بعد أن تساءلنا في الأسبوع السابق، هل الدبلوماسية الدولية رواية في فصول لما تعرضه علينا، فعلا، من تطورات تظهر في صورة فصول مخططة تؤلف داخل دوائر صناعة القرار وأروقة مكاتب دبلوماسيين، فتتبع نسقا يتكيف وفق المصالح الإستراتيجية للدول العظمى. نبحث هذا الأسبوع في ملابسات أحد الثوابت الأساسية لتاريخ العلاقات الدولية، ثابت من أدبياتها وأيضا وفي وقت واحد، متحول. لا يعلم الكثير من المفاهيم القابلة لهذه المقاربة، التي تضعها في الثابت والمتحول معا وهي مقاربة قد تبدو للوهلة الأولى من قبيل المفارقة. فتطورات الأحداث الدولية ومتغيراتها لا تتركنا نخال أن الثابت فيها خليق بأن يكتسب ملامح التحول والمتحول، ملامح الثابت.
فلنبدأ بالأكثر ألفة واعتيادا، ثبات سقوط القتلى في النزاعات الحالية ـ مثل الأزمة السورية- وبالآلاف. ثبات ـ كما اسلفنا في بداية هذا المقال، عزف المجتمع الدولي على أوتار مصالحه التي تتوخى الاستقرار الاقتصادي والسياسي في منطقة ما بعد ‘الثورات العربية’، لا أكثر. أما عن المتحول، فوارد أساسا على نطاق الأطياف السياسية وليدة العهد الجديد، الذي فتحته ‘الثورات العربية’ بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية’
لقد بات من الواضح أن المجتمع الدولي دفع إلى الواجهة مكونات من الطبقة السياسية العربية لفضاء ما بعد الثورة في طور الإنجاز، ولكنه في الوقت نفسه مستعد لسحب البساط أمامها في أي وقت متى وجد انها عاجزة عن تلبية مطالبه. فمن يحسب ـ على سبيل المثال لا الحصر أبدا – أن التغيير الحاصل في مصر بعد أحداث 30/6 نابع من محض ارادة الشعب بلغ من السذاجة ذروة.
ولا نعتقد ان الكثيرين منا وقعوا في فخ الاعتقاد بأن الإرادة الشعبية صنعت القرار الثوري، ولا القرار الما بعد الثوري. فما سمي في الغرب أولا بكثير من عدم الدقة العلمية والتحليلية – الثورات العربية، وما سمي بربيع الثورات العربية على مستويات من الديماغوجية بلغت أقصاها على لسان من يعتقد أن الدعوة للصداقة بين الشعوب تكفي لتحقيق مشروع سياسي، إنما كان في الواقع مدا وجزرا عبرا فعلا عن مطالب اقتصادية واجتماعية، ولكنهما مدّ وجزر أوقعا الكثيرين في خطأ الاعتقاد بأنهما كانا خليقين، بمحض طبيعتهما الحركية، أن يؤديا الى التغيير.
ما لم يفهم كثيرا، في هذا السياق الحركي الذي سمّاه العديد من المراقبين ثوريا من دون سبق تدبر ولا تمحيص، هو أن المد والجزر هذان سرعان ما تلقفتهما القوى ذات المصالح في المنطقة، ففتحت الأبواب أمام حراك الشعوب متى رأت الأمر أقل خطورة من ابقائها مغلقة، وأحكمت إغلاقها متى توجست شرا لها من ابقائها مفتوحة على مصاريعها ومصاريع الشباب المنتفض.
أما عن الألقاب التي أطلقت للتداول بلا حرج من ‘أوباما الإخواني’ أو’بوتين الأسدي’ أو’هولاند المحارب’، فهو قشرة لا نصل إلى طعم فاكهتها الحقيقي إلا بنزعها.
أما الحقائق، فهي حقائق معايير المجتمع الدولي، أو بالأحرى، المجتمع الدبلوماسي الدولي، الذي يعمل بثنائية الثابت – المتحول في سياق يعيد فيه التاريخ نفسه.
أجل، فقد أعطى السياق الحركي العربي ‘فرصة’ للقوى العظمى أن تمارس احسن ما تتقنه، وهو ابراز عضلاتها عن طريق التحالفات والتحالفات المضادة، إما مع دول أو مع أحزاب سياسية، أو جماعات تمارس السياسة وأكثر من السياسة، فهل لنا، في باب ‘التاريخ يعد نفسه’ من كتاب الدبلوماسية الدولية في فصول، أن نبدأ من البداية فنذكر محللينا ومستشرقينا وغيرهم من دعاة الصداقة بين الشعوب بلا مشروع، أن التحالفات هذه بدأت في أفغانستان مع مؤسس تنظيم معروف لا داعي للترويج له بذكر اسمه؟ هل نذكّر أصدقاء الشوارع الثائرة وأنصار المعارضة من اجل المعارضة، ألا أحد يستطيع ضمان غد أفضل في بلد لم تتوضح فيه أبدا ملامح لحكم البديل كسورية؟ هل نذكر خبراء القانون الدولي من جامعيين مرموقين وباحثين محترمين متضامنين مع حق الشعوب في ‘حكم نفسها بنفسها’، أن من وصل الى الحكم في بلاد ‘ربيع الثورات العربية’ وصل إليه بتصويت أقلية الشعب وليس اغلبيته، وأن، بالتالي، ما سمي بالأغلبية الصامتة بقيت بلا صوت ؟
هل نذكر، في النــــهاية، أن من يحــــكم في الفضاء ما وراء الثوري إنما يحكم بقدرما ثبت حلف الغرب الموضوعــــي معـــه ومساندته له ودعمه إياه، وأن الثابت الوحــــيد في المعــــادلة هو أن هذا الحلف وهذا الدعم وهذه المساندة قابلة للتحوّل في أي لحظة…
هذا ما يثبته تاريخنا الحديث وفي ذلك نخشى ألا يتحول.
‘ باحث أكاديمي فرنسي
البطل الشهيد عمر المختار شيخ روادها