ماذا يعني أن يختار أكثر من 20 ألف جزائري الذهاب إلى تونس لقضاء عطلة الشتاء وعطلة نهاية السنة الميلادية؟ ماذا يعني أن نمتلك «قارة» تنوع جغرافي وبيئي وثقافي وتراثي، وأن نتصدر قائمة المطابخ العربية والافريقية ونحن في أدنى المراتب من حيث الجذب السياحي؟ أين تكمن المشكلة ياترى؟ أكيد أن هناك فرقا بين السياحة كصناعة قائمة بذاتها تحتاج لتظافر عوامل كثيرة، وتنوع المظاهر الجغرافية والثقافية واعتبار أن البلد يزخر بكل المقومات السياحية، لأننا مازلنا نحتاج لعمل جبار لندخل إلى سوق السياحة الكبير ذلك أن السياحة من أكبر الصناعات في العالم. وهل تعتمد السياحة فقط على الترويج لها بواسطة الفنانين والمؤثرين دون بنيات تحتية وفوقية واستعدادات لاستقبال السياح بينما الجميع يعلم صلب المشكلة.
ولعل أهم مشكلة تواجه السياح الأجانب هي مشكلة منح التأشيرات التي تمثل أكبر العوائق في وجه الراغبين في القدوم للجزائر وتحديدا الجنوب الجزائري الذي يستقطب أكبر عدد من السواح.
جاء بيان وزارة الداخلية والجماعات المحلية ليحل المشكل بالبيان الصادر منذ بضعة أيام والقاضي بـ «إقرار ترتيبات جديدة في منح التأشيرات السياحية للسياح الأجانب الراغبين في زيارة جنوب بلادنا وذلك بالتنسيق الوثيق مع مختلف القطاعات الوزارية والهيئات المعنية»… وأضاف البيان، الذي نشرته العديد من المواقع والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، أنه «تقرر تمكين الأجانب الراغبين في القيام برحلات سياحية جنوب البلاد، عن طريق وكالات السياحة والأسفار الوطنية المعتمدة، الاستفادة من تأشيرة التسوية مباشرة عند وصولهم إلى المنافذ الحدودية لاسيما في الولايات الجنوبية ( المطارات والمعابر البرية) عوضا عن إجراءات ترتيبات التأشيرة العادية».
يعتبر الجنوب الجزائري، ولاسيما الجنوب الكبير وجهة امتيازية للأجانب الراغبين في رحلة البحث عن الذات، وعن ثقافات موغلة في القدم، وعادات «تخرج عن المألوف»، والرغبة في احتضان الطبيعة دون حواجز الفنادق والإقامات، وتفضيل التخييم قبالة قبة السماء المرصعة بالنجوم التي تروي حكايات سفر دائم وتنير مسارات السالكين نحو المعلوم والمجهول. وقرار منح التأشيرات هذا، الذي أشاد به عمال قطاع السياحة وخاصة وكالات الأسفار، قد يحل المشكل بالنسبة للأجانب. لكن يبقى مشكل السياحة بالنسبة للجزائريين عويصا نظرا لغلاء تكلفة السياحة المحلية في الجنوب، مثلا، ومازال مشكل تذاكر الطائرة يؤرق الجزائريين الراغبين في قضاء عطلهم العائلية في الجنوب الكبير… وهذا ما يجعل تونس وجهة محببة للكثيرين صيفا وشتاء…
والسياحة أيضا إحساس بالرفاهية والراحة، والاستمتاع بالاثنتين. ألم يحن الوقت لإرساء تقاليد سياحية عقلانية أولا ثم ندخل في عالم الترويج الذي يجمع بين الغريب المثير خارج التاريخ والمحلي اللصيق بالتاريخ… الصناعة السياحية تحتاج لواقعية وتنظيم وليس لترويج باهت.
التضامن مع حملة الماجستير والدكتوراه
عادت الاحتجاجات من جديد للطلبة حاملي شهادات الدكتوراه والماجستير أمام مقر وزارة التعليم العالي استجابة لطلب التنسيقية الوطنية لحاملي وطلبة الدكتوراه والماجستير بشعارات احتلت الواجهة هذا العام … وهذه المرة بالمطالبة من الجميع تفعيل هاشتاغ «التوظيف المباشر لحملة الدكتوراه والماجستير حق قانوني المرسوم التنفيذي 98 – 254 … لم يعد خافيا الصدى الموجع الذي تخلفه نتائج مسابقات التوظيف التي يراها الجميع مجحفة… وتتدخل فيها حسابات لاعلاقة لها بالتمكن من التخصص والإمكانات العلمية… بل وحدها المحسوبيات والمحاباة من تقوم بالتصفية، ناهيك من عدد المناصب الضئيلة المطلوبة حيث يشارك الآلاف من المتسابقين على منصب أومنصبين.
يلخص الدكتور عبد الرشيد الريغي شبيرة وضع هؤلاء الدكاترة، حسب ما نشر على صفحة «الاتحاد الوطني للدكاترة والباحثين الجزائريين»، في منشور عنونه بـ «الدكتور الجزائري سفر علمي شاق وجزاء سنمار»: «عندما يعلم الناس، الكبار والصغار، المتعلمون والأميون، وطلبة العلم وتلاميذه في كل الأطوار التعليمية، ما يحدث لحملة الماجستير والدكتوراه من إهانة وتجويع وتهميش على المستوى الرسمي فإن القضية تصبح ذات أبعاد ودلالات خطيرة تمس قدسية العلم وتحطيم قدرات ذوي الشهادات العلمية، وأهل البحث العلمي… بربكم كيف لـ 18 ألف حامل شهادة الماجستير والدكتوراه أن تتجاهلهم الدولة الجزائرية وهي التي قامت بتعليمهم وتكوينهم، وبذلت جهودا كبيرة مادية وبشرية ليصلوا إلى مرتبة الباحث الجزائري ليقدموا إنجازات علمية وبحثية مقابل هذه الجهود المعتبرة من طرف الدولة»… ويضيف الدكتور عبد الرشيد الريغي: «يسارع الدكتور البطال إلى تكوين ملف للمشاركة في مسابقة توظيف ذات منصب أومنصبين ربما ظفر بها صاحبها قبل إجراء المسابقة»… وعلى الرغم من الاحتجاجات والوضع المزري الذي وصل إليه الأمر لا يكلف الوزير «خاطره» ليستقبل المحتجين « … كل دكتور له قصة كفاح وألم… يكفيك أن السيد الوزير لا يستقبلهم ولا ينزل إلى النخبة»…المشهد فيه هدر للكرامة ومثير للشجن وللشفقة» … ويتابع: «دكتورة جاءت رفقة أبيها الشيخ الكبير… ودكتورة جاءت تحمل وليدها الرضيع لتشارك في وقفة الكرامة… وكلهم قطعوا مسافات… كم قطع دكاترة الجنوب؟ وكم قطع دكاترة الشرق؟ وكم قطع دكاترة الغرب والوسط»؟ ويختم الدكتور عبد الرشيد منشوره ببيت شعر يرى فيه أصدق تعبير على حال النخبة الجزائرية من حملة الماجستير والدكتوراه «تموت الأسد في الغابات جوعا… ولحم الضأن يرمى للكلاب» أو «لحم الضأن تأكله الكلاب»!
على صفحة (أبحاث الدكتوراه) ( Phd-research ) على فيسبوك « كما أمكنهم…إدماج 600 ألف عقد ما قبل التشغيل… إدماج 60 ألف أستاذ في التربية… كذلك بإمكانهم إدماج جميع حملة الدكتوراه والماجستير كأساتذة مساعدين والذي لن يكون عددهم أكثر من 20 ألف، بدون شرط أوقيد، بدل اقتراح التعاقد في الجامعة. لكن دائما الحلول الترقيعية التي لا ترقى لمستوى أعلى شهادة في المسار العلمي والأكاديمي؟». أما الأستاذ سناني أحمد فكتب على صفحته على فيسبوك عن قضية الإدماج بين قطاعي التربية والتعليم العالي ما يلي: « قطاع التربية استحدث نظام التعاقد على منصب شاغر… وينتهي في الغالب إلى إدماج هؤلاء المتعاقدين بقرارات استثنائية خارج مسابقة التوظيف التي يحددها قانون الوظيف العمومي كمسلك وحيد للتوظيف الدائم، على عكس قطاع التعليم العالي الذي يعرف نقصا كبيرا في الأساتذة، لكنه يعمل بنظام التعاقد على منصب شاغر، بل يكتفي بمنح ساعات إضافية للأساتذة المستخلفين وأغلبهم من طلبة الدكتوراه أو حملة الدكتوراه… ويستغل حاجتهم لشهادة العمل المطلوبة في مسابقة التوظيف، وفي أحيان عديدة يهضم حقهم في تعويض مبالغها الزهيدة جدا. وبهذا الأسلوب يحرمهم من الإدماج في رتبهم مع أنهم يقضون فيها سنوات طويلة… يبقى مسلكهم الوحيد في التوظيف هو المسابقة ومناصبها المحدودة التي تجود بها الوزارة، ويوجه أغلبها للتحويل الداخلي في عديد الجامعات، فمتى يساوى بين متعاقدي القطاعين وكلاهما تابع للوظيف العمومي؟». ويمكن أن نقرأ الكثير من الوقائع والآراء التي تنير هذه القضية الشائكة على صفحة الدكتور حسين حساني وهو مختص في الاقتصاد: «… بودي أن أدلي بموقفي الشخصي إزاء القضية التي طفت على السطح في الآونة الاخيرة… يتعلق الأمر بقضية مطالبة الأساتذة حاملي شهادتي الدكتوراه والماجستير بالتوظيف المباشر بدون المرور على المسابقة، وكذا الرفض القاطع لنمط التعاقد الذي اقترحته الوزارة الوصية مؤخرا»… ويضيف: «… تجدر الإشارة الى أنني قررت نشر هذه الأسطر لعدة اعتبارات، ولم أكن لأسردها لو لم يأخذ هذا المسار منحى الهاوية. ولايهدف المنشور سوى للدفاع عن قضية تبدو لي شرعية لأكثر من حجة، مع الاحترام لمؤسسات الدولة والنصوص القانونية، بدون مجاملة، وبعيدا كل البعد عن الإطار السياسي».
ويشرع الدكتور في شرح أسباب مساندته المطلقة لهذا المطلب، ويبيّنها:
«أولا: أعتقد أن جل الأساتذة البطالين لم يقدموا على هذا المطلب في السنوات العجاف والأزمة المالية التي عرفتها البلاد منذ 2014… كان الجميع يؤمن بمبدأ المنافسة، النزاهة والشفافية، فكانوا يتسابقون، بل صالوا وجالوا في مختلف جامعات القطر الوطني الغالي في صمت رهيب رغم كل العواقب والشح الشديد في المناصب المفتوحة وكذا عدم احتكام المسابقة لمعايير معقولة.
ثانيا: ورد في المعايير الجديدة للمسابقة في مرسوم مايو/ايار الماضي، معايير أسوأ وأجحف من سابقاتها، فضلا عن تواصل الشح في المناصب المالية (لا تتعدى النسبة 5% من عدد المترشحين في أحسن الأحوال على مدار الموسم الحالي)… هل يعقل وجود دكاترة وحاملي الماجستير كسبوا أزيد من عشر سنوات خبرة في التدريس الجامعي أن يبقوا مؤقتين لفترة إضافية دون الحديث عن المهام المتعددة الموكلة لهم من إشراف، حراسة الامتحانات، مقابل أجر ساعي زهيد، ولم يراجع منذ أمد بعيد، ولا يصب في حسابهم قبل ستة أشهر في أحسن الأحوال؟
ثالثا: الآن، الحمد لله، الوضعية المالية للبلاد في أريحية…ألم يحن الوقت لإنصاف هذه النخبة من خيرة ما أنجبت الجامعة الجزائرية؟ أليس من الضروري العمل بمبدأ العدالة الاجتماعية، تثمينا لقرار إدماج أساتذة قطاع التربية الوطنية (العدد يقارب 60 ألف أستاذ مدمج، ما يعادل أزيد من ثلاثة أضعاف شريحة الدكاترة وحاملي الماجستير، حوالي 18 ألف أستاذ)؟ أعتقد كوني اقتصاديا، بأن العملية لا تؤثر على ميزانية الدولة في هكذا ظروف».
وواصل الدكتور حساني عرض أفكاره التي لخصها في ثماني نقاط حيث أثنى على المطالبة والمطالبين والمساندين لمطلب هذه الشريحة الهامة، كما عرج على مسألة مدى فاعلية الوزراء وأخذهم قرارات حاسمة بالقول: «ندرك جيدا حساسية هذه المسألة على مستوى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بل الأمر قد يتجاوز قرار معالي الوزير، بل لاستجابة فعلية لهذا المطلب، يجب التدخل الشخصي من قبل السيد رئيس الجمهورية، القاضي الأول في البلاد»… وماذا بعد الإضراب عن الطعام؟ وبعد وقفة الكرامة والصمود؟ هل سيحل كابوس حملة الماجستير والدكتوراه خاصة بعد مناشدتهم رئيس الجمهورية بالتدخل؟
كاتبة من الجزائر