“نشيد الإنهيار” يحذر المسؤولين غاضباً “برموشكن راح منلزق” فهل لديهم إحساس؟
بيروت-“القدس العربي”: من رحم انتفاضة 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 وجدت أغاني سرفيسات موضوعات لا تحصى للتعبير عنها بلغة ساخرة، وغاضبة أو عاطفية. ومهما كانت اللغة يبقى الأساس أنه تعبير معمّد بالألم والمرارة من سيرة حاكمين يتفننون في تعذيب الناس.
كان “مترو المدينة” يستعد لحفل جديد من أغاني سرفيسات، حين داهمت كورونا الجميع وفرضت الإقفال التام. وحتى لا يطول الغياب تعرّف الجمهور إلى بعض هذا الجديد عبر وسائل التواصل الاجتماعي. “ليرة ودولار” الأغنية العاطفية الساخرة كانت البداية، ومؤخراً وصلنا “نشيد الإنهيار” الذي حظي بتفاعل واسع جداً.
مدير “مترو المدينة” كاتب وملحن ومخرج الأغنيتين يسجل في مسيرته الفنية خطوات تُحسب له لجهة التعبير الدقيق والتوصيف الحقيقي عن مواجع الناس. وإن كانت حركات الانتفاضة والثورة تُسجل كعلامة في تاريخ الشعوب، فإن الفنون المولودة من رحم المرحلة تشكل تأريخاً يبقى ويستمر وربما يُدرّس في الآتي من السنوات.
مع هشام جابر هذا الحوار:
*”يا ليل يا ليل يا إما كتير نهار” هل هي ذروة الألم من الواقع؟ وهل بلغ التهكم ذروته؟
**بل هي ذروة الاختناق. وصل الضيق إلى حدود البلعوم. “نشيد الإنهيار” أغنية من بين مجموعة كان مفترضاً تقديمها في حفل نفتتح به “أغاني سرفيسات” في 24 آذار/مارس الماضي، وجاءت كورونا وتدابيرها، وقررنا تقديم النشيد منفرداً.
*ماذا عن ولادته؟
** ولادة حصلت في آتون الثورة. هكذا وبكل بساطة بلغت الكلمات الورق سريعاً ومن دون مجهود واضح. وجدت وكأن الكلمات كانت مجتمعة في داخل القلم وتنتظر حضور الورق. وفي الحفل الذي لم يتم كنا بصدد تسع أغنيات جديدة جميعها متصل بالواقع الذي نعيشه. إحداها نزلت مع فيديو كليب تمّ تنفيذه خلال الحجر المنزلي بعنوان “ليرة ودولار” وغنتها كوزيت شديد. “ليرة ودولار” أغنية عاطفية تم تركيب كلامها انطلاقاً من علاقة المصارف بالدولار والناس. هي قصيدة حب متصلة بالوضع القائم، اعتمدنا فيها نسقاً لحنياً قديماً، وسبقت “نشيد الإنهيار” بشهر واحد. ووجدت تجاوباً جيداً من المتلقين.
*”نشيد الإنهيار” صرخة أم نشيد؟
**صرخة من دون شك وبشكل نشيد. هو الكلام الذي نردده يومياً في الجلسات الضيقة. “زلغطي يإنشراح جاي الإنهيار” مفردة اُستعملت كثيراً في الشارع. بنيت كل جملة من النشيد من الأحاسيس التي كنا نعيشها ولا نزال. بالعودة إلى السؤال، في داخل الأغنية إيقاع النشيد. وفي مكان آخر يصبح النشيد أكثر رهافة وإحساساً خاصة مع جملة “وحياة العيون اللي انطفت”. نحن نحتفي بالإنهيار، ولهذا نحن حيال نشيد الإنهيار، وكذلك حيال صرخة لا بد أن تخرج للعلن.
*نشيد الإنهيار غاضب حيناً وحزين هادئ حيناً آخر وهو لحن أليف على السمع. فماذا عنه؟
**خلال كتابته وجدت وكأني أضع النغمة بالتزامن مع الكلمة. لحن بسيط ولطيف انسكب مباشرة من الإحساس. لاحقاً ومع بدء التوزيع الموسيقي مع الشبيبة في “مترو المدينة” تم ضبط اللحن. والأهم أن “مود” اللحن ولد مع الكتابة. هو لحن غاضب ويشكل صرخة شعب بوجه الحكّام. نشيد يتمنى لو يُقدم هؤلاء على انقاذ الوطن إن كان باستطاعتهم، وإن لا، فليتنحوا جانباً ويتركوننا نبحث عن حل لأزمتنا الطويلة.
*هل أطلقت تعريف “أغاني سرفيسات” على أحد برامج “مترو المدينة” إيماناً بالفن الإنساني والمطلبي؟
**من دون شك. أغاني سرفيسات تعبير عن حاجة ظهرت في وقتها وكانت صادقة. تحت هذا العنوان غنينا القضايا التي يجب تسليط الضوء عليها. ودائماً هناك قضايا لم نعبر عنها بعد. خلال الثورة ساد الأمل لدى الجميع، واعتقدنا بأننا نقترب من التغيير الحقيقي. وجود الناس في الشارع بالشكل الذي كان بعد 17 تشرين الأول/اكتوبر شكل دفعاً للفنان ومدّه بالطاقة لقولبة القضايا والإحساس بمشاعر عامة الناس، وبالتالي تركيب لحن صغير مولود من مأساتهم. لو لم تكن هناك حاجة لتلك الأغنيات لما وجدت. فنحن ناس ومن الناس ونعيش مثلهم.
*لماذا إطلاق جملة “وحياة العيون إللي انطفت”؟ هل تشعر بالمسؤولية حيال من فقدوا عيونهم بالرصاص المطاطي؟
**كنا في الشارع بهدف التغيير. منهم من فقد الكثير من دمه، أو فقد عينه. وآخرون تركوا أعمالهم لأجل مواكبة الثورة. هذا ليس هباء. وهذا ليس مجاناً. هي تضحيات يجب أن تجد مكافأة بحجمها. الأغنية لا تشكل شيئاً في هذا المجال. قد أكون أنا أو أنت من فقد عينه. واجبنا أن نأخذ حقوق هؤلاء وبالكامل. أن نشارك في المظاهرة أو نطلق نشيد الإنهيار، وهذا صغير جداً بمقياس ما قدمه من فقدوا حياتهم أو عيونهم وهم كثر.
*هل أعادتك أحداث يوم 6 من الشهر الحالي بالإحباط من أننا نراوح مكاننا في وطن الطوائف؟
**أبداً. “نشيد الإنهيار” وصل للجمهور عبر فيسبوك وبدون دعاية مسبقة، وسجل تفاعلاً عالياً جداً لأنه يحكي وجع الناس. ما زال الناس في حالة شحن، والسلطة الحاكمة تسعى لإفشال أي تغيير، رغم كونها تدرك مدى حساسية الأوضاع. الناس يلازمون منازلهم، يخسرون أشغالهم و”صارو ع الأرض”. والخوف الآخر هو على الحياة من وباء كورونا. في هذه المرحلة تقوم السلطة بالتخريب وعلى المواطنين المزودين بالوعي مهمة البناء. نشك في كافة ما تمارسه السلطة وبقراراتها وتذرعها بكورونا. ونسأل لماذا أرقام المفرد والمزدوج للسيارات؟ لماذا إعادة افتتاح النوادي الرياضية والإبقاء على المسارح ودور السينما مقفلة؟ ثمة حماقة في تقدير الأمور، والسلوك الدائم الإستخفاف بالثقافة في حياتنا. ربما يتذرعون بأن الناس ليست في حاجة للثقافة، لكنهم ينسون أن شركات متعددة وموظفين ينتظرون لحظة العودة إلى العمل لمتابعة الحياة بعد أشهر من البطالة. هل للمسرح أن ينقل الكورونا وكازينو الميسر يمنع ذلك؟ هل صالات الميسر تحافظ على المسافة الآمنة وكل شيء يسير على ما يرام؟ هذا الواقع يقول بشكل واضح وصريح كيف تتعامل هذه الحكومة مع الثقافة. فإن كان التوجه بأن تأكل الناس وتشرب فقط لا غير ففي رأينا أنهم يعملون لتحويلنا إلى بهائم. لهذا يفترض الخروج للناس بقرارات واضحة ومدروسة. فتح البلاد يجب أن يكون منطقياً وعدم مساواة خطورة المسارح ودور السينما مع من يلعبون “الفيديو غيم”.
*”بس نطلع فيكن برموشكن راح منلزق”. في رأيك هل يرف جفن لأحد من أهل هذا النظام؟
**نقول لهم بأننا سنكون لهم بالمرصاد بمجرد أن يستيقظوا من النوم وسنلتصق بعيونهم. وصل الألم إلى أقصاه وسنبقى نطالب بحقوقنا كمواطنين. وإن لم يرضوا بنا ليعلنوها وليقدموا لنا تسهيلات الرحيل. إلى الآن نستثمر أعمارنا ورصيدنا في وطننا، لكننا سنصل إلى مكان يفترض أن ننال حقوقنا. فالعطاء لا يدوم أبداً. وخيارنا أن نطالب دائماً بحقوقنا.
*بعد شهر من الانتفاضة كانت عودة مختلفة لمترو المدينة بحيث تُركت حرية الدفع وطلب الطعام للرواد. هل كانت النتيجة مرضية للإدارة وللعاملين؟
**عندما اتخذنا قرار تأمين الحياة والعيش من شباك التذاكر كنا ندرك أننا سنكون عُرضة لكل ما يحصل في بلدنا. تابع “مترو المدينة” عمله لأن الناس تقصده رغبة في برامجه وتدفع بدل هذا النوع من الفنون. نسير حسب نبض الشارع ومشاعرنا. خلال الانتفاضة كنا أمام خيارين الاقفال وبالتالي يذهب كل ما بنيناه مع مجموعة الفنانين هباء. أو نتابع ونترك حرية الدفع للرواد على أن نتوزع ما نجنيه كأسرة متكاملة. لم نكن في أحسن حال لكنه كان مرضياً للفريق مجتمعاً، والسبب أننا جميعاً نتفهم الواقع، وننتظر أن يمر بأقصر زمن ممكن. مع كورونا بلغ زمن الإقفال الثلاثة أشهر، وسبق ذلك إقفال لشهر متواصل مع بدء الثورة. لسنا في وضع سهل، وما ندفعه للموظفين يشبه الإعاشات. نقسّم ما لدينا من أموال على الموظفين وهم لا بأس بهم عددياً، إلى جانب الفنانين الذين يعيشون من عملهم في المترو، نحن بحدود الـ100 شخص نعتاش من هذا المكان. وعندما يسمحون لنا بالعودة ستكون الصالة بجزأين أحدها للحجز المسبق، والآخر من دون حجز ودفع البدل المناسب للشخص.
*وهل المترو فكرة تتأقلم مع كافة الظروف خاصة الدولار الذي تخطى حدود الاربعة آلاف ليرة ويهدد بالمزيد؟
**إن كانت هذه المدينة التي نعيش فيها لا تزال في حاجة للمترو سيستمر، وإن كانت لها أولويات أخرى فماذا في يدنا؟ نعيش من شباك التذاكر كما سبق القول. ونطور المحتوى الذي نقدمه بالتوازي مع الجمهور. ويبدو أننا وخلال السنوات الثماني الماضية حققنا نتائج “كويسة” مع الجمهور الذي تقدمنا بالتوازي معه. حالياً نحن في مرحلة طارئة، وليس مزاحاً القول إننا مهددون بالإقفال. سنتابع ونخوض التجارب مع الجمهور، وإن وصل الفنانون لحدود عدم إمكانية المتابعة، ووصلنا لتعثر في تسديد المستحقات الدورية، من دون شك الإقفال يهددنا. طرحنا السؤال على ذاتنا وعلى آخرين “هل يمكننا المتابعة؟ وكم نحن قادرون؟” أسئلة حملها إستبيان شارك فيه بحدود الـ700 شخص، وتبين أن المترو حاجة أساسية لـ99 في المئة من هؤلاء. كحل نسعى لتقديم طلب دعم من مؤسسة “آفاق” لم يسبق أن فعلنا، لكن الزلزال الذي تعرضنا له حتّم ذلك. وأي دعم نتلقاه نرغب في أن نتابع معه الشكل الذي عُرفنا به ومن دون تعديل. ومن الحلول المطروحة نقل عروضنا إلى المناطق وفي أماكن مفتوحة. كل هذا ينتظر كلمة “إفتح” من المسؤولين.
*كان لافتاً في زمن الانتفاضة دعوة جبران باسيل لمقاطعة المترو. كيف كان الإنعكاس؟
**لست أدري ما حصل له حينها؟ كان الإنعكاس إيجابياً جداً، وزاد الجمهور بشكل لافت وتعرّف إلينا رواد جدد. بمجرد أن ظهرت دعوة جبران باسيل على تلفزيون “أو تي في” كان للناس موقف متقدم عنا كمؤسسة. وتلقينا سيلاً من اتصالات الدعم.
*هل تقول شكراً لجبران؟
**لا ننطق بشكر لأي مسؤول. كشعب وضعونا تحت الأرض ما يصح قوله دعاء من القلب بتكسير أياديهم.
*هل يراودك ما كنته في البدايات بعد تخرجك من الجامعة؟ أم ترغب في الاستمرار في التجريب متحرراً من أي قيد كلاسيكي؟
**المسرحية الأولى التي قدمتها في حياتي المهنية بعنوان “كولا بربير متحف دورة”. وفيها جلس الجمهور على المسرح والممثلون في الصالة. من ثم كان لي عرض صولو، وبعدها عرض مسرحي داخل بناء. المسرحيات الخمس التي قدمتها قبل المترو شكلت جزءاً من تجربتي التي أتابعها حالياً. إنها لعبة تكوين جمهور والتقدم معه نحو مكان ما. كل هذا يفرض أن يترك الفنان بعض أنانيته كمدرك للحقيقة المطلقة، وتالياً السعي مع الجمهور لتجريب ما لم يألفه من الأعمال الفنية. وهكذا يكون اللقاء بين الفريقين حيث يرغبان معاً. هذا ما تعلمته في الجامعة وما اكتسبته بالعلاقة مع الجمهور، واعتبر النتيجة مرضية لي كفنان.
*نلمس بأنك مجيد في تقديم الأغنيات الشعبية وغيرها فهل درست الموسيقى؟
**مطلقاً. بعض الأنغام تتولد عندي مع كتابة الكلمات. السبب أن أذني “كويسة”. لاحقاً يجتهد الشباب في المترو في التوزيع الموسيقي. نشأت في عائلة “سمّيعة” وهذا أكسبني الكثير. أخلص إلى النغمات خلال الكتابة ولست بزكريا أحمد.