■ يمكن القولُ إنَّ الزمن وأحداثه المعاصرة هي أيضاً أحدُ أبطال تشكيل الصورة عند أحمد عنتر، فالوقت الراهن هو وقت الانكسارات والهزائم العربية بامتياز، إنه وقت شبيهٌ بما كان يعيش فيه المتنبي، هو وقت الضعف والانحلال، ومن وسط هذا الضعف والانحلال تأتي الشاعرية لتعبر عن نفسها قوية، إنها في الأساس حالة من حالات التقمص للروح، واستحضار المتنبي في ذات الشاعر، وكأنه يقول: أنا متنبي هذا العصر، وإن كان هناك شاعرُ الرفض (أمل دنقل) الذي سطر اسمه في مسيرته الشاعرية العربية، فإن شاعرنا يسطر اسمه من جديد في ديوان العربية، بوصفه شاعر التعبير عن المآزق، وعن المواقف الصعبة، إن تراكب الصورة وتعقدها انعكاس لتراكب الموقف وتعقده في العالم العربي، وإعمال الذهن لكي يمكن للصورة أن تصل وتتضح في العنونة، هو تعبيرٌ عما يحتاجَهُ الموقف العربي الراهن من ترك للكسل والعمل وإعمال الذهن من جديد، إننا إزاء حالة شاعرية متميزة، تكشف عن نفسها بصورةٍ مُتحديةٍ للعقل، وللذهنية العربية الكسولة، حالة تصبح معها قراءة الشعر أشبه بالإبحار في أعماق التاريخ، يصبح الشعرُ استغراقاً فَلسفياً وتأملا روحياً، بحثاً عن الخلاص للمأزق العربي الراهن.
يمكننا النظر لمجملِ أشعار الديوان على ضوء رؤيةٍ محيطةٍ بالواقع العربي المعاصر سياسياً واجتماعياً وثقافياً وتاريخياً، من المهم النظر لديوانهِ باعتباره تعبيراً ملحمياً عن هزيمة الواقع العربي، وباعتباره استغراقاً فلسفياً يَرفُضُ منذُ البداية كسل العقل العربي، ويدعو لنسف بلادتِهِ وخموله، وحيلة الشاعر في ذلك هي الصورة التي تأتي على نحوٍ مُغايرٍ تَماماً، وتراكيب التناول الشعري التي نشعر معها وكأننا إزاء حالة من حالات الخلق الفني لفنِ «الأرابيسك» بين كلٍ مِن: القديم/ الجديد، الغربي/ العربي، السلاسة/ الصعوبة، الزمنية/ اللازمنية، الشعور/ اللاشعور، الحب/البغض، في متواليةٍ من الثنائيات التي يتم استحضارُهَا والتناصُ مَعهَا بمَوروثاتٍ بَشريةٍ كَامِلَةٍ، فكم من كلمة أو صورة يتمُ اختزالُ مَواقِفَ كامِلَةٍ في داخل بنية الصورة عبرها.
فالحقيقةُ أن بناء شاعرية الديوان لم تتم على استحضار المتنبي فقط، وإنما هناك حالة استحضار ـ او استنفار في الاستحضار إن صح القول ـ داخل الديوان لرموز بعينها، لنبحر قليلاً مع قصيدة «مشاهدات في مدينة تاريخية» متخذين منها نموذجاً لتركيبِ الصورة، ومفيضين في كيفية بناء المعنى داخل القصيدة، حيث يتم استحضار جوهر الصقلي ـ باني القاهرة الحقيقي ـ في جوٍ من أجواء الحاضر الذي يلقي بظلاله بوصفهِ أحد السخافات التي يصعب على العقل تقبلها ـ في السياق الشعري ـ فهنا ينجح الشاعر في أن يعري الواقع الذي أمامنا، ويجعلنا بأسلوب شاعري جميل ـ ولاحظ المفارقة بين الجمال والقبح ـ ندرك القبيح في واقعنا، وطبقاً لما أشار إليه محمد عبد المطلب حول استعارة التقنيات الفنية بين الأجناس الأدبية المختلفة، تتم هنا استعارة تقنيات القص، لنصبح أمام قصيدة ـ ملحمية ـ تحكي قصة خيالية، عن واقع مؤلم.
يقول: «وكان يعبر الطريق/ عابساً/ مضطربا/ مرتدياً عباءة خضراء/ سيفه المدلى/ يثير دهشة الرجال والنساء/حينما يمر في عيونهم مغتربا/ لمحته في موقف الترام، في زحام الناس؛ حينما نعل مركبة/ يزاحمونه؛ ويدهمون جسمه النحيل».
نلاحظ هنا الاستحضارَ للشخصية الأساسية التي بنت القاهرة وأسستها، والتي قد لا نتوقع على أي حال أن يتم استدعاؤها في سياقِ الانسحاقِ اليومي والانهزامِ، وعلى شكلٍ يُوحي برؤية ما لا يراه الآخرون، بشكل تبشيري ـ نبوئي، يبدو الشاعر وحده من يرى هذه الشخصية الخيالية القادمة من أعماق التاريخ، لكنها هذه المرة تصطبغ بصبغة القتامة، التي يحيا فيها الناس، القائدُ الذي دَخلَ ظَافراً مُنتصراً، والقائد الذي أبهرَ الناس ببنائه مدينة العجائب، ها هو في وصفٍ عَجيبٍ، وصف تنطلي عليه عجائب المصريين وإشاراتهم التي تحيل كثيراً من دوال قضاياهم إلى رموزٍ حسية، فيبدو سيفه ـ الذي من المفترض أنه رمز عزته ورمز رجولته ورمز ذكوريته ورمز التاريخ ونصاعة الانتصار ـ هذا السيف يبدو مدلى، بما توحي الكلمة من إسقاطاتها الحميميةِ المعروفة، مثل دليلٍ على فقد الرجولة، وفقد القدرة على فعلِ أمرٍ حقيقيٍ ونافذٍ في الحياة، ولا يكون هناك رد فعل في هذا الزحام الهائل الذي تنسحق فيه البشريةُ، معبرها عن انتصار الزحام على خصوصية الإنسان، لينتصر الزحام على التاريخ، وعلى معطيات الانتصار التي يمكن أن تتحقق، ليقف القائد المغوار جوهر الصقلي في انتظار «الترام»، يقف بدونَ حيلةٍ في مُواجَهةِ كُلِ هذا العدد الضخم، مستسلما لمداهمة الجموع له.
بناء شاعرية الديوان لم تتم على استحضار المتنبي فقط، وإنما هناك حالة استحضار ـ او استنفار في الاستحضار إن صح القول ـ داخل الديوان لرموز بعينها
ثم تأتي المفارقة بين هذا الانسحاق اليومي، وما يعلنه التلفاز، وما تعلنه الصحف، بين المعلن عنه، والحقيقي في اليومي من انسحاقٍ وهَزيمةٍ للإنسان في سير الحياة، يعبر عن ذلك بخفةٍ كمن يعزف على عود، أو يُقدِّمُ لحناً غريباً ـ ناعماً في الوقت نفسه، ألم يقم من قبل ريتشارد شتراوس باختزال عمل فريدريك نيتشه في مقطوعة موسيقية تحمل العنوان ذاته «هكذا تكلم زرادشت» ليقدم قصيداً سيمفونياً؟ لقد قام شاعرنا هنا بنفسه بالأمر نفسه، عازفاً الهزيمة والوجع في خفة اليومي، لتوحي الصورة بقربها من القارئ وسهولة التناول، بينما إذا ما حاول أن يمسك بها، وأن يحللها لعناصرها الأولية وجدَ أنه أمامَ شَبكةٍ من التَعقيداتِ المَعنويةِ، التي يُحيلُ كُلٌ مِنهَا للأخرى، لمواقف في التاريخ وفي العصر الراهن.
يقول أحمد عنتر مصطفى في قصيدته قرب مختتمها: «أنظر إليها/ وأنا أنتظر الآن رفاقي فـ (صلاح الدين) و(ابن العاص)/ و(المقداد)/ قد يأتونني.. و(ابن الوليد)/ هكذا قالت بطاقات البريد/ هكذا قالت بطاقات الوليد/ هكذا قالت بطاقات الـ…./ …../ ها هو الآن مع الشرطة يمضي/ ملء جنبيه بقايا زوبعة/ راحلاً/ والقيد في المعصم/ كاللص/ وفي عينيه أحلام سجينة/ ربما تلعنه الناس/ وتجري خلفه الصبية».
ها هو جوهر الصقلي بثيمتهِ التَاريخية، التي يتغنى بها رجالُ الدولةِ نفسِها يتحول على يدي النظام، لمعتقلٍ رَهينِ رُؤيةِ الشرطة، يتحول لمُنتظرٍ لرُموزِ التاريخ من صلاح الدين، ومن ابن العاص والمقداد، يتحوَّلُ لمنتظر لمن يخرجه من هذا الواقع الأليم، وفي الخلفيةِ طبعاً استنتاجٌ أن من يحضر مثلهم سيعاني مصيرهم، إذا كان الرمز والقيمة التاريخية والمؤسس للقاهرة، قد تحول لضحيةِ الشرطي، لا تجدي معه قيمته التاريخية، فما بال المناضل العادي إن حاول أن يقف أمام هذه السلطة؟ كيف يمكن مواجهتها؟ ونلاحظ قدرة الشاعر على خلق حالةٍ من الأسى الداخلي في النص، وكأننا ونحن نقرأ القصيدة نسمع في الخلفية كونشرتو من العزف الحزين على الواقع الذي نعيشه، وكأننا نكاد نشاهد بأعيننا جموعاً من الناس غير المهتمينَ بهذا الحدث التاريخي المهم من ظهورِ مثل هذه الشخصية للواقع من ناحية، ولفقدانِ القيمة التاريخية لرموزنا من ناحية أخرى.
حالتانِ تجتمعانِ معاً في ديوان الشاعر أحمد عنتر مصطفى «هكذا تكلم المتنبي»، حالةُ السلاسة في القراءة، وتشكيلِ الإيقاع الصوتي وفق الصورة العامة المراد رسمها، وقدرة القارئ على إيجاد نوع من التسلية في الأحداث التي يشاهدها، نحن أمام قصيدةِ شعريةٍ فريدةٍ تستحضر فنيات العمل القصصي مكتمل الأركان من راوٍ ومَرويٍ لهُ وأحداث، وشخصيات تدخل وتخرج من الأحداث، وفي الوقت ذاته أمام حالة من الشاعرية التي تصوغُ كل هذا، وتصنع منه بناءً مُتعددَ الطوابق، بحيث يصبح كل طابقٍ مؤدياً إلى الذي يليه، ولا يمكن الإمساكُ بالمعنى، وفهم جمال الصورة النهائية، إلا عن طريق تمثل الإشارات الصغرى، وفهم دلالتها، ثم تركيب هذه الدلالة في وحدة معنوية جديدة خاصة بها، ثم النظر لمجمل ما يتركب من هذه المعاني، إننا أشبه بحالةٍ نَصيَّةٍ نحتاجُ مَعهَا لمفتاحٍ من التوجيه التاريخي ـ فالقارئ غير الملم بالمُعطَى الرَمزيِّ التاريخي لن يفهم جمال الصورة، وسيصبح أمام حالةٍ مِن حالاتِ عدمِ الفهم، أما القارئُ الذي يمكنه أن يفهمَ أعماقَ التاريخ، ويستطيعَ حلَ الرموز وتركيبها معا، سينسجمُ في النهاية مع فرادةِ صورةٍ شعرية جميلة تفوق في سبكها ونسجها مثال هذه الصور في الشعر الحداثي، لكنه ما إن يستمتع بهذه الصورة حتى يأتيه إعصارُ الوجع على الواقع الرديء الذي نعيشه، ما إن تتحقق الجمالية الشعرية حتى يستيقظ عذاب الضمير، من شدة هول ما يكشف لنا عنه الشاعر من قبحٍ وواقعٍ مُتردٍ نعيشُ فيهِ. إن القراءة المعمقة لديوان «هكذا تكلم المتنبي» تدخلنا في حالةٍ من معايشةِ التاريخ والحاضر معا، بغيةَ إدراكِ الواقع إدراكاً جمالياً مُغايراً، غير أنهُ- مع بعض التبصُّرِ- يبقى إدراكاً جمالياً مُوجِعاً للضمير.
٭ شاعر وناقد مصري