تتابعت الأسبوع الماضي تحذيرات سياسيين قدامى وجدد مثل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر وآخر زعيم للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشيف، حول إمكانيات نشوب «حرب باردة جديدة» بين روسيا والغرب، وهو الأمر الذي أعاد تأكيده رئيس وزراء فنلندا الكسندر ستاب. واعتبر كيسنجر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتصرف من منطلق «ضعف استراتيجي متنكر في زي قوة تكتيكية»، فيما ناقش غورباتشيف فكرة الحرب الباردة معتبراً ان البعض يقولون إنها بدأت بالفعل.
ورغم إبداء أمريكا وأوروبا إشارات للتهدئة، من خلال إعلان واضح عن عدم وجود عقوبات جديدة ضد روسيا، وكذلك من خلال اللقاءات القصيرة والعابرة التي جرت بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والزعيم الروسي فلاديمير بوتين (لمدة عشرين دقيقة) خلال قمة آسيا المحيط الهادي في العاصمة الصينية بكين فالواضح أن هذه الإشارات لم تنفع في تهدئة غضب الدبّ الروسي والتي تسببت بها أولاً عوامل اقتصادية تراجع سعر النفط عالمياً بقيمة 30% وهو ما أحدث خللا كبيراً بالموازنة الرسمية الروسية، كما سحب كثير من المستثمرين أموالهم فوصل الرقم إلى حدود 129 مليار دولار، وأدى كل ذلك إلى انخفاض قيمة الروبل بشكل كبير (300٪ من قيمته التي كان عليها عام 1994)، وبلغت قيمة تراجعه نحو 50٪ خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وهو ما يعني تراجعاً شاملا في دخل الشعب الروسي وتزايدا لنسبتي البطالة والتضخم، وإلى تراجع الاحتياطي النقدي الروسي.
بعض المحللين السياسيين الروس صوروا هبوط أسعار النفط على أنه مؤامرة سعودية – أمريكية على موسكو بينما اعتبر بوتين الأمر «ألاعيب سياسية»، ولكن نجاح زعيم الكرملين في إظهار برودته ورباطة جأشه لا يعبّر عن حقيقة ما يجري داخل الطاقم الحاكم في موسكو.
ردود فعل روسيا الغاضبة على الضغوط الكبيرة الممارسة ضدها تبدّى بعدّة أشكال منها توجيهها أعدادا كبيرة من الشاحنات والدبابات والعربات العسكرية المحملة بالأسلحة الثقيلة الإثنين الماضي باتجاه مناطق شرق أوكرانيا التي يسيطر عليها الإنفصاليون الموالون لموسكو وتصعيد القتال في أوكرانيا مما أدى الى مقتل أربعة جنود وإصابة 18 آخرين خلال 24 ساعة، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة الى التحذير من تجدد «قتال واسع النطاق»، فيما اتهمت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سامانتا باور موسكو ب»تأجيج الحرب»، واعتبرت نظيرتها الليتوانية ريموندا مورموكيتي أن «حرباً زاحفة غير معلنة تنفذها روسيا ضد أوكرانيا».
كما نُشرت أخبار قبل يومين عن تخطيط روسيا للقيام بدوريات جوية باستخدام قاذفات بعيدة المدى قرب خليج المكسيك ومنطقة الكاريبي، تضاف الى دورياتها في البحر الأسود، والبلطيق، وبحر الشمال وفوق المحيط الأطلسي، كما جرت توغلات عديدة قامت بها الطائرات الروسية في المجال الجوي الأوروبي، إضافة الى اختراق للمجال البحري للسويد بغواصة نووية روسية، وتتوجه بواخر عسكرية روسية حالياً نحو استراليا حيث تعقد قمة العشرين.
وفي خطوة موازية للخطوات العسكرية أطلقت روسيا منظومة إعلامية جديدة مؤلفة من مجمعات إعلامية في 120 مدينة في 34 بلدا تبث بثلاثين لغة تحمل اسم «سبوتنيك» للتصدي لـما تسميه «الدعاية الغربية» وذلك بعد أن كشفت أحداث أوكرانيا عجز وسائل الإعلام الروسية بما فيها الناطقة باللغات الأجنبية في التأثير على الرأي العام العالمي.
على الصعيد الإقليمي تشتغل الدبلوماسية الروسية بتناغم كبير مع إيران في سياق مفاوضاتها المحتدمة مع الغرب حول مشروعها النووي، وقد وقّت البلدان توقيع اتفاقية لتوريد مفاعلات نووية جديدة لإيران مع اليوم الثالث للمفاوضات التي انعقدت بين طهران والدول الغربية في عُمان، كما أنها أعادت تذكير العالم بدورها المهم في سوريا من خلال لقاء مع الرئيس الأسبق للإئتلاف السوري المعارض معاذ الخطيب، وأعلنت تسليم صواريخ «إس 300» لمصر في إشارة الى عمل سياسيّ مشترك مع القاهرة حول الملفات الساخنة في المنطقة.
التصعيد الروسي هو صيحة ألم كبرى من العقوبات، كما أنه تهديد للغرب كي لا يستمرّ في تضييقه على موسكو، والأكيد أن الكرملين لا يستطيع أن يغيّر معادلة العقوبات الغربية التي هزّت اقتصاده، ولعلّ تلويحه بقواه العسكرية والسياسية والإعلامية إيذان بأن أوان الصفقات قد حان، وفي زمن الصفقات والتسوية قد تتغير حدود وتطير رؤوس، فأي حدود ستتغير وأي رؤوس ستطير؟
التهديد لعبة مدروسة لكنها لا يمكن أن تخلو من عواقب ومفاجآت.
رأي القدس