يجب النظر في المرآة باستقامة دون تفكيك الصورة التي ظهرت أمامنا. سنة كورونا التي ابتلعت أوراقاً كثيرة، أثبتت أن الثقافة والفن في إسرائيل أقل أهمية مما كان يظهر لنا. لقد مرت سنة احتضرت فيها الثقافة، وتوفي الفن، ولم تسقط والسماء.
السماء سقطت حقا على صناعة الثقافة وعلى المنتجين والتقنيين، والمطربين والممثلين، والراقصين والفنانين، لقد دُمر عالمهم وتفطر القلب من ضائقتهم؛ على المستوى الإنساني هذه ليست مؤلمة أكثر من ضائقة أصحاب البقالات أو قاعات الأفراح. السماء سقطت على مؤسسات الثقافة التي لن يعاد فتح عدد منها. هذا فظيع، لكن في جانب الألم الذي ينعكس بشكل جيد من قبل الفنانين ورجال الثقافة البليغين والمعروفين، يجب أن يسود الوعي بأن الثقافة في إسرائيل 2021 لا تحتل مكاناً مركزياً كبيراً مثلما كان يظهر لنا ومثلما أردنا أن يكون ومثلما تفاخرنا. كورونا جسدت المكان الحقيقي للثقافة في الهرم: هي ترفع الروح والنفس، لكنها غير ضرورية مثلما يرددون على أسماعنا. صندوق المرضى أكثر أهمية من مسرح “الكامري”، ورامي ليفي أكثر أهمية من “اوهيد نهاريم”، والسوبرماركت أكثر أهمية من المسرح، ومطار بن غوريون أكثر أهمية من متحف إسرائيل. هذا مؤلم ومثير للغضب، لكنها الحقيقة.
يثور رجال الثقافة ضد الإغلاق الذي فرضته عليهم الحكومة. ولكن ما يجب أن يثير حقاً هو الحقيقة البسيطة والقاطعة، بلغة دافيد افيدان، وهي أن معظم الجمهور غير مبال بإغلاق عالم الثقافة، بل ووجدوا له بديلاً، “نتفلكس” بدلاً من “سينما تيك”. هذه الضربة التي نزلت على عالم الثقافة، الذي عرف أنه أقل أهمية مما اعتقد، هي الضربة الأكثر خطورة وألماً التي تلقاها، أكثر من البطالة ومن الضائقة الاقتصادية ومن الخواء، والتي سيصعب النهوض منها مرة أخرى.
يقتبس الجميع الآن تشرتشل الذي سأل: “لماذا نحارب؟”، عندما أرادوا تقليص ميزانية الثقافة. ولكن الحرب التي شنها تشرتشل ضد ألمانيا كانت على الوجود وليس على الثقافة، رغم كل الرومانسية في جوابه. إسرائيل لا تحارب من أجل ثقافتها، بل ولم تتظاهر في ذلك. وجد الإسرائيليون طرقاً كثيرة للتمرد على الإغلاق والخداع، والقيام بالمهمات من المطعم إلى المقعد وارتداء الكمامة على الذقن وبيع الكمامات في محلات الأثاث كي يسمحوا لها أن تفتح، ولم يحتج الجمهور ضد إغلاق عالم الثقافة. في فرنسا احتجوا على إغلاق محلات بيع الكتب، وفي إسرائيل أيضاً عندما كانت مفتوحة أمام الإغلاق كانت فارغة. رجال الثقافة يثورون ضد قرارات الحكومة، لكنها قرارات يمكن الحصول عليها بسهولة كبيرة لأن الحكومة تعرف أن الفنانين ليس لهم الكثير من الشركاء في أوساط الجمهور. ضعف الثقافة هو الذي سمح بإغلاقها.
الشعر والأدب كانا ذات يوم أكثر أهمية في حياة الإسرائيليين. والآن يبدو أنهما بقيا قابعين بين صفحات “ثقافة وأدب” في “هآرتس”. وكان المسرح أكثر أهمية، والآن يمكن السفر إلى دبي لسماع عومر آدم. وإلغاء جفعات حلفون في مسرح “البيماه” كما يبدو ليس مؤلماً. الكنس أصعب على الإغلاق في إسرائيل من المسارح. أماكن التطهر أصعب على الإغلاق من النوادي. المدارس الدينية أصعب على الإغلاق من المتاحف. هذا يخبر بشيء ما عنا وعن صورتنا وعن عالمنا.
قد يكون سقوط اليسار هو الذي بشر بذلك. ربما هذه ظاهرة عرضية لصعود اليسار والسير وراء القومية المتطرفة، الدينية المتنمرة والشعبوية. الأدب لا يحب التنمر، والقومية المتطرفة والدينية تحتاج إلى أدب أقل. هناك بالطبع ثقافة وأدب يميني وديني، لكن بدرجة أقل. هذه حقيقة. يمكن أن تواصل القول إما الأدب وإما أن نموت. إما الثقافة وإما أن نموت. كورونا ضربتنا في وجهنا، لقد أسقطت شهداء آخرين إلى جانب أقسام العلاج المكثف. إما الثقافة وإما أن نموت؟ لن نموت. مؤسف جداً.
بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 11/1/2021