لا ادري ما الذي يجعل العرب يتجرعون كؤوس السموم الأمريكية آلاف المرات إن لم يكن أكثر؟ لماذا نستسلم للإرادة الأمريكية بهذا الشكل المذل والمهين والذي يتناقض كليا مع العزة والكرامة اللذين افتقدناهما كثيرا واشتقنا إلى نسيمهما الجميل؟ لماذا نتشبث بالحبل الأمريكي بهذه الطريقة التي تبعث على الحيرة ونحن نعلم علم اليقين انه آيل إلى السقوط بمن فيه في كل حين؟ ما الذي يجبرنا على قبول السياسة الأمريكية التي تكن لنا الكره والمقت الشديدين وتعمل جاهدة وبكل طاقاتها وفي العلن من اجل تدميرنا وتخريب أوطاننا ونهب ثرواتنا وتشويه ديننا وتمزيق وحدتنا والحيلولة دون تقدمنا ووصمنا بالإرهاب وشن الحروب المدمرة علينا؟ الاجل السلطة والكراسي تعمل الأنظمة العربية كل ما في وسعها لإرضاء السيد الأمريكي ولو على حساب البلاد والعباد كما نتابع حاليا بكل وضوح؟ ألم يهبنا الله سبحانه كل الخيرات التي تمكننا من بناء قوتنا وبالتالي استقلال قراراتنا والحفاظ على سيادتنا وأمننا القومي الذي أصبح في خبر كان؟ كيف يفهم الإنسان العربي الأموال الطائلة التي تدخل الخزائن العربية جراء نعمة النفط التي انقلبت بالمناسبة إلى نقمة بسبب سوء استغلالها ومع ذلك تتسول بعض البلدان العربية الفقيرة المعونات الأمريكية السامة بشروطها المجحفة والمذلة؟ متى كانت المعونات الأمريكية لخدمة البلدان التي قدمت إليها أم أنها كانت دائما أداة من أدوات السياسة الأمريكية للسيطرة على دول كثيرة وخاصة العربية والإسلامية؟ لماذا تستنزف الأموال العربية ذات اليمين وذات الشمال وتهرب إلى الولايات المتحدة والغرب في الوقت الذي يعيش فيه غالبية الشعب العربي الفقر المدقع ويئن تحت رحمة الحرمان والفاقة؟ كيف يعقل أن يتم تبذير المال العربي من خلال تقديم الرشاوى لشراء الذمم ومواقف الدول حيث رفضت روسيا عرضا من اكبر بلد خليجي بشراء أسلحة بقيمة 15 مليار دولار مقابل التخلي عن النظام السوري خدمة للمخططات والمشاريع الصهيو- امريكية؟ كيف تدعي أنظمة عربية غنية انتماءها للإسلام والحكم بشريعته السمحاء وهي تتصرف بكل ما يناقضه؟ الم يعلمنا الإسلام بان المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يخونه ولا يستبيح دمه ولا عرضه ولا ماله ويعينه ويؤازره ويساعده ويقف معه وقت الشدة؟ الم يعلمنا الإسلام بان نتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان؟ الم يحثنا الإسلام على التآخي وموالاة بعضنا البعض والإسراع في مد يد العون لانقاذ البلدان العربية الفقيرة من اللجوء إلى صندوق النقد والبنك الدوليين المتحكم فيهما أمريكيا وصهيونيا وغربيا والمعروفين بشروطهما الضارة بمصالح الشعوب أو قبول الفتات الأمريكي الملوث بفيروسات التبعية والانبطاح والاستسلام؟ الم يأمرنا الإسلام بسلوك كل الطرق المؤدية إلى القوة على جميع الأصعدة حتى لا نقع فرائس سهلة في أيدي أعدائنا الذين يتأبطون بنا شرا ويستغلون نقاط ضعفنا وشللنا لزرع كل أنواع السموم المهلكة في أوطاننا التي باتت مكشوفة لهم يعبثون فيها كيف يشاءون ومتى يريدون دون حسيب ولا رقيب؟ إن استقلال البلدان العربية الحقيقي لن يتأتى من خلال بعض التصريحات الورقية أو اللفظية الغاضبة التي تتهم الولايات المتحدة بالتدخل في شؤونها أو من خلال رفع اللافتات التي تحمل الشعارات المناهضة لها والمنددة بسياستها أو القيام بالتظاهرات المعادية لها أمام سفاراتها فهذه الطرق قد أبانت عن عدم جدواها ولا طائلة من ورائها فالولايات المتحدة ماضية في طريقها المنحرف ما دمنا نوفر لها الأرضية الخصبة والمناسبة لاذلالنا واهانتنا وإنما من يضمن استقلال البلدان والشعوب العربية هو الإصلاح الشامل الذي يصبح فيه الوطن ملكا للجميع والقضاء على الفساد والمفسدين وما أكثرهم وتبني العلم كركيزة أساسية لنهضتنا ونزاهة القضاء وتفعيل القوانين والمساواة والعدل الذي هو أساس الملك والتخطيط المحكم وترشيد النفقات وتشجيع الكفاءات والابتكارات والاختراعات وغرس ثقافة القيم والأخلاق وحب الأوطان وغيرها من الأسباب والشروط التي ترفع من قيمتنا بين الأمم وتشفينا من الأمراض المزمنة القاتلة وتقينا من أنياب الحيوانات الضارية التي تلتهم فرائسها دون رحمة ولا شفقة. فمتى تتخلص البلدان العربية من التبعية المذلة والمهينة للولايات المتحدة لتسبح بعيدا في فضاء العزة والكرامة والحرية والاستقلال الحقيقي؟ أم أن أنظمتنا ينطبق عليها قول ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع الإنساني في مقدمته الشهيرة، إن المغلوب مولع أبدا بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده.