هل يستطيع أصحاب النظام العربي أو زعماؤه الباقون أن يتبصروا قليلاً فيما يعنيه الانسحاب الأمريكي التدريجي ثم المتسارع، من أكوام المعضلات العربية التي صار لها اسم: الخرائب الشرق أوسطية، هل لا يزال بعض هؤلاء يكابرون، يرفضون إخلاء زنزاناتهم بعد أن فتح الحراس أبوابها، ورموا بمفاتيحها أمام السجناء الدهريين، لماذا يخشى هؤلاء العودة إلى الحرية، ألأنهم لم يعرفوها يوماً لكي يحنوا إليها عندما يفتقدونها، هؤلاء الذين توالدوا وتعايشوا في أقبية المعتقلات، يتعذر عليهم أن يتواجدوا من جديد في الفضاءات المفتوحة بلا حدود أو سدود، ألهذا الحد يخشى الأسرى الدهريون العودة إلى الحياة الطبيعية.
ما لم يكن في حسبان أحد من هؤلاء الأسرى أن يستيقظوا ذات صباح ليقرأوا أو يستمعوا إلى ما أعلنه زعيم العالم أوباما بالفم الملآن أن أمريكا بلده، قررت ألا تكون بعد اليوم (دركي) العالم. كانت تلك هي استقالة أمريكا من ماضيها، تقدمها رسمياً إلى الهيئة العامة من زعماء المعمورة المجتمعين في الدورة الأخيرة لجمعية الأمم المتحدة، كانت أمريكا إذن تعتبر هيمنتها العسكرية على مفاصل الاستراتيجيا الكونية أنها برسم الحماية الأمنية الممنوحة مجاناً لمصلحة أمم المعمورة، وأنها عندما تنسحب من هذه الوظيفة، فإن الكرة الأرضية سترتد إلى بدائيتها الأولى، إلى غاب من الوحوش الفالتة على نهش لحوم بعضها. هذا التحول المخيف ليس تهديداً مستقبلياً في أفق الغيب، صارت له بداية مريعة افتتاحية حاشدة برموز كل الشرور الجماعية، سورية المذبحة المستديمة هذه، ستكون نموذج العالم الآتي لما بعد تخلي حراسه عن حماية أمنه اليومي.
وقد اختار أوباما لحظة إعلانه الدولي عن استقالة إمبراطورية أمريكا من وظيفة شرطي العالم، اختارها بعد إنجاز مرحلة التسلم والتسليم لأعباء الإمبراطورية بينه وبين القطب الأكبر الآخر، روسيا بوتين القيصرية المستجدة، أراد أوباما أن يكون المدخل إلى استقالة بلاده من قيادة السياسة الدولية هو نجاحه في تلك المسرحية العبثية التي ابتكرها حول حربه ضد نظام سورية، أطلقها أوباما لفظياً، وأعدَّ لها كلَّ وسائل التشويق الإعلامي، لكنه تراجع عنها عملياً، كأنه أراد أن يقول للرأي العام العالمي أن أمريكا القادرة دائماً على شن الحروب، فإنها قادرة كذلك على ربح أهدافها بدون قتال، فإذا كانت الاستراتيجية الأمريكية قررت، في زمن المصاعب الاقتصادية، تحريرَ ميزانية دولتها من أكلاف الحروب، إلا أن التسلط الأمريكي العريق على المصائر الكونية سيعتمد على وسائل أخرى، لن تكون الحروب من أولوياتها، وإنْ احتفظت بأفضلية الضربات القاضية عند الضرورة القصوى.
إذا كان ذلك هو النهج الجديد لاستراتيجية الدولة العظمى، وليس هو مجرد طريقة للحكم اختارها أول رئيس أسود كأسلوب شخصي يعبّر عن فلسفة صاحبه، إذا كان الأمر كذلك فإن السياسة الدولية في مجملها لا بد أن تتغير منطلقاتها مختلفة عما كانت عليه طيلة الحقبة الماضية منذ انهيار الثنائية القطبية بعد الحرب الباردة، ولعل هذا الاختلاف ستكون له مفاعيله المؤثرة في قطاع العالم الثالث، وفي عالمنا العربي ومحيطه الإسلامي على الخصوص. ومن هنا تبرز الأهمية القصوى للوقائع الدبلوماسية الدولية التي أعقبت مسرحية أوباما عن الحرب الافتراضية، والتي استثمرها العقل السياسي الأمريكي في استنباط وترسيخ قواعد العمل الجديدة لمنهجية تحوله الاستراتيجي الكبير، كان عليه ولا شك مبدئياً أن يقنع خصمه التاريخي: روسيا، بالنقلة من وضع الشراكة الثنائية المتضادة، إلى وضع شراكة التفاهم. كانت سورية النظام والثورة هي السلة الحافلة بكل مفردات الصفقة المطلوبة بين العملاقين اللدودين، وكانت النتائج لهذه الجولة الافتتاحية سريعة التحقق والتجسد، كان من السهل على الخصمين أن يفصلا خانة الأرباح عن خانة الخسائر، أن يجعلا الخانة الأولى من نصيبهما وحدهما، وأن يلحقا الثانية، الخاصة بالخسائر في معظمها بالثورة وبكل العرب من ورائها؛ وفي أقلها قد تصيب النظام. ولعل أنجح ما ربحه الأمريكان والروس هو أنهما استعادا مبدأ تقاسم النفوذ فيما بينهما حول كل تغيير جيو سياسي أو استراتيجي سوف يمسّ توازنات القوى في الخارطة الشرق أوسطية، أو يتناول المصالح الإقليمية ذات المنفعة العائدة إلى رصيد كل منهما.
أما الأضرار اللاحقة بالثورة، فأخطرها هو أن الصفقة الدولية سوف تحرمها من هدفها المركزي، وهو إسقاط النظام. فقد قلبت هذه الصفقة معطيات الوضع الذي آلت إليه ظروف الصراع عشية الغزوة الكيماوية، قلبت أدوارها رأساً على عقب، لم يسحب أوباما مشروعه في الضربة العسكرية لنظام دمشق وحده، بل سحب معه مبدأ معاقبة المجرم كلياً، وأكثر من ذلك فإن النظام بات يعيش فترة إعادة تأهيل، تردّ إليه شيئاً من شرعيته المفقودة إزاء المجتمع الدولي؛ حتى تمّ إدخالُ حدودٍ معينة من رعاية مصالحه في مختلف الاتفاقات أو التفاهمات التي أبرمتها سراً وعلناً صفقة العملاقين، فأمريكا لعقت كل تصريحات رئيسها السابقة التي دأبت على تجريد الرئيس الأسد من مشروعيته الدولية، ومن أهليته القانونية، وراحت تأمره بالرحيل والتنحي والاستقالة الفورية، وها هو الأسد، موضوعياً، يغدو أشبه بالعراب الغائب الحاضر في كل ما يُعد ويُطبخ إقليمياً ودولياً من المنعطفات المظلمة لمصير بلاد الشام عموماً، وليس لسورية السياسية وحدها، ألا يكفي لأزمة الغزوة الكيماوية على غوطة دمشق أنها حققت أخطر تقارب دولي بين عملاقي السياسة العالمية لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، وعلى حساب المصالح العربية العليا مجدداً.
غير أن الأسوأ في هذا التقارب أنه يكاد يطيح بمستقبل (الثورة) لسورية، يهددها حالياً، بالإنحدار من مستوى الحركات التاريخية الكبرى الصانعة لإنسانية حضاراتها، إلى مستوى دهاليز العنف الفئوية البدائية، كأن هذا التقارب حكم على الثورة بالتذرّر الأيديولوجي الإسلاموي، كيما يمنعها من تحقيق النصر الحاسم، من إيقاع الضربة القاضية بنظام الديكتاتورية الفاشية الحاكمة لمعظم أوطان العرب والإسلام، وإنزالها عن عرشها الأخير المتمثل في نموذج القلعة الدمشقية.
لا يمكن لصفقة الزعيمين، بوتين وأوباما، أن تضمن سلامة خططها في الجغرافية العربية إن استطاعت أقطارها (الجغرافية) أن تتحرر حقاً من ديكتاتورية التخلف والقمع والفساد، ولقد عطّل النظام الأسدي وأشباهه عصر النهضة العربية الجديدة طيلة نصف القرن الماضي، وما تبقى من هذا النظام في (جبل قاسيون) دمشق، قدّم كلَّ الشهادات المطلوبة على تمتعه بأفضل المؤهلات الناجعة في اجتثاث جذور النهضة وتدمير بذورها وهي لا تزال جنينية في تربتها، ماضي النظام الأسدي، تجربته (الرائدة) في اعتقال شعب سورية لنصف قرن، في سيطرته الكلية على مفاعيل هذا الشعب باعتباره دينامو المرحلة النهضوية الاستقلالية للمشرق العربي كله، هذا الماضي النموذجي في قصة إحباط العالم الثالث، وليس الوطن العربي وحده، لا يمكن للعقل الغربي الاستغناء عن دروسها، ولا التنكر لروادها (التاريخيين)، على الأقل لن يتخلى عن أمثلة مناهجها تلك التي أثبتتها وقائع الهزاذم الدموية والحضارية التي كتبت النهايات الحزينة لعشرات من نهضات شعوبٍ أفريقيةٍ وآسيوية.
قد يمكن في اللحظة الراهنة من استعصاء الثورة السورية، أن تكون الثمرة الأنضج للصفقة الروسية الأمريكية هي ذلك الحل السياسي المدعو بـ (جنيف 2) الذي يبدو أنه سوف يُفرض على أفرقاء الصراع شاؤوا أم أبوا؛ فقد تتغير رموز السلطة القادمة التي سيفرزها مؤتمر جنيف سواء أُبعد الأسد أم تُرك له دور ما، لكن نظام الدولة لن يكون أسدياً، بل فوضوياً أو دولياً. من سيحكم سورية بعد الثورة، وبقية دول الربيع العربي، لن تكون لهم صلة ما بمن صنعوا الثورات، هؤلاء سوف تتم تصفية أدوارهم عبر المراحل الانتقالية التي ستعقب الثورات مباشرة، مثلما هو حادث في الثورات الأربع الراهنة، الناشطة (إنتقالياً)؛ ما يتفكّره العقلُ الغربي لذلك المستقبل البعيد نسبياً اليوم، هو همّ السؤال حول إدارة الصيغ الصعبة لتقاسم النفوذ مع روسيا أولاً، ومن ثم مع بعض دول المنطقة العربية وجوارها الإسلامي، ممن لها ميزات الصدارة التاريخية والفعالية السياسية الراهنة.
هذا النوع من الفكر الاستعماري القديم المتجدد لن يضطر الغرب، ومعه حلفاؤه، إلى تغييره إن لم يستثمر العرب مرحلة الاستقالة السياسية الآنية، التي تتبرع بها ظروف أمريكية طارئة عن غير إرادة، فإن انحسار التدخل الأمريكي يورط بعض العرب القياديين في امتحان القدرة على تحمل أعباء استرداد الاستقلال الحقيقي والشروع في توظيف القدرات العربية المعطلة عن كل استخدام حر حتى اليوم في حسابات المصائر القومية الشاملة.
إنها الفرصة التاريخية النادرة حقاً، سوف تضع العرب إزاء رهان الانعطاف الأعظم، إن كان العرب يستحقون استقلالهم الكامل.. من أجل أجيالهم الجديدة على الأقل..
‘ مفكر عربي مقيم في باريس