سألتني وليس في سُؤال مولايَ من حرج أن أحدثكم عن حكايتي قبل الانتقال إليكم. تعلم أعزك الله ولا أخرجك عن أرضك مكسورا مدحورا، أن أجدادي المُسلمين الأندلسيين ممن تسموا بالموريسكيين قد هُجروا عن ديارهم بين سنتي 1609 و1614 لأنهم خيروا بين أن يتحولوا عن دين الأحناف إلى المسيحية، أو يغادروا أرض الأجداد. خرجنا جماعات جماعات ووجدنا في بلدكم أعز الله دولتكم كل عناية فقبلتمونا خير متقبل وأنزلتمونا أحسن منزل وتركتمونا نغرس ونزرع وكأن أرضكم أرضنا.
لم أكن يا مولاي قد ولدت حين سقطت غرناطة 1492، ولم أكن أعرف إن كان أجدادي القاطنين في مملكة أراغون قد تأثروا كثيرا بهذا الحدث، لكنني متأكد أنهم تأثروا بعد ذلك حين ضيق الحكام الجدد الخناق على رقاب كل المسلمين. كانوا يسمون أجدادنا الموديخاريس وهي بلكنتنا الإسبانية mudéjares علمت منذ فترة أنها اشتقت من لفظ المدجنين العربي، وكانت تعني المسلمين الذين احتفظوا بدينهم إلى حد 1502 في قشتالة و1526 في أراغون، قبل أن يجبروا على أن يلبسوا ثوب المسيحيين. غاب المسلمون أو اندثروا في رأي الحكام الجدد، لكن من غير المعقول أن ينتقل المرء بين عشية وضحاها من دين إلى آخر، فلم يكن هناك سبيل إلا التقية. لكن المدجنين عدوا في نظر الساسة الجدد مسيحيين مختلفين عن المسلمين الذين حافظوا في شبه الجزيرة الإيبيرية على إسلامهم وتسموا بالموريسكيين Moriscos. صارت هذه اللفظة تطلق على المسلمين الذين حافظوا على إسلامهم حتى طردوا من شبه الجزيرة الإيبيرية بين 1609 و1614.
كان على أجدادنا وآبائنا من الموريسكيين أن يدفعوا الضرائب، وأن يغيروا لباسهم وحظروا عليهم يا مولاي ذبح الشاة والديك على طريقة المسلمين؛ كنا في إسبانيا أصحاب رقص وغناء، فتدخلوا في ذلك وفرضوا علينا أن نرقص كرقصهم ونغني كغنائهم.. كنا يا مولاي رعايا من درجة دنيا. كل ذلك كان ثقيلا لكن ما استثقل حقا أن من كان يتكلم العربية ويكتبها ويقرأ بها كتب الحديث والفقه والتفاسير، بات محرما عليه ذلك، إذ أمر الملك فردينان الثاني في فرمان أصدره عام 1567 بأن يتخلى الناس عن التحدث بالعربية والكتابة بها، وأمهلوا ثلاثَ سنين، بل إنه أمر يا مولاي بحرق الكتب العربية فاضطر مسلمو قشتالة وأراغون إلى طريقة في الكتابة تعرف باسم الألخميا Al jamia أو الأعجمية بلغتكم يا مولاي.
حين وصل المورسكي الشاب إلى هذه الجملة كانت عيون الحاكم قد غالبها النعاس فأشار إليه كبير الحجاب أن انصرف. انصرف المورسكي وهو يريد أن يتم الحكاية، لكن ما يفعل المأمور أمام آمره والمنعم أمام صاحب نعمته. قضى المورسكي بضعة أيام ضيفا مبجلا في قصر الحاكم الافريقي، لكن دعوته إلى السمر وإكمال الحكاية تأخر حتى كانت ليلة جاءته جارية إلى مقامه تدعوه إلى أن يواصل سرد حكايته المشوقة.
دخل المورسكي إلى غرفة أخرى من القصر كان الحاكم هناك بين حليلاته وخليلاته فقال له: هلا واصلت حكايتك الجميلة. انخرط الشاب في الحديث وكان يتذكر أين وقف فقال.
قال الفتى المورسكي وقد أجلس على سريره الجارية المدجنة: لم يخطئ شاعر هذه القصيدة حين ألفها وحين كتبها بالعربية نحن يا أخت كلنا يوسف، حسدنا إخوتنا وبدلا من أن يرمونا في الجب رموننا في اليم وقلنا باسم الله مجراها ومرساها.
كنت حدثتكم يا مولاي عن الألخميا وهو اسم مأخوذ أيضا من لفظ عربي هو الأعجمية، ويعني أن تكتب اللغة الإسبانية والقشتالية أساسا بالحروف العربية. كما تلاحظ يا مولاي يأخذون كلام العرب ثم يحرفونه لا صوتا، بل دلالة لقد أخذوا تسمية العرب اللغة الرومنثية بالأعجمية وأسندوا التسمية إلى نقل العجمية بالخط العربي. الحق يقال يا مولاي إن الكلمة لم تطلق في الأصل على اللغة، لكنها أخذت من عبارة مركبة هي «مورو ألخميادو» Moro aljamiado وتعني المسلم الذي يتكلم الإسبانية. كانت العربية المحكية قد زالت من أراغون وقشتالة، لكن إعادة بعث الكتابة العربية لكي تكتب بها الرسائل والصحف الإسبانية كان ذلك شكلا من أشكال التستر، والكتابة السرية تكتب بها آثار الفقهاء ومصنفات العلماء التي أريد لها أن تحرق..
تفكر الحاكم في شأن اللغة السرية، وشعر بقلق كبير، ولكنه تظاهر بعدم الاهتمام.. كانت حليلته تجلس على كرسي مقابل مكشوفة الوجه، يخفي الضوء الخافت كثيرا من ملامحها.. أعجبها أمر الكتابة السرية كيف أنها تنقل ما تريد إلى من تريد أمام من لا تريد فلا يفهمه. لكنها وجدت أن كتابة الإسبانية بالعربية لا يمكن أن تكون كتابة سرية، فيكفي أن يتقن أحدهم الخط العربي، حتى يمكن له أن يقرأ النص الإسباني فينكشف الأمر. حتى تكون الكتابة سرية على النقل العربي أن يضيف قواعد أخرى لا يفهمها كل الناس، بل يفهمها المعنيون بالتشفير دون غيرهم.
همست كبيرة القصر في أذن الحاكم أن الألخاميا هي اللهجة الإسبانية التي تتحدثها، وهي تطلق أيضا على مجموعة من مؤلفات كتبها القشتاليون والأراغونيون بخط عربي صيغة خاصة للغة العربية، وقلما كتبت بخط عبري خُبئ كثير من وثائق الخاميادو في القباب ودل على تشبث فريد باللغة العربية، التي تمثل عنصر هوية، ولكن أيضا باللغة الإسبانية التي كانت لغة الأشعار والتفاسير والفقه. كانت الألخميا ضربا من نقل أفكار إسبانية بكتابة عربية. قالت له: لا يكتب هؤلاء الموريسكيون في أرضك شيئا بهذا الخط، هم يتعلمون الدين بالعربية، لكنهم ينقلونه بالخط الإسباني.. ضحك الحاكم من عبث من يهرب وهو في بلاد الفرنجة إلى العربية، ويهرب وهو في بلاد المسلمين إلى العجمية..
استغرق الحاكم وذهنه يفكر في تقلب الأحوال في الغطيط فقد غلبه النعاس، والمورسكي يتحدث، أشارت إليه السيدة بتلطف أن انصرف. انصرف المورسكي إلى غرفته. لم يمض وقت طويل حتى طرق الباب طرقا خفيفا ..كانت إحدى الجواري على الباب همست في أذنه بلغة رومانثية.. أدخلها سريعا؛ وحين دخلت تكلمت معه بلسان رومنثي طليق وشعر أنها تريد أن تحذره من شيء.. قالت له: اسمع يا ابن بلدي هل تعرف قصيدة يوسف؟ قال لها قوليها بالأراغونية فنطقتها بها Poema de Yuçuf قال لها ومن علمك؟ قالت: أنا إحدى الموديخاريس المدجنين الذين قبلوا في الظاهر التمسيح، لكنهم لم يفرطوا في ديانتهم تزوجت مسيحيا أراغونيا، فكرهت ريحه وفررت مع بعض البحارة البربر إلى هنا.. قلت له تزوجني فرفضني وباعني فاشترتني مولاتي .. اسمع هي أيضا تعرف قصيدة يوسف وأضافت لقد صارت تحفظ هذا المقطع على ظهر قلب:
أنت لست تريد مني أن أترك بلا أب ولا أم،
وأنت لا تريدني أن أموت عاجزًا وجائعًا؛
أعطني ماء من نافورة أو نهر أو من البحر…
قال الفتى المورسكي وقد أجلس على سريره الجارية المدجنة: لم يخطئ شاعر هذه القصيدة حين ألفها وحين كتبها بالعربية نحن يا أخت كلنا يوسف، حسدنا إخوتنا وبدلا من أن يرمونا في الجب رموننا في اليم وقلنا باسم الله مجراها ومرساها. رسونا نحن هنا ورسا آخرون في مكان آخر..
طرق الباب ودخلت السيدة الكبيرة اضطرب المورسكي وخفض رأسه يحييها.. رفعت له رأسه وقالت له: تعال يا يوسف أنت في دار العزيز..
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية