إنه كوكبٌ آخر يدور حول الخراب، خرابٌ من رؤى وتبصير وتنجيم ومعرفة المقبل قبل مجيئه والآتي قبل وصوله، وأغلبه مغمس بالويلات والاشتعالات والمدائن المنكوبة، يعلنه مرة ميشال حايك، وأخرى ماغي فرح، وتتوجّه أيقونة من لبنان، أُزيحت عن وجهها كل غشاوات الآتي من الأحداث، فأصبحت المرأة التي تعرف كل شيء، ليلى عبد اللطيف.
فقلِّب الشاشات اللبنانيّة أيها القابع في انتظار موتك الآتي، تصفح جرائد بيروت أو ابحث في المواقع الإخباريّة المعنيّة بهذا البلد المنكوب ولا شكّ ستجد أحد أمراء التنجيم المشهورين هؤلاء جالساً – أو جالسة – كما شامان قبيلة حكيم عتيق، يستعرض بزهو ذات متورمة قراءته العبقريّة لمستقبل البلد والمعمورة والكون، معتمداً على نظرة ثاقبة مزعومة للأقدار الحالكة من النظر إلى مواضع النجوم وحركة مربعات الكواكب.
وإذا كانوا منشغلين يقلّبون – الإنترنت – بحثاً عن إلهام لشعوذة جديدة، فلن يبخل علينا إعلام الكآبة اللبناني بمقاطع سابقة لهم وهم يتنبأون بانفجار هنا، أو اغتيال هناك، بغياب ذلك السّياسي أو لمعان نجم ذاك، فكأنهم اللازمة التي لا بد منها لمشهد زمن الخراب في لبنان: دولة مهلهلة مفلسفة يحكمها اللصوص أمراء الطوائف، بنية تحتية منهارة، لا كهرباء ولا ماء، وحش كورونا على وشك تحطيم كوخ النظام الصحيّ المتداعي في البلاد، العملة الوطنيّة فقدت 80 في المئة من قيمتها وأصبحت موضعاً للتّندر الدّولي، التضخم في أعلى مستوياته التاريخية، ويلتهم مداخيل الناس ولقمة عيشهم، البنوك تمتنع عن إعادة إيداعات المواطنين، انفلاش معدلات الفقر والبطالة والمخدرات والجريمة، حكومة مستقيلة وتأزّم سياسيّ يدفع نحو الاحتراب الداخليّ، وتهديدات مستمرّة من قبل الكيان – العدوّ جنوباً. ثم الكارثة الرّمز: انفجار بيروت ربع النووي وآلاف الضحايا شهداء وجرحى ومفقودين، ومئات ألوف المشردين والمنازل المحطمة جزئياً أو كليّاً. في قلب هذا الظلام كلّه لنظام – كما يقول أنطونيو غرامشي – مات قديمه، ولمّا يولد جديده بعدما انتشرت الوحوش والتنانين، واستيقظت المخلوقات التي تعتاش على امتصاص دماء البشر: اللصوص، والمتسلقون، وتجار الحروب، تحلّق فوق رؤوسهم جميعاً غرابيب التنجيم السود ناعقة بالخراب وعظائم الأمور، لتقدّم للفقراء بمناقيرها تفسيرات هلاميّة تمنعهم من مساءلة أوضاعهم وتدفعهم نحو تقبّل المآسي وعهر تجار الهيكل وكأنها رغبات الطبيعة والكون، لا سلسلة متراكبة من الفساد والخيانة والسرطان الطائفي تركة الإستعمار الفرنسي البغيض.
انتكاسة للعقل في زمن التكنولوجيا المتفوقة
ليس اللبنانيون وحدهم بالطبع غارقين في لجّة التنجيم الجديدة هذه. إذ تشهد المجتمعات المعاصرة في مجملها ردّة نحو تقبّل عام متزايد لثقافة قراءة الطالع واستطلاع المستقبل – بأدواتها المختلفة – غير مشهودة منذ سبعينيات القرن الماضي، ويرى خبراء الثقافة الشعبيّة أنّها لا شكّ مرتبطة بنيوياً، وللغرابة مع التقدّم التكنولوجي الهائل في تطبيقات الإنترنت والكمبيوترات الشخصيّة والهواتف الذكيّة ومواقع التواصل الاجتماعي في خليط تناقض عجيب. وهناك دراسات موثقة تقول إن ثلث الأمريكيين على الأقل يؤمنون بالتنجيم، وهذا لا يعني مجرّد معرفة أبراج الفلك لحظة مولدهم الشخصي ومحاولة استقراء شخصيّة شريكهم الرومانسيّ من خلال جداول النجوم، بل نوع من تعايش يوميّ مستمر مع منتجات العرّافين والتطبيقات الإليكترونيّة لقراءة الطالع.
وكما هو المتوقع من تحالف التكنولوجيا والرأسمال المهيمن على عالمنا فإن تنجيم هذه الأيام لم يعد في حاجة إلى تلسكوبات وجداول فلكيّة وحسابات رياضيّة، بل أصبح تجارة محتوى محضة، تعتمد أساساً على توظيف خبراء لغة وثقافة وبرمجة لإغراق الجمهور بأوصاف وتوقعات مرتبطة اعتباطيّاً بتنقلات الأبراج عبر الفلك تتوفر عبر الإنترنت، مع تصعيد وجوه تلفزيونيّة كواجهات، يمكن الوصول إليها لاستشارات شخصيّة مقابل مبالغ مجزية من المال.
وهناك اليوم في الغرب صناعة موازية للتنجيم ومنها ما هو موجه مثلاً لرجال الأعمال الذين يحصلون على نصائح بشأن معالم شخصياتهم وتوجهاتهم الاستثماريّة وأفضل الأوقات لإطلاق المشاريع الجديدة.
التنجيم أفيون الشعوب التائهة
التّنجيم ظاهرة قديمة قدم التاريخ. وله جذور مؤكدة في الحضارات القديمة وهناك شهادات من مرافقين للرئيس الفرنسي شارل ديغول، وكذلك الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عن أنهما كانا يستفيدان من خدمات كبار المنجمين في بلادهما عند العزم على اتخاذ قرارات هامّة. وكثيرون يعتمدون عليه كنوع من بديل شعبي لسايكولوجيا أنماط الشخصيّات وبوابة مقبولة للخوض في نقاشات شخصيّة حول موضوعات قد تكون صعبة. لكن قراءة الطالع واستكشاف الغيب تحديداً تُفسّر كنتيجة لتراجع مكانة الدين الرسميّ في أذهان النّاس داخل المجتمع – الذي من المفروض أنّه يوفر نوعاً من العزاء والتقبّل للظروف الأسوأ، التي يمكن أن يمر بها الأفراد ويضع الغيب والأقدار في يد خالقهم – وبحثاً عن معنى للأحداث في غياب تفسيرات محددة لها، كما تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعيّة. لكن مناخ الاضطراب السياسيّ يبدو دافعاً أقوى، وهو ما قد يفسّر تضاعف الطلّب على خدمات التّنجيم في الولايات المتحدّة بعد انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما رافق عهده من استقطابات وتقلبات مع غياب أيّ بدائل سياسيّة ملهمة.
وربط المفكر الألماني ثيودور أدورنو في مقالة مشهورة له هذه الظاهرة الشديدة التناقض مع التقدّم العلمي الحديث بانحسار الوعي وعجز الأكثريّة في مواجهة القدرة المتزايدة للنخب الحاكمة في السّيطرة على الطبيعة أقله لناحية الأسلحة النووية وحروب الدمّار الشامل، وأن اشتراك مجموعة معينة من الأشخاص في تلقي هذه القراءات التنجميّة معاً قادر على خلق نوع من هستيريا شعوذة جمعيّة في التعامل مع الأحداث.
ما بعد «أدورنو»: إعلام الحملقة في النّجوم
أدورنو بالطبع كان قلقاً من تسرّب التفكير الغيبي إلى الإعلام العام، وكتب مقالته «نزول النّجوم إلى الأرض» تعليقاً على زاوية الحظ مع الأبراج التي وجدها في صحيفة أمريكيّة كبرى في الخمسينيات لكنّ الرّجل لحسن حظّه رحل قبل أن يحظى بمشاهدة تفشي صنعة التنجيم، كما هي على الإعلام اللبناني اليوم: المنجمون يحظون بساعات طويلة من الثرثرة على الهواء مباشرة في برامج الذّروة، فهذه ليلى عبد اللطيف – «سيّدة التوقعات» كما يسميها نيشان ديرهاروتيونيان – غير متفائلة لا في الأمن ولا في الإقتصاد، ومع ذلك فلبنان لا يهزّه الريح لأنه لبنان! وتلك ماغي فرح عند طوني خليفة تحدد أسبوعاً معينا لتطور هام، كما انتكاسة عامة مقبلة في الشهر الأخير من السنّة بناء على اتجاهات مربّعات الكواكب.
أمّا النجم ميشال حايك فيكاد يصعد إلى مصاف الأنبياء، إذ استعيدت تنبواءته عن ما حدث في مرفأ بيروت، والمحكمة الدوليّة وحتى الاتفاق الإسرائيلي – الإماراتي الأخير، كدلالة على عمق بصيرته، وهي بالطبع تعليقات لا معنى لها في إطار قائمة طويلة من الهراء يمكن تفسير موضوعاتها على عشرات الأوجه أو إسقاطها على أيّة أحداث على نسق «نحن (مقبلين) على مرحلة من الغرائب وزمن العجائب، صور لم أرها ويمكن ما رآها أحد من قبل، بيشبه نص إنسان نص حيوان، حيوان بيحكي، مولود عمره أيّام بيحكي، مخلوقات مشوهة، مخلوقات ناقصة، مخلوقات زائدة، وأشياء من عالم ثاني!» – من توقعاته للعام 2020 -.
من وراء دفع التنجيم إلى الواجهة؟
لا تحدث الأمور في لبنان بالصدفة. ولا شكّ أن المحطات التلفزيونيّة والصحف تمثّل توجهات النخبة الحاكمة المتحكمة في مصالح البلاد، ولذا فإن التقديم الإعلامي المكثّف لنماذج التفكير الغيبي والشعوذات في الأوقات المـتأزمة هذه ليس مجانياً ولا عفوياً. فبغير الّدور التقليدي للقنوات في ترويض ردود أفعال الأكثريّة عن المصائب التي تأتي بها النخب الحاكمة من خلال أفيون شعبي بديل عن تراجع الدّين بنسخته الطائفيّة – الموظّفة محلياً وباحتراف لحماية امتيازات القلّة المتنفذة، ناهيك عن احتمالات قائمة أن جهات معينة تستخدمهم لتحضير الجمهور وتمرير بعض الإشاعات حول أشياء يخطط لها.
إنها بلاد تحترق وسفينة توشك على الغرق، فيما إعلامها يدفع الناس إلى الحملقة في مجموعات النجوم.
٭ إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن