هل أصبح ريال مدريد قادرا على مواجهة جنون برشلونة؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بلغة الأرقام والإحصائيات، يمكن القول إن ريال مدريد، استهل موسمه الجديد تحت قيادة المدرب تشابي ألونسو، بأفضل سيناريو وطريقة ممكنة، بعد تأمين العلامة الكاملة في أول جولتين في حملة البحث عن استعادة لقب الدوري الإسباني، حيث كانت البداية بما وُصف على نطاق واسع في وسائل الإعلام المحلية بـ«الانتصار المعقد»، الذي تحقق على حساب أوساسونا بهدف الغالاكتيكو كيليان مبابي من علامة الجزاء في ختام الجولة الافتتاحية، ثم خطف الصاعد حديثا لليغا ريال أوفييدو بثلاثة أهداف مقابل لا شيء، لكن بخصوص شخصية الفريق وأداء المنظومة الجماعية داخل المستطيل الأخضر، فمن الواضح أنها لم تلمس بعد طموحات وآمال الملايين من عشاق النادي الملكي في كل أرجاء العالم، في حالة الانقسام النادرة بين النقاد والمتابعين، ما بين فئة تتسابق في وضع علامات الاستفهام حول الشكل الهجومي للفريق على وجه التحديد، وفي رواية أخرى غياب عنصر المفاجأة والإبداع في الحلول الجماعية في الثلث الأخير من الملعب، وهذا يرجع في الأساس إلى ندرة الفرص التي أتيحت للفريق من جمل وأفكار تكتيكية من المفترض أنها تعكس بصمة المدرب، مقارنة بتسوماني المحاولات والفرص المؤكدة التي جاءت من الحل الفردي للجواهر المتفجرة في الخط الأمامي، وبدرجة أقل هدايا المنافسين في عملية الخروج بالكرة، وهناك فئة أخرى ترفض التقليل من المجهود الكبير الذي يبذله المدرب الجديد منذ توليه المهمة خلفا لأستاذه كارلو أنشيلوتي قبل أيام قليلة من ضربة بداية كأس العالم للأندية، باعتباره الرجل المنتظر، الذي يرفع شعار «دعونا نعمل في صمت»، لتحقيق حلم الجماهير والرئيس فلورنتينو بيريز، ببناء ذاك المشروع الكروي المعبر عن القوة والجودة المتاحة في جيل «الغالاكيتكوس» الجديد، بعد فشل القيدوم الإيطالي الميستر كارليتو، في حل هذه المعضلة في نهاية ولايته الثانية في «سانتياغو بيرنابيو»، حيث عانى المدير الفني الحالي للمنتخب البرازيلي، من أجل الوصول إلى التوليفة السحرية أو الطريقة المثالية لإخراج أفضل ما لدى الرباعي كيليان مبابي، وفينيسيوس جونيور، وردريغو غوس وغود بيلينغهام بما يخدم المنظومة الجماعية، ما تسبب بشكل أو بآخر باكتفاء الفريق بالتتويج بلقب كأس الإنتركونتنينتال على حساب باتشوكا المكسيكي في المباراة النهائية الموسم الماضي، في المقابل خسر كل الألقاب المحلية والقارية الكبرى، منها التجرع من مرارة الهزيمة أمام برشلونة في نهائيي كأس ملك إسبانيا والسوبر الإسبانية، من أصل 4 هزائم رسمية على مدار الموسم المظلم، والسؤال الذي يراود الكثير من عشاق اللوس بلانكوس هو: هل أظهر المدرب تشابي أي مؤشرات أو علامات ملموسة على قدرته على إنهاء الهيمنة الكتالونية سواء في معارك الكلاسيكو أو في الألقاب المحلية؟ هذا وأكثر سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.

الإرث المتهالك

صحيح من تابع أول مباراتين للريال في حملة الليغا الجديدة، لم يجد تلك المتعة البصرية التي كان ينتظرها أو النسخة المهيبة المتوقعة من المدرب ألونسو، على اعتبار أنه أخذ كامل وقته للتعرف على اللاعبين سواء القدامى أو الصفقات الجديدة، مع بدء العد التنازلي لشهره الرابع في سُدّة حكم النادي الملكي، لكن الشيء المبشر بالنسبة للمشجعين، أن الفريق بدا في صورة مختلفة تماما، عن الصورة البائسة التي كان عليها في أغلب أوقات الموسم الماضي، خاصة على مستوى الانضباط في الشق الدفاعي وتقارب الخطوط الثلاثة، بعبارة أكثر صراحة، تحول من فريق من السهل ضربه واختراقه بأقل عدد ممكن من التمريرات، إلى منظومة أقل ما يُقال عنها «أكثر تماسكا»، وبالنظر إلى الأسباب التي ساهمت في إحداث هذا التحول السريع، سنجد أن أبرزها ما يمكن اعتبارها أو وصفها مجازا بـ «القيمة الفنية» التي أضافها الوافد الجديد دين هويسين، راسما لنفسه صورة القائد المستقبلي بامتياز، والأمر لا يتعلق فقط ببراعته في القيام بدوره الرئيسي، كصمام أمان للخط الخلفي، وحجر الأساس الذي يرتكز عليه تشابي في قيادة وتوجيه رباعي الدفاع، بالرغم من صغر سنه، بل أيضا في دوره الآخر المركب، الذي يقوم به بالاشتراك مع أوريلين تشواميني وأردا غولر، لتعويض أو لملء الفراغ الذي تركه الأسطورة توني كروس منذ اعتزاله اللعبة الصيف الماضي، وتحديدا تمريراته العمودية المفتاحية بين الخطوط، وهي المهمة التي يتناوب عليها الشاب الإسباني مع زميليه الفرنسي والتركي، وذلك بطبيعة الحال، لما يملك هذا الثلاثي من رؤية وجودة في نقل الكرة وتمريرها بالدقة اللازمة في وسط ملعب المنافس، ويُحسب للمدرب ألونسو، نجاحه في تغيير الانطباع السلبي عن تشواميني، الذي كان يُنظر إليه على أنه واحد من أبرز نقاط ضعف الفريق في نهاية ولاية أنشيلوتي الثانية، قبل أن يتحول إلى ذاك الوحش الكاسر، الذي يصول ويجول في كل مكان في وسط الملعب، متقمصا دور المقاتل الذي يقوم بعملية الضغط العالي بمجرد أن تقترب الكرة من خط المنتصف، مدعوما بثنائي الدفاع هويسين وأونطونيو روديغر، بوقوف الاثنين على مسافة قريبة منه، ونفس الأمر بالنسبة للظهيرين داني كاربخال أو ألكسندر أرنولد في الجهة اليمنى أو ألفارو كاريراس في الجهة اليسرى، كلاهما في العادة يكون على بعد أمتار من اللاعب المحوري، ما يساعد الدولي الفرنسي على تركيز جهده وطاقته في أماكن ومربعات معينة داخل الملعب، وهذا بالتبعية جعله يظهر إمكانياته الحقيقية في عملية الضغط على المنافس وافتكاك الكرة في مناطق حساسة في ملعب، مثل انقضاضه المفاجئ على لاعب أوفييدو، الذي أسفر عن وصول الكرة إلى أردا غولر في الثلث الأول للصاعد حديثا لليغا، ليضعها على طبق من ذهب بين قدمي كيليان مبابي، الذي بدوره أعطى درسا للمهاجمين في كيفية مراوغة آخر مدافعين بأسلوب «الاستلام مع دوران 180 درجة»، لينفرد بالحارس المغلوب على أمره، ويغالطه بالتسديدة التي وضعت الفريق في المقدمة، لكن في الماضي القريب (تحت قيادة أنشيلوتي)، كان تشواميني، يلعب وكأنه بمفرده على دائرة المنتصف، ودون حماية كافية من زملاؤه المدافعين، ناهيك عن تراخي ثلاثي الهجوم في عملية الضغط المتقدم على أول مدافع حائز للكرة.

السلاح الجديد

على سيرة تراخي المهاجمين في عملية الضغط على المنافس في حقبة أنشيلوتي، يبدو واضحا أن المدرب الجديد، بدأ يضع يديه على هذه الإشكالية، فكما تخلص نوعا ما من صداع الهشاشة والأخطاء الفردية الساذجة في الدفاع في وجود هويسن، تظهر جُل المؤشرات أنه يسير بخطى ثابتة نحو الانتهاء في إشكالية ضعف وكسل المهاجمين في الضغط العالي على مدافعي الخصوم، والدليل على ذلك، أن الأهداف الثلاثة في شباك أوفييدو، جاءت بنفس الكيفية، بافتكاك الكرة من العدم، ثم بتمريرة واحدة للمنطلق من العمق أو من أحد الطرفين، والأخرى من صاحب الهدف إلى الشباك، وهذا المشهد تكرر مرتين بعد لقطة تشواميني في الهدف، الأولى بحصول البديل فينيسيوس جونيور على الكرة من هيثم حسن، قبل أن يهدي الكرة لمبابي، ليضيف ثاني أهدافه وأهداف الفريق، والأخرى بدأها البديل الآخر غونزالو غارسيا، بقطع الكرة من الحسن رحيم، ثم بتمريرة طولية للدولي المغربي إبراهيم دياز في أقصى الزاوية اليمنى، ليرسل العرضية الأرضية السحرية التي قابلها فيني برصاصة الرحمة الثالثة في شباك أصحاب الأرض، دليلا على التغير الكبير في عقلية وشراسة المهاجمين ولاعبي الوسط في عملية الضغط على المنافس، أو كما يقولون في وسائل الإعلام والسوشيال ميديا البيضاء، المهاجمون تحت قيادة تشابي ألونسو تحولوا إلى خط الدفاع الأول، وهذا الأمر كان واضحا في الركض المفرض لرودريغو ومبابي والمراهق الأرجنتيني ماستانتونو في الشوط الأول، ثم فيني وغارسيا رفقة مبابي في الحصة الثانية، عكس الوضع في الماضي، حين كانت وسائل الإعلام تتسابق في توجيه الانتقادات الحادة للمدرب السابق، بسبب كسل المهاجمين ورعونتهم في عملية الضغط والافتكاك والركض، من خلال منحهم المعنى الحرفي لمصطلح «الرفاهية» في التحرك والارتجال في الثلث الأخير من الملعب، وقبل هذا وذاك، يعمل المدرب الجديد على فرض أعلى معايير الالتزام والانضباط داخل غرفة خلع الملابس، كواحد من أبناء مدينة «فالديبيباس» البيضاء، من المفترض أنه على دراية كاملة بكلمة السر، التي قال عنها ذات مرة القائد التاريخي سيرخيو راموس «السيطرة على غرفة خلع الملابس في ريال مدريد أهم من الخطط والأمور التكتيكية»، وهذا ما يحاول فرضه من خلال رسائله النارية للمتخاذلين، التي كانت واضحة في ردة فعله السريعة مع الأسماء التي لم تنفذ تعليماته في المباراة الافتتاحية أمام أوساسونا بإجلاسهم على مقاعد البدلاء في المباراة التالية أمام أوفييدو، في مقدمتهم الميغا ستار البرازيلي فينيسيوس جونيور والنجم المغربي إبراهيم دياز، في المقابل أعطى الفرصة للبرازيلي الآخر رودريغو غوس، وفي مركزه المفضل، كجناح أيسر مهاجم رفقة مبابي وفرانكو ماستانتونو في الخط الأمامي، فكانت النتيجة من هذا الاستفزاز الإيجابي للنجوم، ظهورهم بأفضل حالاتهم الفنية والبدنية بعد الدفع بهم في الشوط الثاني في المباراة الثانية، ونفس الأمر بالنسبة للنجم الإنكليزي ألكسندر أرنولد، الذي تفاجأ بجلوسه على مقاعد البدلاء في المباراة الثانية، كعلامة واضحة وضوح الشمس، على رغبة المدرب ألونسو، في خلق أعلى مستوى ممكن من التنافسية بين اللاعبين في كل المراكز.

الزعيم والمعضلة

يبقى الاستثناء الوحيد في مسألة المنافسة على مكان أساسي، هو حجر الزاوية في المشروع الضخم، والإشارة إلى القناص الفرنسي كيليان مبابي، الذي يفرض نفسه من مباراة لأخرى، كمتحدث رسمي لخط الهجوم وأيضا البطل الذي سيحمل الفريق على كتفه في ما تبقى من العقد، تاركا لغة الأرقام والإحصائيات تنوب عنه، بتوقيعه على 12 هدفا من أصل 16 هدفا سجلها الفريق في آخر 7 مباريات في الدوري الإسباني، استكمالا لموسمه الماضي الجيد من الناحية الفردية، الذي ختمه بالحصول على جائزة «البيتشيتشي» و«الحذاء الذهبي الأوروبي»، بوصوله إلى شباك الخصوم 44 مرة من مشاركته في 59 مباراة في مختلف المسابقات، تقريبا ضعف أهداف زميله البرازيلي فينيسيوس (22 هدفا طوال الموسم الماضي)، وهو ما ساهم في انتقال دور الزعيم أو البطولة المطلقة من فيني إلى الهداف التاريخي لباريس سان جيرمان، وبالتبعية قد يكون سببا في زيادة مشاكل وأزمات صاحب القميص رقم 7، آخرها لحظة انفجاره وخروجه عن السيطرة في احتفاله بالهدف الثالث في شباك أوفييدو، لولا تدخل مبابي في الوقت المناسب، بوضع يديه على فم زميله البرازيلي، لمنعه من إخراج ما بداخله من غضب أمام الكاميرات، وربما لإنقاذه من عقوبة من قبل الحكم أو لمنعه من تصعيد الخلاف مع المدرب، وسط حالة التباين من السبب الجوهري وراء انفجاره بهذه الطريقة، ما بين مجموعة كانت وما زالت تجزم على أنه حاول صب جام غضبه على مشجعي أوفييدو، بعد السخرية منه في أكثر من كرة، ومجموعة أخرى، تروج لفكرة اعتراضه على قرار المدرب، بإجلاسه على مقاعد البدلاء في ثاني مباريات في الليغا، وفي كل الأحوال، هذا يعني أن تشابي ألونسو، سيتعين عليه التعامل مع فيني بمزيد من الحزم والصرامة، منها لبسط سيطرته وإحكام هيمنته على غرفة خلع الملابس، ومنها أيضا لمنع تكرار هكذا تصرفات فردية في المستقبل، هذا في الوقت الذي بدأت تتضاعف فيه الأصوات المطالبة برحيله عن «البيرنابيو»، وهذا كما يعرف أصغر مشجع مدريدي قبل خبراء النقد والتحليل في «ماركا» و«آس» وباقي المنابر البيضاء، لإصرار فيني على تأييد وجهة نظر الأعداء والخصوم فيه، كلاعب بالعامية المصرية «مزاجنجي» بامتياز، وهذه المزاجية كثيرا ما تتسبب في وقوعه ضحية أو فريسة، خاصة في سهرات الليغا التي يواجه فيها بعض الضغوط أو المضايقات الجماهيرية، والمثير للدهشة والاستغرابة، أنه حتى وقت كتابة هذه الكلمات، لم يُدرك بعد أنه ليس من نوعية كريستيانو رونالدو، وزلاتان إبراهيموفيتش، وديديه دروغبا، وزين الدين زيدان، النوعية التي تملك من القوة الذهنية والصلابة العقلية والكاريزما ما يكفي للرد سريعا على مضايقات واستفزازات جماهير الخصم بالأهداف واللحظات الإبداعية داخل المستطيل الأخضر.
أما صاحبنا البرازيلي، فُجل التجارب السابقة، أثبتت أنه يتأثر بشكل سلبي كلما أقحم نفسه في معارك جانبية مع جماهير الأندية المنافسة، والشيء المؤكد، أن ألونسو لن يقبل بأي حال من الأحوال استمرار هذا الوضع، ونفس الأمر بالنسبة للبرازيلي الآخر رودريغو غوس، الذي لم يستفق بعد من سباته العميق، حتى بعد حصوله على فرصته في مباراة أوفييدو، بإعادته إلى القوام الرئيسي، وفي المركز الذي طلبه من المدرب في اجتماعهما الشخصي الأخير في مكتب ألونسو، صحيح كانت له بعض الومضات المتباعدة في أول 45 دقيقة، لكن بوجه عام، لم يقترب حتى من نصف نسخة رودريغو «المتألق»، حين كان يصنع الفارق كلما استعان به الميستر كارليتو في اللحظات الصعبة في موسم كأس الأبطال الرابعة عشرة على وجه التحديد، وبدرجة أقل موسم ثنائية الليغا والكأس ذات الأذنين الخامسة عشرة، ربما لشعور اللاعب بأن أيامه في نادي القرن الماضي والحالي باتت معدودة، مع تجدد قائمة الطامعين في الحصول على خدماته في الأمتار الأخيرة للميركاتو الصيفي الحالي، وربما لعدم تأقلمه بعد على أفكار ألونسو، لكن الشيء المؤكد، أنه تحول إلى لغز، والمطلوب منه إما أن يستعيد نسخته البراقة، وإما تتم الموافقة على خروجه بأعلى عائد مادي في آخر ساعات النافذة الصيفية، وهذا يفسر ما أشرنا إليه أعلاه حول أسباب ندرة الفرص والمحاولات التي خلقها الفريق من الجمل والأفكار التكتيكية الجماعية التي تعكس بصمة المدرب، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الأمور مأساوية أو كارثية على مستوى خط الهجوم، بل هناك الكثير من المؤشرات التي تدعو المشجعين للتفاؤل بأن يكون القادم أفضل، متمثلة في ظهور ملامح ثنائية سينمائية بين أردا غولر وكيليان مبابي، بفضل التوظيف العبقري لميسي الأتراك، بالاعتماد عليه كلاعب محوري بين مركزي رقم (8) وصانع الألعاب رقم (10) الوهمي، منها يستفيد من طاقته في أدواره الدفاعية رفقة الظهير الأيمن وتشواميني، ومنها أيضا وهو الأهم، الاستفادة من لمسته الإبداعية في التحولات السريعة من الحالة الدفاعية أو الهجومية، ليكون هذه الشراكة المبشرة مع كيليان، في انتظار انخراط واحد من الثنائي فيني وغوس في هذه المنظومة، أو ترك المهمة لواحد من الثنائي المتعطش للألقاب والبطولات فرانكو ماستانتونو أو غونزالو غارسيا، وفي الغالب، بمجرد أن يستقر على الضلع الثالث في الخط الأمامي، ستكون الأمور على ما يرام قبل الدخول في معمعة دوري أبطال أوروبا والمعارك المحلية مع برشلونة، وذلك بعد التحسن الكبير على مستوى خط الدفاع والوسط كما شرحنا أعلاه، أما إذا استمر الخط الأمامي بلا ترابط أو حلول جماعية بصورة تحاكي الإرهاب الكروي الذي يصدره لامين يامال ورافينيا وروبرت ليفاندوسكي وبيدر والبقية لكل المنافسين المحليين قبل العودة للبحث عن أول أميرة شقراء منذ عقد من الزمان، فلن تكون مفاجأة إذا وجد الفريق صعوبة بالغة في اختراق دفاعات الخصوم الأكثر جودة وتنظيما وتماسكا من أوساسونا وأوفييدو.

العمق الكتالوني

في الوقت الذي يسابق فيه تشابي ألونسو، الزمن لتطبيق أفكاره الثورية في «سانتياغو بيرنابيو»، يبدو وكأن برشلونة قرر بدء الموسم الجاري من حيث انتهى في الموسم الماضي، بعبارة أكثر وضوحا، من شاهد أول مباراتين، خصوصا ملحمة الأسبوع الماضي أمام ليفانتي، راوده ذاك الشعور، بأن الموسم الماضي لم ينته بالنسبة لفريق المدرب هانزي فليك، بالإصرار على نفس أفكاره الانتحارية، التي تسببت في استقبال الفريق لهدفين في أول 45 دقيقة أمام ليفانتي، قبل أن يعود بنفس الطريقة الهوليودية التي رسمها لنفسه تحت قيادة فليك، كفريق يزداد شراسة وتوحش كلما اهتزت شباكه، على غرار ما فعله أمام بنفيكا، في المباراة الأسطورية التي استطاع خلالها قلب تأخره في النتيجة من 3-1 إلى انتصار لن يمحى من الذاكرة بنتيجة 5-4، وأيضا أمام الإنتر في نصف نهائي الأبطال، وسيلتا فيغو وأتلتيكو مدريد على المستوى المحلي، الفارق هذه المرة، أنها كانت المرة الأولى التي يتمكن خلالها البرسا من تحقيق الفوز خارج قواعده بعد التأخر بهدفين نظيفين في الدوري الإسباني منذ ستينات القرن الماضي، منذ العام 1962، عندما قلب تأخره أمام ريال بيتيس بهدفين نظيفين إلى الفوز بثلاثية مقابل اثنين، نفس النتيجة التي خرج بها لامين ورفاقه من ملعب «سيوداد دي فالنسيا»، في ما كانت «الريمونتادا» العاشرة للبارسا تحت قيادة مدربه الألماني في 62 مباراة في مختلف المسابقات، أو ريمونتادا كل 6 مباريات، وهذا يعني أن مدرب بايرن ميونخ ومنتخب ألمانيا سابقا، سيستمر في رهانه على أسلوبه الهجومي المتطرف، الذي يرتكز في الأساس على فكرة إيقاع المنافسين في مصيدة التسلل، من خلال الضغط المرعب على حامل الكرة، إما لإجباره على التخلص منها بعد وقوع زملائه في مصيدة التسلل، وإما لإجباره على التمرير الخاطئ، في كل الأحوال، سيبقى المشاهد المحايد، هو الرابح الأكبر من مشاهدة سهرات برشلونة الأسبوعية سواء في الدوري الإسباني أو دوري الأبطال، كيف لا وهو على يقين بأنه سيكون على موعد مع معركة كروية قابلة لكل الاحتمالات، أو على الأقل، سيستمع بمباراة عامرة بالأهداف من كلا الطرفين، في ظل السهولة التي يستقبل بها البرسا الأهداف، وما يقابلها من قوة مفرطة في تسجيل الأهداف، متمثلة في سلاح الردع الأول لامين يامال، الذي تحول بالفعل إلى نجم الشباك الأول في «كامب نو»، بحفاظه على النسخة الفضائية التي كان عليها الموسم الماضي، وبالمثل يؤكد رافينيا أن انفجاره في نفس الموسم تحت فليك لم يكن ضربة حظ أو أمرا استثنائيا، والجديد العمق المفترض أن يقدمه ماركوس راشفورد وبرنو برغجي على الأطراف، أو في أضعف الإيمان لإشعال مستوى المنافسة مع أولمو وباقي أصحاب المهام الهجومية، وفي الطريق خليفة مهندس الوسط سيرخيو بوسكتس، والإشارة إلى مارك برنال، الذي بدأ يتعافى من إصابته السيئة في الرباط الصليبي، التي قضت مبكرا على بدايته الصاروخية مع الفريق الأول، هذا ولم نتحدث عن قيمة الجلاد روبرت ليفاندوفسكي وزيادة تأثير وفاعلية شريكه فيران توريس، الشاهد عزيزي مشجع الريال، أنه حتى لو فشل رئيس البلوغرانا جوان لابورتا، في حل مشاكل قيد اللاعبين، التي أجبرت المدرب على استبعاد بعض الأسماء في المباراة الثانية، سيبقى الغريم الأزلي هو الطرف الأوفر حظا للاحتفاظ بلقب الليغا وربما أكثر من بطولة في الموسم الجديد، كيف لا والحديث عن واحد من أكثر الفرق التي تجمع بين الحدة والمتعة البصرية، ينقصه فقط حل معضلة لاعب الوسط رقم (6)، مع تراجع مستوى لاعب الوسط مارك كاسادو، جنبا إلى جنب مع المشاكل الواضحة على مستوى خط الدفاع، متمثلة في قلة خبرة باو كوبارسي، وعدم عودة رونالد أراوخو إلى النسخة الذهبية التي كان عليها قبل لحظة طرده أمام باريس سان جيرمان في ليلة الخروج من إقصائيات الأبطال الموسم الماضي، وهذا يفسر اعتماد فليك على إريك غارسيا في مركز الظهير الأيمن المقلوب على حساب جول كوندي، منها لتوفير عنصر الخبرة والأمان في الخط الخلفي، كأحد الحلول بعد رحيل إينيغو مارتينيز إلى الدوري السعودي، ومنها أيضا للاستفادة من جودة المدافع الإسباني في عملية الخروج بالكرة والبناء الصحيح من الخلف، فهل يا ترى سيواصل برشلونة طغيانه تحت فليك كفريق متخصص في قلب الطاولة على خصومه؟ أم سيكون من الصعب تكرار نجاحات الموسم الماضي بنفس الرهان أو المقامرة الانتحارية (مصيدة التسلل)؟ هذا ما سيجيب عنه ألونسو وباقي مدربين الليغا الطامحين في فك شفرة فليك مع برشلونة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية