هل أصبح دوري أبطال أوروبا “مُضرا” بالصحة بعد أحداث منتصف الاسبوع؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: عادت البطولة المفضلة للأغلبية الكاسحة لعشاق كرة القدم، دوري أبطال أوروبا، لتسحر القلوب وتخطف العقول، والجديد هذه المرة، العبث بمشاعر وعواطف الجميع، وكأن الساحرة المستديرة كانت تحتاج مزيدا من الإثارة واللحظات الخالعة للقلوب، بتطبيق تقنية حكم الفيديو (فار)، التي ذبحت الفيلسوف بيب غوارديولا، وفي الوقت ذاته، أعادت غريمه الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو إلى “سطح القمر”، بعد إلغاء هدف الهاتريك على رحيم ستيرلينغ في اللقاء الذي سنقول عنه بعد 20 عاما، من أفضل 3 مباريات في تاريخ المسابقة.

حياة أو موت
هل تتذكر المقولة الخالدة في الفيلم العربي الكلاسيكي “حياة وموت”؟ عندما أصدر حكمدار القاهرة مرسوما للسيد أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس كي لا يشرب الدواء لأن فيه سما قاتلا. هكذا أصبح الحال في إقصائيات دوري أبطال أوروبا، لم تعد مشاهدة مضمونة لأصحاب القلوب الضعيفة، وشاهدنا ما حدث لغوارديولا، بعد فرحته الهستيرية بهدف التأهل لنصف النهائي، والتي تبدلت إلى النقيض 180 درجة في الدقيقة ذاتها، بعد تدخل “الفار”، لوجود تسلل على أغويرو، قبل تسلمه التمريرة، التي وضعها على طبق من فضة أمام ستيرلينغ، الذي واجه نفس مصير مدربه، بانقلاب الفرحة والاحتفال الصاخب لصدمة وكابوس بطعم “العلقم”، أقل ما يمكن قوله كان مشهدا قاسيا على جماهير السيتي، وقطعا غير ملائم لكبار السن وأصحاب القلوب الضعيفة، وهي رسالة تحذيرية مبكرة لهذه الطائفة من مشجعي الرباعي المتأهل للدور نصف النهائي. هذا ما يَخص الأضرار الناجمة عن المشاهد العنيفة في الأميرة الأوروبية، أما المحظوظون مثلنا، أولئك الذين لا يكترثون سوى للمتعة والإثارة والتشويق، فهم الرابحون من قسوة أحداث الثلاثاء والأربعاء، وتركيزنا سينصب في المقام الأول على أهم مباراتين وأمتع مباراتين، الأولى التي أثبت خلالها أياكس، أن كل توقعاتنا لسيناريو موقعة الذهاب، ذهبت سدى، لأننا بحق وباعتراف صريح، أمام مجموعة وصلت لمرحلة من الانسجام والتفاهم، تكاد تفوق برشلونة الأحلام 2009، برشلونة أندريس أنييستا وتشافي هيرنانديز في أوج لحظاتهما، وقبلهما البرغوث بجانب تيري هنري وبقية التشكيلة التي أنهت ذاك العام بـ6 ألقاب! أما المباراة الثانية، فهي الصدام الإنكليزي، الذي أوفى بكل وعوده، بمباراة أنستنا مأساة جولة الذهاب، يكفي أنها شهدت معدل أهداف أكثر من كل مباريات جولة الذهاب، بتسجيل كلا الفريقين 7 أهداف، مقابل 6 أهداف كانت حصيلة المباريات الأربع في الذهاب.

أكثر من جنون
ما حدث في ملعب “الاتحاد” من الصعب جدا اختزاله في مادة رأي صحافية، يكفي أنه من المرات النادرة جدا، لا تهتم الجماهير المصرية بمباراة محمد صلاح، نعم حقيقة قد لا نشاهدها على الأقل في المستقبل القريب، أن تكون هناك مباراة مهمة لصلاح في إقصائيات الأبطال، والتركيز الأول يكون على المتعة، صحيح الطريقة السهلة التي افترس بها الريدز مضيفه البرتغالي بورتو، قتلت المباراة نوعا ما، لكن من الصعب على مشجع كرة قدم “فاهم” أن يفوت على نفسه ملحمة هتشكوكية بأتم معنى الكلمة، وصلت لحد تسجيل 5 أهداف لكلا الفريقين في ظرف 20 دقيقة، وكأنك تتحدث عن مباراة أكثر إثارة من “البلاي ستيشن” بعد الإضافات الحديثة، التي صعبت مهمة تسجيل الأهداف في اللعبة، أتصور أن من يلعب (FIFA 19) لا يجد إبداعيا يسر العين في العالم الافتراضي، كما شاهده بين أقدام لاعبي السيتي وتوتنهام، وفي النهاية، قضى السبيرز على حلم بيب في التتويج برباعية تاريخية، والأهم من ذلك، عاد السؤال التقليدي في كل العام: هل غوارديولا المسؤول الأول عن خروج فريقه من الأبطال؟ بعد فشله في 6 محاولات مع بايرن ميونيخ ومانشستر سيتي بسيناريو شبه مكرر (بالكاد بشكل كربوني)، الإجابة تبدو معقدة، لا تفهم هل هو سوء حظ منه؟ أم كما أشرنا من قبل لعصبيته الزائدة ومبالغته في وضع لمسات جديدة على أسلوبه في المباريات الإقصائية للأبطال؟ لكن القاسم المشترك في جُل المرات التي ودع فيها البطولة، كانت الأخطاء الدفاعية الفردية، كما حدث من قبل في مباراته مع البايرن ضد برشلونة، عندما وجد البرغوث هدية على طبق من فضة أمام نوير ليغالطه بهدف سهل جدا، أيضا مساء الأربعاء، سار لابورت على النهج ذاته، بإهداء رجال بوتشيتينو هدفي هيوتغ مين سون، في وقت، كان فيه السيتيزينز الأوفر حظا والأقرب لقتل المباراة بهدف التقدم الثاني، ورغم صعوبة العودة، فعلها ألكون وزملائه في غضون دقائق، بقلب الطاولة على الضيف الهولندي بالتقدم بثلاثة أهداف لاثنين، وأكملها رحيم بالرصاصة الرابعة في توقيت أكثر من رائع في أول ربع ساعة من الشوط الثاني، هنا كان منعرج المباراة الحقيقي، بعودة غوارديولا الإقصائيات، الذي يبالغ في استخدام ذكائه الخارق أمام المنافسين، لينقلب السحر على الساحر، بعد دقائق قليلة من لحظة استبدال دافيد سيلفا بفرناندينيو، من جديد، اهتم بالمنافس أكثر من اهتمامه بفريقه، لم يتعامل كأنها مثل أي مباراة في الدوري، من الممكن أن تنتهي بخماسية وسداسية باللعب بالفلسفة ذاتها، بل فكر أولا في عدم استقبال الأهداف في الوقت الذي كان يعاني فيه توتنهام لنقل الكرة في الثلث الأخير من الملعب، وهو ما انتقل للاعبين داخل الملعب، وكأنها إشارة بالتوقف عن اللعب بطريقتهم المعتادة التي لا تتغير طوال العام، إلا في هذه الليلة الأوروبية بالذات، هذا فقط ما يُعاب على المدرب الكتالوني، لكن في حقيقة الأمر، سيكون من الصعب جدا، التسليم بأنه المسؤول الأول عن الخروج، بل يتحمل جزءا والجزء الأكبر يقع على عاتق أصحاب الهفوات الفردية التي تسببت في الأهداف، أما بوتشيتينو، فيستحق كل عبارات الثناء، على مشروعه العظيم، الذي لم ينفق عليه ولو جنيه إسترليني واحد، وتخطى به مانشستر سيتي بدون الهداف هاري كاين، وما زال مرشحا فوق العادة لضمان مقعده في دوري الأبطال الموسم المقبل من خلال مركزه في البريميرليغ.

قاهر العمالقة
كما أشرنا أعلاه، رد أياكس على كل المشككين في قدرته على مواصلة معجزاته في أعرق بطولات القارة العجوز، بالعودة أمام مارد مثل يوفنتوس متسلحا بأيقونة البطولة كريستيانو رونالدو، وعلى ملعب مصنف من الملاعب “المرعبة” بالنسبة لضيوفه. شخصيا شاهدت هذا الفريق للمرة الأولى في منتصف التسعينات، ولم أعهده يوما منكسرا وبلا حيلة، كما بدا أمام الوحش الهولندي الكاسر، خصوصا في الشوط الثاني، لا أخفي سرا، ربما شعرت بشيء من الاستغراب والدهشة ليلة انحناء الريال أمام أياكس بالرباعية، لكنها لم تكن المرة الأولى، التي يخسر فيها الريال على ملعبه بنتيجة كبيرة، المعجزة الحقيقية حتى الآن لإيريك تين هاغ، هي التي رسمها لعالم كرة القدم مساء الثلاثاء، لم يجرؤ فريق من قبل، على إهانة سيدة إيطاليا العجوز “كرويا” بهذه الطريقة، ولولا الستار الحليم، لواجه زعيم إيطاليا محليا نفس مصير جاره المدريدي، بهزيمة بمرارة الفضيحة، لولا براعة تشيزني في تصديه لهدفين محققين بنسبة 100%، بجانب تقنية حكم الفيديو، التي حرمت زياش من رصاصة الرحمة الثالثة. باختصار شديد، المدرب الأصلع، أثبت لنا من جديد، أن كل ذي صلعة جبار في عالم كرة القدم، على شاكلة أستاذه وملهمه غوارديولا والعبقري الفرنسي زين الدين زيدان، كيف لا وهو من تشرب فن المدرسة الشاملة في فترة معايشة بيب في البايرن، عندما كان يقود الفريق الرديف، لكنه أضاف لطريقة الأب الروحي طريقة الراحل يوهان كرويف، وأشياء جديدة، أهمها الصلابة الدفاعية، التي لم يجد الفيلسوف نفسه حلا لها، مكتشفا لغز الحلقة المفقودة في الكرة الشاملة، بالمزج بين أسلوب الضغط واستخلاص الكرة، بتمريرات قصيرة بشكل طولي وعرضي، لكن ليس كما نكتب بهذه السهولة، بل بسرعة وتقنية وبراعة تفوق الوصف، أحيانا ينتابك شعور أنهم ليسوا بشرا، بل “ريبوتات” مبرمجة من سرعتهم الخيالية في نقل الكرة من قدم لقدم سواء من مسافة قريبة أو بعرض الملعب، والأكثر رعبا، تحولهم السريع من منتصف الملعب لمنطقة جزاء المنافسين، أضف إلى كل ذلك، أن هذا النسق لا يتوقف لحظة واحدة، شيء لا يستوعبه ماسيميليانو أليغري وملوك المدارس الكلاسيكية، التي على ما يبدو “عفى” عليها الزمن.

لكل وقت أذان
نسف إيريك تين هاغ حقائق بالجملة بحملته الإعجازية في الأبطال، أهمها على الإطلاق، أن المال ليس بالضرورة هو الحاكم الفعلي لعالم كرة القدم، ولن أعطى أمثلة، لكن دعونا لا ننسى أن التشكيلة الأساسية التي وصل بها للدور نصف النهائي، لم تكبد الخزينة أكثر من 50 مليون يورو، أي أقل من نصف تكلفة انتقال كريستيانو رونالدو من ريال مدريد أو يوفنتوس، وأقل حتى من ربع قيمة الشرط الجزائي في عقد خروج نيمار من برشلونة، هذا في حد ذاته، يعطينا أملا، أن الكرة الهجومية ليست فقط من أجل المتعة والاكتفاء بالنتائج الجيدة، بل لها أنياب تفوق العقد التكتيكية والدفاعية، التي رسخها أليغري، بتعامله مع المباريات على جزئيات، معتقدا أنه مع الوقت سينهار منافسه بدنيا، ليضربه بالقاضية في منتصف الشوط الثاني، لكنه تفاجأ مثلنا تماما، بالتسونامي الذي لم يتوقف إلا مع إطلاق صافرة النهاية، وهذا عكس الفارق بين المدرب النمطي التكتيكي وبين المدرب صاحب الفلسفة الهجومية الحديثة، التي يواكبها باستمرار يورغن كلوب وبيب غوارديولا وزيدان وماوريسيو بوتشيتينو وآخرون يعدون على الأصابع، لكن يحسب لإيريك، أنه أسس مشروعه باجتهاد شخصي أكثر من اعتماده على المال، ليكون في النهاية هذا الفريق المفترس، بكوكبة من الجواهر الشابة، التي أعادت إلى الأذهان الاسم العظيم لأياكس، الذي كان يخشاه الكبير قبل الصغير في أوروبا حتى منتصف التسعينات، عندما هزم ميلان في نهائي 1995 وخسر من اليوفي في نهائي العام التالي بمساعدة ركلات الترجيح، ربما قبل أسابيع قليلة لم يكن أغلب مشجعي الكرة يعرفون ماتياس دي ليخت وفان دي بيك ولاسي شونه ونيريس ودي يونغ وبقية العصابة، لكنهم الآن اكتسبوا شهرة على نطاق واسع، وسواء استمرت المغامرة الجريئة للنهاية بإزاحة توتنهام ثم الفائز من ليفربول وبرشلونة، أو لا، فهذه الأسماء، ستكون حديث الصحافة في فترة الانتقالات الصيفية المقبلة، أما ما يخص أليغري، فنسبة كبيرة جدا، يمكن القول أن مشروعه في “يوفنتوس ستاديوم” قد انتهى، حتى لو أكد الرئيس أندري أنييلي كل يوم أن المدرب سيبقى لموسم آخر، لكن يبدو واضحا أن الفريق بات في أمس الحاجة لتغيير الفكر والنمط الثابت منذ 4 سنوات، وهذا ليس تقليلا من المدرب، بالعكس، هو نجح باقتدار في إنقاذ مرحلة ما بعد الرحيل المفاجئ لكونتي قبل أيام من ضربة بداية موسم 2014-2015، ولولا آفة تحفظه مع سوء حظه بالصدام مع برشلونة وريال مدريد في نهائيين، لربما كان في وضع ومكانة أفضل الآن، لكن الواقع يقول، إنه يعاني الأمرين لتحقيق الأهداف المطلوبة منه بعد ارتفاع سقف طموح النادي وجماهيره بضم كريستيانو رونالدو، وذلك رغم فوزه بالكالتشيو عمليا مع اقتراب النصف الأول، لكنه ودع الكأس مبكرا على يد أتالانتا بثلاثية نكراء في الدور ربع النهائي، وأغلب مبارياته في الدوري، لم تكن مقنعة، فقط كانت تحسم ببراعة رونالدو وشخصية الفريق وتمرسه على الفوز بالدوري، في ظل اختفاء المنافسين، وجاءت هزيمة أياكس، لتجعل مستقبله مع البانكونيري على المحك، إلا إذا كانت الإدارة ترى أشياء أخرى.

صلاح ضد ميسي
الشق الذي توقعنا بشكل صحيح الأسبوع الماضي، هو فوز ليو ميسي على مانشستر يونايتد، لصعوبة تحمل اللعب منكمشا بطريقة دفاعية أمام برغوث لا يعرف الشفقة، والأمر لم يستغرق أكثر من 20 دقيقة بالنسبة للأعجوبة، ليحول السهرة الأوروبية لواحدة من مباريات الليغا السهلة، واللقاء الآخر الذي كانت نتيجته متوقعة إلى حد ما، هو نزهة ليفربول في ملعب “الدراغاو”، ملعبه المفضل بعد الأنفيلد، ليضرب الكبيران موعدا مع مواجهة تندرج تحت مسمى “تحديد هوية أفضل لاعب في العالم”، وهي ليست مبالغة، إذا فاز ليو بصرف النظر عن نتيجة المباراة النهائية، فمنطقيا سيكون أقرب لاعب للفوز بالجائزة الغائبة عنه منذ عام 2015، ونفس الأمر بالنسبة لمحمد صلاح، خاصة بعد عودته لصورة أقرب ما يكون للنسخة التي ختم بها موسمه الأول، ولا ننسى أن ليو يعتلي صدارة هدافي الليغا، وأيضا صلاح عاد لمنافسة أغويرو على الصدارة، وأشياء أخرى سنتطرق إليها عن كثب في موضوعنا المقبل، لنستكشف سويا ما إذا كانت معركة ليفربول ضد برشلونة في نصف النهائي حاسمة في الصراع على جائزة أفضل لاعب في العالم أم لا، بجانب فرص توتنهام باعتباره أكثر الفرق ارتكابا للأخطاء الفردية الكارثية في البطولة أمام منافسه الهولندي، الذي يمتاز بأنه الأكثر استغلالا لهدايا المنافسين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية