الفقر. ولذلك شارك قرابة نصف مليون عامل يوم الأربعاء الماضي في أكبر يوم إضرابات تشهده البلاد منذ العام 2011 وهو إضراب شارك فيه المعلمون للمرة الأولى حيث أغلقت آلاف المدارس، إلى جانب اضرابات في القطاع الصحي وقطاع النقل العام. وتعطّلت حركة القطارات الجمعة في بريطانيا حيث يطالب عمّال السكك الحديد بزيادة أجورهم وبظروف عمل أفضل. وأعلنت شركات السكك الحديد عن اضطرابات كبيرة. واضطر بعضها إلى إلغاء جميع الرحلات. ولم يتم التوصل بعد إلى اتفاق يضع حدا للاضرابات المتنقلة إذ يعتبر رئيس الوزراء أنّ رفع الأجور سيساهم في زيادة التضخم وتراجع المالية العامة التي تواجه صعوبات منذ بداية جائحة كورونا وأزمة الطاقة العالمية الناجمة عن الحرب الروسية على أوكرانيا، لكن الموظفين غير مقتنعين بتلك التبريرات ويقولون إنهم غير قادرين على القيام بالأعباء المعيشية في وقت تتآكل فيه قيمة رواتبهم. وأدت تلك الأزمة إلى خسائر كبيرة في الاقتصاد البريطاني حيث سجّل مكتب الإحصاء ضياع 1.6 مليون يوم عمل فيما قالت وكالة «بلومبرغ» بأن كلفة الإضرابات على اقتصاد المملكة المتحدة تقدر بـ 1.5مليار جنيه إسترليني العام الماضي. بينما تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن اقتصاد المملكة المتحدة سيعاني هذا العام من ركود مع انكماش بنسبة 0.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. ورفع البنك المركزي يوم الخميس الماضي معدلات الفائدة بواقع 0.5 نقطة مئوية إلى 4 في المئة وهي زيادة تعتبر الأعلى منذ 2008 كما أنها العاشرة على التوالي التي يفرضها البنك في إطار مساعيه للتصدي للتضخم المرتفع. وهو ما دفع بكبير خبراء الاقتصاد لدى البنك المركزي البريطاني، هوو بيل، إلى القول أنه من المهم ألا يقبل البنك على زيادة كبيرة في تكاليف الاقتراض رغم أنه أقر أن التضخم في بريطانيا «مرتفع للغاية».
وما بين أزمات حزب المحافظين الداخلية وتصاعد الأزمة المعيشية، يترصد حزب العمال هفوات المحافظين وينتظر بفارغ الصبر موعد الانتخابات العامة بعد أقل من سنتين للانقضاض عليهم والإمساك بالسلطة.