المفاوضات الائتلافية في أعقاب الانتخابات تحتل معظم اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية. كما أن رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب غارق اليوم في تداعيات مشكلة جديدة من صنع يديه بعد شكوى تقول إنه ضغط على أوكرانيا للتحقيق في معلومات سلبية عن أحد خصومه الديمقراطيين، وهو جون بايدن. وفي هذه الأثناء تحدث تطورات في الشرق الأوسط، تبدو كضعف وتراخ كبير للحلف المؤيد لأمريكا والمناهض لإيران في المنطقة، ولترامب دور غير قليل في ذلك.
منذ توليه منصبه في كانون الثاني 2017 عزز ترامب علاقات الولايات المتحدة مع زعماء معسكر الدول السنية المحافظة، الذين تلقى كثير منهم ضربات شديدة من فترة ولاية سلفه، براك أوباما. ولكن الأشهر الأخيرة لم تكن جيدة لأي واحد من هؤلاء الزعماء، وأثرت على علاقاتهم مع الإدارة الحالية. تقف في الخلفية العداوة بينهم وبين إيران إلى جانب إحباطهم المتزايد مما يعتبر في الدول السنة ضعفاً أمريكياً كبيراً إزاء طهران.
في بداية آب الماضي، انسحبت الإمارات من التزامها بحرب السعودية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين (المدعومين من إيران). وفي منتصف أيلول تلقت السعودية الضربة الأشد في تاريخها من طهران، التي أصابت بصورة شديدة منشآت النفط وأضرت بإنتاج النفط فيها. وبدون صلة مباشرة بذلك، يواجه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مؤخراًموجة مظاهرات احتجاج على قمع المعارضة والوضع الاقتصادي. صحيح أنحجم المظاهرات صغير، لكنه يعبر عن انكسار ما لحاجز الخوف، بعد سنوات من قمع النظام العنيف. وفي الوقت نفسه، يتعرض رئيس الحكومة في إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي وصفه ترامب في الفترة الأخيرة، بصديقه المقرب الذي يتعرض لصعوبات خاصة به إزاء نتائج الانتخابات.
باختصار، جميع الزعماء الإقليميين الذين أيدوا ترامب في سياسته المناوئة لإيران والمتشددة التي اتبعها، هم الآن منشغلون بمشكلاتهم ويشككون بدرجة تمسك الرئيس الأمريكي باستراتيجيته السابقة.
أعلن ترامب عن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران في أيار 2018 تحت ضغط الإقناع الذي استخدمه نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان طوال أكثر من سنة. بعد ذلك، طبقت الإدارة سياسة “الحد الأقصى من الضغط على طهران” من خلال تجديد ضغط العقوبات الاقتصادية الذي تسبب بأضرار كبيرة لاقتصاد إيران. وفي أيار هذه السنة، وإزاء المس باقتصادها وصناعة نفطها، غيرت إيران سياستها وبادرت إلى موجة هجمات ضد منشآت وناقلات النفط السعودية ودولة الإمارات. في حزيران،أسقطت طائرة أمريكية بدون طيار باهظة الثمن، بعد أن اخترقت أجواءها، حسب أقوالها. وفي هذا الشهر هاجمت بصواريخ كروز منشأتين للنفط في السعودية (هجوم تنفي إيران صلتها به). وفي الوقت نفسه، أعلنت طهران عن خطوات ستشكل خرقاً لالتزامها بإطار الاتفاق النووي من عام 2015.
الافتراض المقبول في الغرب هو أن قيادة إيران تريد استئناف المفاوضات حول الموضوع النووي. ولكنها تطمح للقيام بذلك بشروطها… الخروج من الأزمة التي وجدت نفسها فيها عن طريق نقل الضغط إلى الساحة الأمريكية والأوروبية. في هذه الأثناء، لم يتم تحقق تقدير جزء من رجال الاستخبارات (منهم إسرائيليون) الذين اعتقدوا بأن خطوات إيران الاستفزازية ستسرع عقد قمة بين ترامب ونظيره الإيراني الرئيس حسن روحاني، على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك هذا الأسبوع. اللقاء لا يجري بسبب الإيرانيين الذين يطلبون رفع العقوبات أولاً، ولا بسبب ترامب الذي أعلن مرات كثيرة عن الرغبة في إجراء مفاوضات بدون شروط مسبقة (والآن يحاول نفي ذلك).
مهاجمة منشآت النفط كشفت الضرر الكبير الذي يمكن للإيرانيين التسبب به رغم الأموال الطائلة التي استثمرتها دول الخليج في أنظمة الدفاع بدعم أمريكي. قدرة السعودية على تزويد النفط تضررت لعدة أشهر على الأقل، وأسعار النفط ارتفعت. ولكن الرد الأمريكي تقلص في هذه الأثناء بالإعلان عن فرض عقوبات أخرى ضد إيران وشائعات عن هجمات سايبر. ثمة تقديرات بأن إيران ستزيد رهانها وستبادر إلى هجمات أخرىإزاء الردود الأمريكية والسعودية الضعيفة.
أمس، نشرت “نيويورك تايمز” تقريراً مفصلاً عن انعطاف ترامب الذي تراجع فيه في حزيران الماضي عن توجيه تعليماته لمهاجمة مواقع عسكرية في إيران رداً على إسقاط الطائرة الأمريكية بدون طيار. وتبين أن الرئيس أوقف الهجوم في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية في الجو، قبل عشر دقائق من القصف. وقد فعل ذلك بدون إبلاغ نائبه مايك بينس والوزراء الكبار والقيادة العسكرية العليا.
برر ترامب قراره بعد ذلك بالتقدير الذي تلقاه من القانونيين في البنتاغون والذي يقول بأن 150 إيرانياًسيقتلون في الهجوم. ومع ذلك، يبدو أن هناك عدة اعتبارات واسعة متعلقة بالخوف المبرر للرئيس من حرب إقليميةتكلف قتلى وأموالاً أمريكية طائلة. ويخاف ترامب من أن حرباً أخرى ستضر بسوق النفط وستقلص فرصة انتخابه مرة أخرى بعد أقل من سنة.
الاعتبارات نفسهاتقيد طبيعة الرد الأمريكي على الهجوم الأخير، ولكنه يضاف إلى ذلك تردد السعودية هذه المرة. يبدو أن الرياض أيضاً غير متأكدة من أنهم يريدون التورط في مواجهة مع الإيرانيين، لا سيما أن تحفظ ترامب من مواجهة عسكرية أصبح واضحاً. سياسة واشنطن تجاه طهران تبدو في طريق مسدود. حلفاؤها في الشرق الأوسط متشككون وغارقون في مشكلاتهم الداخلية. وتواصل إيران في هذه الأثناء السير على الحافة رغم الخطر من أن الأمريكيين في مرحلة ما سيملونوسيردون بقوة. هل كل ذلك سيؤدي إلىإعادة التفكير من جديد، سواء في الولايات المتحدة أو في إسرائيل، بخصوص درجة الحكمة التي كانت سائدة في خطوة انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي؟ رغم تحفظات كثير من رجال المخابرات في الدولتينفلا يسمع أي ندم في هذه الأثناء، سواء في واشنطن أو في القدس.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 23/9/2019