هكذا يتجلى دور وزارة العدل في نظام أبرتهايد إسرائيلي ضد الضفة الغربية

حجم الخط
0

سنة مباركة لك أيها المستشار القانوني للحكومة. ليتك تكرس مهاراتك المختلفة وصلاحياتك الكثيرة هذه السنة لتعزيز سلطة القانون وترسيخها. أهو وضع موجود الآن؟ ممتاز. لكنني أقصد سلطة القانون بالمعنى العميق وليس بالمعنى التقني والرسمي. أقصد فكرة أن تكون الحياة الاجتماعية موجهة من خلال معايير تم تحديدها بمشاركة جميع المواطنين. وهذه المعايير تسري بصورة متساوية على الجميع، وتستهدف – انتبه، هذا هو الجزء الذي يغيب عن كثيرين – أن تؤمّن لكل شخص ظروفاً من الحرية والمساواة والكرامة، التي يمكن معها لكل شخص أن يحقق الإمكانات الكامنة في داخله والسعي نحو سعادته.

جيد، سيكون هذا صعباً قليلاً؛ لأن الخدمات المهنية التي قدمتها في السنة الماضية تضمنت، على سبيل المثال، تشجيع نزع الملكية عن الممتلكات حسب معايير قومية. قبل أسبوعين، طلبت إجراء نقاش آخر في ملف “متسبيه كرميم”، للتمكين من مصادرة أراض من فلسطينيين عن طريق تطبيق مفهوم “إجراء السوق”، وكما في الحالات التي كانت السيطرة فيها على الأرض بدون حسن نية، حيث السلطات تعرف أن الأمر يتعلق بأراض خاصة.

 العقاب الجماعي لا يتسق أيضاً مع فكرة سلطة القانون من النوع الإنساني. وفي الشهر الماضي قدمت طلباً لإجراء نقاش آخر حتى يكون بالإمكان هدم بيوت عائلات لمشبوهين بالإرهاب، حتى لو لم يعرف الأقارب عن أفعال ابن العائلة. أجل، سيدي المستشار القانوني للحكومة، في السنة الماضية، مثلما في كل سنة في حياتك القانونية الطويلة، استثمرت أفضل الأوقات والموارد والقدرات ومهاراتك المهنية لمنح الغلاف القانوني لتخليد القمع وحرمان ملايين الأشخاص من حقوق المواطن، وهؤلاء الملايين هم رعايانا في المناطق المحتلة.

لا أحد يتوقع أن تكون روث بايدر غينسبورغ الإسرائيلية، خصوصاً في الوقت الذي تشرعن فيه الفصل بين الجنسين في الأكاديميا (نعم، نعم، فقط في مسار للأصوليين)، لكن ثمة مسافة كبيرة بين رجل قانون يصلح الأمور السيئة ورجل قانون يدافع عن الأمور السيئة. وليتك تسير هذه السنة في الطريق الذي يؤدي إلى إصلاح العالم.

سنة سعيدة لكم أيضاً… المستشار القانوني في منطقة يهودا والسامرة وضباطه. أنتم وزارة العدل لنظام الأبرتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. يا ليت هذه السنة تكون سنة أعمال جيدة، لتحقيق هدفكم كمحامين عامين يعملون لتحقيق مصالح رعايا النظام واستخدام حكيم للقوة التي أعطاكم إياها القانون، بالأساس بنادق أصدقائكم في الوحدات الميدانية.

ماذا تقولون؟ ربما يريد أحدكم أن يكون روث بايدر غينسبورغ الإسرائيلية؟ وأن يغير العالم بالقضاء ويحطم التمييز ويحارب الآراء المسبقة. ويرفع قدم الأقوياء عن مجرى تنفس الضعفاء؟ ويطبق العبر التي استخلصتموها كأبناء وبنات شعب عاش التمييز والملاحقة والتهجير ونزع الملكية والتدمير. من يرِد أن يدفع قدماً سلطة القانون كوسيلة لتحقيق السعادة والإمكانيات الكامنة في كل المخلوقات، وليس كوسيلة للسيطرة والحفاظ على الهيمنة والاستبداد، فليصرخ ويقول “أنا”!

ولكن لتحسين حياتكم المهنية حتى تصبح شبيهة بحياة روث غينسبورغ، فهذا يعني تغيير مقاربتكم، وهذا يعني أن لا تستطيعوا صياغة -من أجل قائد المنطقة- الأوامر التي تفرض قانوناً يسري على الإسرائيليين اليهود الذين يعيشون في الضفة، وقانوناً آخر يسري على الفلسطينيين. والدفاع القانوني الذي تعطونه لهدم بيوت الضعفاء من بين المحتلين في الضفة، وتهجير تجمعات وتفكيك منشآت كهربائية وبنى تحتية للمياه -ليكن هذا بيننا- كل ذلك يستهدف تمهيد الطريق لتوسيع المستوطنات. هذا لا يستقيم مع ما مثلته روت بايدر غينسبورغ. تتنازلون؟ لا، أفهمكم. سيواصل المتميزون في أوساطكم بعد التسريح وسيذهبون إلى مكاتب في بيت آسيا وبرج باركوفيتش، فهناك الكثير من صفقات “التصدير الأمني” مع دول الخليج التي تنتظركم هناك. كمية كبيرة من الكولونيا سكبت على مصطلح (التصدير الأمني) من أجل إخفاء ما وراءه.

لن نجد روت بايدر غينسبورغ الإسرائيلية في جهاز الدولة، فهذه فكرة تثير ابتسامة على الوجه. قبل تعيينها قاضية في المحكمة العليا في الولايات المتحدة، كانت روت بايدر غينسبورغ التي توفيت السبت، محامية في الهيئة الأمريكية لحقوق المواطن. وهناك قدمت دعوى ضد الإدارة الأمريكية بسبب التمييز ضد النساء.

لم تكن القاضية الوحيدة التي تم تعيينها في الهيئة العليا بعد نجاحها المهني في المجتمع المدني؛ فقد كان تورغود مارشال، القاضي الأسود الأول في المحكمة العليا في أمريكا، محامياً في الهيئة القومية للدفع قدماً بالسود، وعمل هناك ضد التمييز الممأسس ضد السود. ومن بين أمور أخرى حقق انتصاراً في قضية براون المعروفة، التي منع فيها الفصل العنصري في المدارس.

عن روت بايدر غينسبورغ الإسرائيلية يجدر التفتيش بالموازي الإسرائيلي للمنظمة التي تربت فيها روت بايدر غينسبورغ الأمريكية، في هيئة حقوق المواطن، وفي عدالة، وفي مركز الدفاع عن الفرد، وفي موكيد للاجئين والمهاجرين، وفي منظمات حقوق الإنسان والقليل من مكاتب المحامين الذين تنازلوا عن ملذات المال ويمثلون الفقراء الذين ليست لهم علاقات. في هذه المنظمات وهذه المكاتب عدد غير قليل مثل روت بايدر غينسبورغ. ولكن عندنا لا يتم تعيين قاضيات من منظمات حقوق الإنسان. يمكن تخيل العاصفة السياسية – الإعلامية – القضائية التي ستضرب البلاد لو طرحت فكرة تعيين محامية كرست حياتها للدفاع عن حقوق الإنسان للهيئة العليا.

ولدت روث بايدر غينسبورغ في عالم لم يرغب في أن تكون في القمة التي يتم فيها اتخاذ القرارات. وهي كابنة لعائلة مهاجرين يهود استوطنوا في بروكلين، عرفت بصورة مباشرة مشاعر التمييز والإقصاء والقمع، سواء كيهودية أو كامرأة. وقد مثلت اليهودية العلمانية والليبرالية والإنسانية، وكانت القاضية اليهودية الأهم والأكثر تأثيراً في القرن العشرين. كما يبدو كانت تعتبر في إسرائيل “يسارية” و”خائنة”، ولكنها اعتادت أن تسخر على أساس سيرة حياتها بالقول إن الفرق بين البائع في دكان للكتب في سوق، والقاضية في المحكمة العليا إنما هو جيل واحد فقط.

 أصلي صلاة علمانية كي تكون هذه السنة سنة تقربنا من الجيل القادم.

بقلم: ميخائيل سفارد
 هآرتس 21/9/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية