هكذا دخلت إسرائيل عالم الفوضى وأصبحت الديمقراطية الأكثر هشاشة في الشرق الأوسط

حجم الخط
0

إن ما حدث في إسرائيل منذ الانتخابات كان خطوة قانونية وديمقراطية. ولكن في ظل ذلك، كما حدث أكثر من مرة في التاريخ، تم زرع بذور الفوضى داخل الأنظمة الحيوية في دولة إسرائيل. في نهاية المطاف، لا يدور الحديث هنا عن سن قوانين جديدة مهما كانت متطرفة ومثيرة للغضب، بل عن تغيير عميق ومصيري، تغيير هوية وتغيير طابع الدولة، ولم يتم إجراء الانتخابات من أجل هذا التغيير، أو ذهب الإسرائيليون للتصويت من أجلها.

تتردد في داخلي خلال فترة مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة آية من سفر يشعياهو: “الويل لمن يعتبرون السيئ جيداً والجيد شريراً، ولمن يسمون الظلام نوراً والنور ظلاماً، والمر حلواً والحلو مراً”. في الخلفية، التعذيب الذي حدث في سيناء، وأسمع عضو الكنيست موشيه غفني يعلن “نصف الشعب سيتعلم التوراة والنصف الآخر سيخدم في الجيش”. عقلي يتفحم في كل مرة، لأسباب شخصية جداً هذه المرة.

المفاوضات التي كانت تشبه وميضاً أمام الأنظار في ومضات من منطق غريب ومتحد: “فقرة الاستقواء”، “قانون التمييز”، “سموتريتش سيكون المقرر الأخير في شؤون البناء في المناطق”، “بن غفير سيمكنه إقامة مليشيا خاصة به في المناطق”، “المجرم المناوب درعي سيكون قادراً…”. ستزداد الحركة المسعورة بسرعة، وحركة لاعب الثلاث ورقات على الرصيف. نعرف أن هناك شخصاً يخدعنا في هذه الأثناء، وأن هناك من يسلبنا، ليس فقط أموالنا بل ومستقبلنا ومستقبل أولادنا، الواقع الذي أردنا خلقه هنا والذي رغم عيوبه ونواقصه والعمى، إلا أن هناك احتمالية قيام دولة سليمة فيها مساواة، دولة لديها إمكانية استيعاب التناقضات والاختلافات، دولة ستنجح خلال السنين في التحرر من الاحتلال الملعون؛ دولة سيكون بإمكانها أن تكون يهودية وعقائدية وعلمانية؛ دولة “هايتيك”؛ دولة أخلاقية وديمقراطية؛ دولة تحسن معاملة الأقليات فيها؛ دولة إسرائيلية يخلق تعدد اللهجات الاجتماعية والإنسانية فيها واقعاً من الازدهار والتلقيح المتبادل لا الخوف والتهديد المتبادل والعنصرية.

الآن حيث هدأت العاصفة، وحيث انكشفت أبعاد الكارثة، ربما يقول نتنياهو بينه وبين نفسه بأنه بعد أن تحقق الفوضى التي زرعها، وتدمير جهاز القضاء والشرطة والتعليم وكل ما يقطر منه “اليسار”، يمكنه العودة إلى الوراء في الوقت المناسب، ويمحو أو يخفف موقفه التحايلي والهستيري الذي خلقه هو نفسه، والعودة إلى التصرف بصورة عقلانية، سوية وقانونية.

لكن عندها يمكن أن يكتشف بأنه لا طريق للعودة من المكان الذي أوصلنا إليه. فالفوضى التي خلقها لا يمكن إلغاؤها، وأيضاً لا يمكن ترويضها. سنوات الفوضى خاصته نقشت شيئاً مدهشاً وحقيقياً في الواقع وفي قلوب الأشخاص الذين عاشوا فيها وفي الحياة نفسها.

هم هنا؛ الفوضى هنا، بكل قوة الشفط، والكراهية الداخلية هنا، وكذلك الاشمئزاز المتبادل، والعنف المتوحش في شوارعنا والمدارس والمستشفيات. ومن يسمون الجيد سيئاً ومن يسمون السيئ جيداً أصبحوا هنا. والاحتلال لن ينتهي كما يبدو في المستقبل القريب؛ فقد أصبح أقوى من كل القوى التي تعمل في الساحة السياسية. ما بدأ وما صيغ بنجاعة كبيرة هناك يتسرب الآن إلى هنا. الفوضى كشفت عن أنيابها أمام الديمقراطية الأكثر هشاشة في الشرق الأوسط.

بقلم: دافيد غروسمان

هآرتس 28/12/2022

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية