المرة تلو الأخرى يظهر في الساحة العامة من يمجد “الشهداء” ويتباكى حين يفشل أحدهم فيقتل. فنواب وشخصيات عامة عرب، إلى جانب من يسمونهم “نشطاء حقوق إنسان” و”نشطاء السلام”، يسلمون بالميل الفلسطيني لجعل كل من يقتل يهوداً شخصية قدوة سائدة في المجتمع، بل ويروجون له. أولئك الذين يحاولون تجنيد رأفة الجمهور في إسرائيل لمنفذ عملية أطلق عليه النار لإحباطها، ولا ينحرجون حتى عندما تنكشف الكذبة الدائمة بشأن براءة منفذ العملية. وينخرط الأمر في ظاهرة واسعة وهدامة أكثر بكثير، وعميقة في ثقافة سياسية فاشلة تسود في المنطقة كلها ويتميز بها جزء كبير من النخب العربية في إسرائيل: التملص المنهاجي للمسؤولية عن أفعال وقصورات مجتمعهم. وتجلت هذه الظاهرة المتكررة مرة أخرى مؤخراً. فقد سجل شاب فلسطيني رسالة تضحية وحاول تنفيذ عملية دهس، في أثنائها أطلق عليه النار فقتل. ودون الاهتمام باستيضاح الحقائق، تجند فلسطينيون، نواباً عرباً و”نشطاء سلام”، لتزييف الحدث. النائبة سندس صالح، المقربة من الطيبي، ادعت بأن “الجنود قتلوا بالنار” منفذ العملية “وهو في طريقه إلى صالون العرائس” قبيل عرس شقيقته، فشهدت على نفسها بأنها “غاضبة، حزينة، مكسورة القلب وثائرة”. وساهمت رفيقتاها في القائمة هما أيضاً: النائبة ايمان خطيب وياسين رفعت، مستوى منذ العملية إلى درجة “الشهيد”، والنائبة عايدة توما سليمان تحدثت عن جريمة قتل. وادعى صائب عريقات، كما كان متوقعاً، بأن قريبه “أطلق عليه النار بدم بارد”. كان يريف اوفينهايمر يعرف بأن “العملية لم تكن قط”، وقضى بأن هذا هو الوضع “العادي”، واشتكى من أن الجمهور الإسرائيلي لن يسمع عن أسى العائلة. أما ميخائيل سفارد فيعرف أن هذا “قتل إجرامي”، واحتج النائب عوفر كسيف على “الإعدام”، حتى لو كان هذا “دهساً مقصوداً”.
ويتداخل هذا في صورة واسعة: في يافا يعربد العرب، ويطلقون الألعاب النارية باتجاه مباشر ويلقون بالزجاجات الحارقة لإحباط نية البلدية، بإقرار من المحكمة، لبناء منزل لمعوزي السكن تحقيقاً لرفاهية الناس، في مكان كف عن أن يكون موقع دفن منذ عهد الحكم العثماني، واستخدم عملياً كملعب كرة قدم قبل وقت طويل من “سلب اليهود له”. في مظاهرات يافا، يهتف الجمهور جماعياً لنداءات الخطيب “سنبقى هنا إلى أن تكون فلسطين حرة”، “لن نتنازل عن شبر من فلسطين” و”دم الشهداء غال”. في كلمته قال كمال الخطيب، نائب رئيس الجناح الشمالي للحركة الإسلامية الذي أخرج عن القانون، واصفاً إسرائيل في الماضي بمصاصة دماء ومقدرات العالم العربي. يوم الجمعة، هتف المتظاهرون “خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود”، للتذكير بتصفية الواحة اليهودية في القرن السابع وبنواياهم لتكرار الحدث. ومجد التجمع الديمقراطي مؤخراً ذكرى أسوأ من نفذ مذبحة اليهود في 1929 في الخليل، في الذكرى التسعين”لشهداء ثورة البراق” بالوعد بإبقائها “في قلب الأمة الفلسطينية في الرحلة الطويلة لتحريرها”. لا يدور الحديث عن أقلية متطرفة، وفي مدينة شفا عمرو توجد شوارع على أسمائهم.
عندما ينشب العنف البنيوي في المجتمع العربي في إسرائيل.. في العائلة، ضد النساء، في عصابات الشبيبة، في النزاعات العشائرية، في الانتصار الواسع للجريمة المنظمة وحيازة الأسلحة غير القانونية، يحرص معيلوه على نفي المسؤولية الحاسمة لمجتمعهم وجذور العنف في الثقافة السياسية العربية ويلقونها على الشرطة. غير أن معظم الجمهور العربي في إسرائيل يعتقدون بأن معدلات الجريمة هي نتيجة الثقافة المقبولة ولسلوك العرب أنفسهم. أقل من 40 في المئة يقبلون تفسير القيادة العربية. إن ما يربط كل هذا السلوك –التماثل مع الإرهاب، والأكاذيب المكشوفة حول ظروفه، والاستخدام التلاعبي بالمشاعر الدينية للتحريض القومي، والتملص من معالجة جذور العنف في المجتمع العربي– هو ثقافة متجذرة لعدم المسؤولية وغياب الأساس والبناء. الجماعة –ليس كل الأفراد– تعطي بشكل عام صدارة للمحافل المتطرفة والهدامة، المسؤولة عن تخلف العالم العربي والعوائق في وجه أغلبية العرب في إسرائيل ممن يريدون الاندماج في نجاحات الدولة. أما المبررون المشجعون لهذا الميل، فإنهم يقدمون للمجتمع العربي خدمات الدب.
بقلم: دان شيفتن
رئيس البرنامج الاستراتيجي في جامعة تل أبيب
إسرائيل اليوم 30/6/2020