لندن – «القدس العربي» : لطالما كانت أحد أقدم بطولات كرة القدم القارية الكوبا أميريكا ذات أهمية خاصة لدى عشاق المستديرة، فهي مميزة ومختلفة بطبيعتها، إذ أنها نابعة من أرضٍ خصبة بالمواهب التي تتميز وتختلف بجودتها عن باقي قارات العالم. فأمريكا اللاتينية هي من أنجبت بيليه ومارادونا وميسي الذين يحلون دائماً ضمن خانة الخمسة الأعظم في تاريخ اللعبة مهما اختلف ترتيبهم ومهما اختلفت عليهم الأراء. فالكوبا أميريكا لطالما كانت موطناً ومسرحاً لتلك المواهب النفاثة، فهي أقدم من كأس العالم، إذ نظم كأس العالم الأول عام 1930 ونظمت نسخة كوبا أميريكا الأولى عام 1916.
وخلال الأعوام القليلة الأخيرة لاحظت أن نسب الاهتمام بالبطولة يقل بشكلٍ ملحوظ. سواءً كان ذلك على صعيد نسب المتابعة بشكلٍ عام أو نسبة اهتمام الإعلام العالمي بالبطولة. وتيقنت من استنتاجي حين تزامن تنظيم البطولة العام الماضي، المؤجلة لهذا العام، مع بطولةِ كأس أمم أوروبا المؤجلة. فالفارق مهول جداً في كل شيء، لكن هذا ليس مقياساً، فالكوبا أميريكا تتآكل عاماً تلو الآخر وتنظيمها يحظى باهتمامٍ عالمي وشعبي أقل بعد أن كانت الأهم لسنواتٍ عدة نظراً لعراقتها ومكانتها التاريخية.
السبب الأول في تراجع البطولة ككل يكمن في تكرارها وعدم انتظام سنوات إقامتها. إذ تكرر التنظيم كثيراً في السنوات القليلة الماضية، ما لم يعط مجالاً للجمهور في أن يفتقدوها أو أن يتشوقوا إلى بدايتها كما في حال كأس العالم أو كأس أمم أوروبا. فالدواعي المادية محفزة جداً، والأسماء الكبيرة التي تأتي من أنديتها الأوروبية لممارسة اللعبة في القارة تجني المال بصورة كبيرة.
السبب الثاني يكمن في تراجع مستوى المنتخبات بشكلٍ عام. فباستثناء البرازيل والأرجنتين، لا توجد جودة عالية في المنتخباتٍ المنافسة، إذ لا تملك أسماءً ونجوماً في كافة المراكز في الميدان، ما يجعل حدوث مفاجآت، كما نرى في كأس أمم أوروبا وكأس العالم، مأموريةً صعبة للغاية. فالبرازيل والأرجنتين تأهلتا إلى نهائي بطولة هذا العام، وفي النسخة الماضية عام 2019 توجت البرازيل على حساب البيرو في النهائي بعد أن أقصت الأرجنتين في نصف النهائي. ما يأخذني إلى السبب الثالث المتمثل في أن البطولة ذاتها تتمحور حول الأفراد وليس المجموعة والمنتخبات. فالكثير من المتابعين العالميين هم من عشاق ميسي أو نيمار. فالمشجع الأوروبي على سبيل المثال لا يحمل أيّة مشاعر اتجاه البرازيل كبلد، لكنه قد يكون حريصاً على مشاهدة أداء نيمار واستمراريته في البطولة، ما يجعل البطولة مسرحاً لهؤلاء النجوم العالميين فقط. والسبب الأخير يكمن في ساعات تنظيم البطولة المنصرمة. والتي تتم مبارياتها فجراً في مناطق شرق قارة آسيا وأوروبا وأفريقيا. إذ يخسر المنظمون ملايين المشاهدين في المباراة الواحدة، ما يفقدهم الزخم والتغطية الإعلامية المطلوبة والمال والإعلانات التجارية حتماً!
كل هذه الأسباب مجتمعة تقلقني كعاشق للساحرة المستديرة. فأنا لست جاهزاً لرثاء أحد أعرق البطولات القارية عبر التاريخ، فميسي ونيمار لن يدوما طويلاً، والبطولة تخسر من قيمتها شيئاً فشيئاً، إذ أخشى عليها من اختفاء الجماهير العالمية وأن يصبح جمهور البطولة من أبناء البلدان المشاركة فقط. فإن لم يفعل المنظمون شيئاً لإنقاذ المركب من الغرق فستتحول أمريكا اللاتينية إلى مصنعٍ لتصدير مواهبها لأوروبا من دون عائدٍ يذكر للقارة، وبسيناريو شبيه لما حصل مع الجيل الأفريقي الحالي الذي نراه يلعب بقمصان المنتخبات الأوروبية اليوم!