تُراكم تونس تجربتها الديمقراطية، ويفتح شعبها صفحة جديدة من تاريخ بلده يقدّم في سياقها درسا في الشرعيّة والسيادة وكيف بإمكانه استعادة القرار وسحب الثقة من منظومة حكم فاشلة اعتقدت أنّ التّمترس وراء أحزاب تقليدية والاستعانة بالمال والإعلام يمكن أن يمدّد فترة حكمها ويحافظ على مكانها ضمن واقع سياسي لم يدركوا بعد أنّ أغلب التونسيين وخاصّة فئة الشباب قد كرهته ولفظت الأحزاب السياسية وأجنداتها وأحزمتها الإعلامية والمالية على نحو ما أفرزته نتائج الانتخابات الرئاسية من تصويت عقابيّ كان بمثابة الصفعة القويّة لنظام جنّد كلّ طاقاته للبقاء في السلطة ونوّع مرشّحيه من وزير دفاع إلى رئيس حكومة إلى رئيس برلمان. وبالمثل دفعت المعارضة اليسارية والوسطية والليبرالية بأطيافها الواسعة الثمن هي الأخرى نتيجة انعزال قياداتها عن الواقع ورفضهم تجديد الخطاب والترفّع عن المراهقة السياسية وصراع الزعامة.
ويبدو أنّ الانتخابات التشريعية ستكشف عن فسيفساء سياسية تقطع مع منطق الأغلبية الحزبية، وستعاقَب مرّة أخرى منظومة الحكم القائمة منذ خمس سنوات، رغم أنّ “السيستام” كما يحبّ أن يصفه التونسيون، سيجنّد كلّ امكانياته للسيطرة على البرلمان، وسيخدمه القانون الانتخابي الذي يرجّح كفّة من يقدّم أكثر قوائم انتخابية في كامل الجمهورية ويمتلك المال السياسي والقدرة التنظيمية. ومع ذلك ننتظر حظوظا وافرة للمستقلّين ولأحزاب وليدة ارتبطت بمرشّحين نالوا الثقة والرصيد المحترم في الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها والتي أربكت المشهد السياسي وخلطت الأوراق وبعثرت الحسابات السياسية لبعض الأحزاب التي لم تستوعب الصدمة إلى الآن، وهذا ما تكشفه بعض القنوات التلفزيونية الخاصة المحسوبة منابرها على أحزاب وشخصيات سياسية يعرفها الجميع، وتدين بالولاء للوبيات مالية متنفّذة. وتخبّط بعض الوجوه “الإعلامية” التي ألف التونسيون تواجدها في المنابر التّلفزيونية منذ ثماني سنوات يعكس بوضوح حجم الرجّة السياسية وخيبة الأمل التي أصابتهم. ومن العيب أن يتهجّم بعضهم على الناخب التونسي ويقدح في اختياره الحرّ وفي قناعاته السياسية على نحو من يمتلك الحقيقة ويحتفظ بأسرارها، فلا يرضى بما آلت إليه النتائج، وينعت الشعب بأوصاف هجينة ألصق بمنطق الحقد والإقصاء وأبعد عن روح المواطنة وثقافة الديمقراطية.
ما أشارت إليه نتائج الانتخابات كان رفضا لمنظومة بقواعد المنظومة ذاتها، انتظر الشعب التونسي كثيرا ولم يجن سوى البؤس والفقر، وردّة فعله بهذا الشكل تدلّ في رأي الأستاذ قيس سعيد على “أنّه يتطلّع إلى آفاق أخرى أرحب من تلك التي تقدّم له من قبل أطراف أخرى”. وحاول أن يبتكر طرقا جديدة مختلفة عن القديمة. ومآلات السباق الرئاسي شكّلت صاعقة لجميع الأحزاب والوجوه التي تصدّرت الحياة السياسية في البلاد منذ ثورة 2011. وهي عملية شطب واضحة وقّعها التونسيون، وليست بمثابة “بداية لمرحلة من الضبابية في هذا البلد” كما كتبت صحيفة “لوموند” الفرنسية وغيرها من الصحف الغربية، بقدر ما هي تصحيح مسار، ورغبة في كنس منظومة سياسية فاشلة “حكومة” و”معارضة”. لهذا استبعدها الشعب وكرّس الصندوق حكما، وأتى بشخصيات جديدة من خارج المنظومة، وأوصل قيس سعيد الأكاديمي المستقل إلى الصدارة يليه نبيل القروي المتمرّد على المنظومة التي كان صُلبها في مرحلة ما قبل أن يتصادم مع بعض أجنحتها وينتهي به الأمر داخل السجن.
الوفاء لأهداف ثورة يناير
قواعد السياسة والمعارك الانتخابية تغيّرت بشكل واضح، ووصول قيس سعيد الذي دخل المنافسة الانتخابية بلا سند سياسي أو دعم مالي وإعلامي تؤكّد أنّ الأحزاب الكبرى والأحجام السياسية لم تعد لها قيمة. والرهان يكمن في القدرة على الوصول إلى دواخل التونسيين ومخاطبتهم بأمانة ونكران ذات، والوفاء لأهداف ثورة يناير التي قامت ضدّ منظومة سياسية فاسدة ومافيا عائلات متنفّذة. ومن حَكَم بعد الثورة وطيلة ثماني سنوات لم يغيّر من حال التونسيين في شيء، بل تعمّق الفساد وتفاقمت البطالة وغابت التنمية وترسّخت الرداءة السياسية في شكل سياحة حزبية ومهاترات ومشاهد تهريج داخل البرلمان ومحاصصة فئوية واقتسام غنائم ومعارك أيديولوجية وانقسام أحزاب وانتهازية سياسية ونرجسيات قيادة. جميع هذه الحقائق التي شاهدها التونسيون ولامسوا تعفّن مضامينها خلقت مسافة شاسعة بين الشعب والمنظومة السياسية حكما ومعارضة. وانتهى الأمر بعقاب جماعي شديد عبر التصويت الديمقراطي من قبل فئة هامّة أغلبها من الشباب لفائدة الأستاذ المستقلّ قيّس سعيد، رأوا فيه تجسيدا للرّجل المثقف، نقيّ السريرة، نظيف اليد، يخاطب هموم الناس، وقادر على حمل الأمانة والوفاء لمطالب الثورة التي رفع احدى شعاراتها “الشعب يريد” كعنوان لحملته الانتخابية، وردّد شعارا آخر من رحم الثورة لحظة إعلان فوزه وكان “أوفياء، أوفياء لدماء الشهداء”. وبين اللحظتين تجنّب الفائز في الدورة الأولى الحضور الإعلامي المكثّف ولم يكن له حزام سياسي ولا دعم منصّات إعلامية أو أموال طائلة كما هو حال مرشّحي منظومة الحكم المتمثّلين أساسا في رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي ورئيس البرلمان عبد الفتاح مورو.
وتصدّر أستاذ القانون الدستوري النتائج هو تعبير واضح عن رغبة فئة شبابية كبرى في القطع مع منظومة الأحزاب السياسية العاجزة والفاشلة في الحكم، التي لم تعد تغري الناخبين، وخسرت ثقتهم بعد أن اكتشفوا الوعود الكاذبة للسياسيين وصراعاتهم الفئوية ورداءة أدائهم. وبالتالي بحث عدد واسع من التونسيين عن بديل من خارج المنظومة السياسية والحزبية، رجل قانون كفء ومجتهد في عمله ويحمل سمات الصرامة البادية، وقد تميّز بأدائه في المناظرات التلفزيونية للمرشّحين. وعلى وقْع تشظي الخريطة الحزبية ونجاح من هو مختلف عن الصورة النمطية لرجل السياسة التقليدي، لم يتأثّر الناخبون بوعود أغلب المرشّحين التي نعتها سعيد بأنّها “كوعود كافور الاخشيدي للمتنبّي”، بل انتخبوا بقوّة من وعدهم بتوفير آليات قانونية تُحدث تغييرا جذريا في النظام السياسي، وتكسِر مركزية السلطة وتحدّ من الفساد وامتيازات المسؤولين في مختلف مراكز القرار الإداري والسياسي، وذلك بإنشاء مجالس محلّية في كلّ معتمدية (والمعتمدية مجرّد تقسيم إداري يرجع بالنظر إلى المحافظة) تتولّى اعداد مشروع التنمية المحلّية، والمجلس المحلّي بحساب نائب عن كلّ عمادة (العمادة أصغر قسم إداري يعود بالنظر إلى المعتمدية) تكون له تمثيليّة في المجلس الجهوي أي “المحافظات”، والمجالس المحلية تختار من سيتولّى تمثيلها في السلطة التشريعية المركزية في باردو، مع التنصيص على أنّ الوكالة قابلة للسّحب في حال من لم يكن في مستوى الأمانة. وهو مشروع مختلف عن المجالس البلدية الموجودة التي أصابها العطب منذ نشوئها لقيامها على المحاصصة الحزبية والولاءات السياسية ومختلف أشكال الانتهازية البعيدة عن مصالح الجهات الحيوية ومطالب التنمية.
بمعنى هو تصوّر عمليّ لبناء قاعديّ يدعو لأن تكون السلطة في يد الشعب. وقد لقي تجاوبا لدى فئة هامّة من الناخبين ملّوا خطاب الأحزاب المفلسة ومنطقها الغنائمي في البحث عن المناصب والامتيازات الفئوية، وهو ما يفسّر انفضاض الجمهور من حولها. وبصرف النظر عن الفائز في الدور الثاني فإنّ المشهد السياسي التونسي يتّجه نحو كنس شوائب الساحة السياسية، ويعيد تشكيل الوعي المجتمعي على قاعدة البحث عن قيادات ثورية من أعماق الشعب تؤسّس لقواعد حياة سياسية جديدة لا قطيعة فيها بين الحاكم والمحكومين وتستعاد ضمنها ثقة الناس في مؤسسات الدولة والقائمين عليها.
لا خوف على المسار الديمقراطي في تونس الذي يتطلّع إليه الجميع رغم حدّة التجاذبات السياسية وتوظيف البعض لأساليب غير ديمقراطية في التنافس الانتخابي. فالنتائج كشفت أن لا قيمة لكلّ ذلك، والقواعد الانتخابية التقليدية والشعارات القديمة سقطت أمام إرادة الضمير ونكران الذات، وهو مشهد عربي نادر تُراكم فيه تونس ديمقراطيتها عبر مناظرات تلفزيونية تقطع مع تقاليد الحكم المستبدّة، ولا أحد يدرك هوية الفائز قبل صدور النتائج مع استبعاد الحسم في الدور الأوّل. وجميعها دروس ونجاحات يمكن البناء عليها، ومن الجيّد أن تفرز الانتخابات التشريعية أيضا من يحملون رؤى بديلة وأفكار عمليّة لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي باعتبارها الضمانات الفعلية لتحصين الديمقراطية والوفاء للثورة وضحاياها.