التطبيع مع عواصم عربية لن ينهي القضية الفلسطينية
منذ قيام دولة إسرائيل ونهج شرعية الأمر الواقع، جزء من سياستها، غير آبهة بردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية، وإذا ما كانت ردود الفعل (حادة) تكتفي بالإعلان عن تجميد أو تأجيل ما أقدمت أو ما قررت الإقدام عليه.
في سنة 1996 أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن خطة لتسريع ضم عدد من المستوطنات في أراضي الضفة الغربية وفي إطار مشروع القدس اليهودية الكبرى، وشمل الضم مستوطنات “معاليه أدوميم” و”جعفات زئيف” و”ميتسور أدوميم” وربطها بمدينة القدس، واعتبارها جزءا منها رسميا.
قوبل القرار الإسرائيلي بحملة رفض واسعة، فلسطينية وعربية ودولية، وتقرر عقد قمة عربية في المغرب لمواجهة هذا القرار، وهدد النواب العرب في الكنيست بسحب الثقة من حكومة شمعون بيريز، الذي أعلن عن تأجيل الضم، والذي اعتبر (تراجعا) إسرائيليا، مع حصولها على وعود مشفرة بتطوير التطبيع العربي. وفي نفس الوقت واصلت الحكومات الإسرائيلية توسيع هذه المستوطنات لتصبح مجمعا استيطانيا واحدا وفي سنة 2000 أعلن إيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أنه سيضم مستوطنتي “جعفات زئيف” و”معاليه أدوميم” إلى القدس بشكل عاجل، معطيا أمر المباشرة في التنفيذ، وسنة 2001 أعلنت حكومة شارون عن توسعة جديدة لمعاليه أدوميم ليصل عدد مستوطنيها سنة 2013 نحو 39 ألف ساكن. وتناقش الحكومة الإسرائيلية منذ بداية عام 2017 مشروع قانون ينص على فرض السيادة الإسرائيلية على مستوطنة معاليه أدوميم باعتبارها جزءا من مدينة القدس وقد تكون المستوطنة الأولى التي يشملها قانون الضم الإسرائيلي في إطار “صفقة القرن”.
تطورات كثيرة عرفتها الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967 منذ الصمت على قرار توسعة مستوطنة معاليه أدوميم، أهمها “شرعنة” الوجود اليهودي في الخليل بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي 1994 بـ”اتفاقية الخليل” لتقسيم الحرم المبرمة مع السلطة الفلسطينية عام 1997 والذهاب نحو استنساخ من فعلته بالحرم الإبراهيمي في الخليل في المسجد الأقصى في القدس من خلال اقتحامات المستوطنين للحرم والاعتداء على المصلين الفلسطينيين ومواصلة تهويد المدينة المقدسة لتشرعن “القدس عاصمة أبدية لإسرائيل” أحد نقاط صفقة القرن.
الدولة العبرية أدركت من خلال ردود الفعل العربية والدولية على اقتحاماتها لرام الله سنة 2002 ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في المقاطعة، مدى قدرة الوضع العربي على تراجع إسرائيل عن مخططها الاستراتيجي بوضع كل الأرض الفلسطينية تحت سيادتها، ومن يبقى من الفلسطينيين في هذه الأرض لن يكونوا أكثر من رعايا دولة ثانية ويد عاملة رخيصة، وانها مهما اتخذت من قرارات وطبقتها على الأرض، لن تتجاوز تصريحات الاستنكار وبيانات التنديد، وفي نفس الوقت تركت السلطة الفلسطينية وراء ظهرها من دون ان توليها أي اهتمام، ما دامت قدرتها محدودة على الفعل والتحرك، وذهبت باتجاه إعادة التطبيع مع الدول العربية، الذي لعبت السلطة الفلسطينية دورا أساسيا في تشجيع عدد من العواصم العربية على إقامة علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وثقافية مع الدولة العبرية، مقابل فتح مكاتب اتصال في غزة.
وإذا كانت انتفاضة 2000 الفلسطينية أدت إلى قرار عربي باغلاق مكاتبها بتل أبيب واغلاق مكاتب الاتصال الإسرائيلية بعواصمها، فإن العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية تواصلت لكن من خلف الستارة، وبانتظار الوقت المناسب لتصبح رسمية ومعلنة، كانت تطل بين الفينة والأخرى خطوات تطبيعية (رياضية وثقافية وأمنية) وهي خطوات كانت ضرورية لتولد “صفقة القرن” بأجواء (غير عدائية) أو على الأقل ترك الفلسطينيين وحدهم يواجهون مصيرهم.
القراءة الدقيقة لصفقة القرن منذ البدء بالتلويح بها، وربطها بما تمارسه الدولة العبرية على الأرض، بانتظار الوقت المناسب لشرعنته باعتراف أو على الأقل صمت، عربي ودولي، يجد أن الصفقة لم تحمل جديدا، بقدر ما هي تتويج للسياسة الإسرائيلية منذ اتفاقية أوسلو، لكنها تفتح الباب الواسع لرسمية علاقاتها مع بعض الدول العربية.
ان اسوأ ما في “ترامب – نتنياهو” هو احتقارها للعرب والعالم، وتعبر بكثافة عن طبيعة إسرائيل تجاه الفلسطينيين، التي لا تريد هزيمتهم بل تريد سحقهم وإنهاء قضيتهم غير آبهة باتفاقيات او قرارات الأمم المتحدة، من دون ان تدفع ثمن ذلك، إذ بعد الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للدولة العبرية وبضم الجولان، تأتي شرعنة “تهويد” 30 في المئة من الضفة الغربية (مستوطنات وغور الأردن).
وتصبح المأساة أكبر انها وهي في قمة عدوانيتها، تذهب عواصم عربية نحو المزيد من التطبيع معها، كانها تكافئ العدوان وهو ما لم تفعله دول أوروبية تعتبر نفسها صديقة لإسرائيل، ويصبح التراجع عن الضم رجاء وتسول مقابل المزيد من التطبيع.
كان من المقرر ان يتم تنفيذ قرار الضم في الأول من تموز/يوليو الجاري، لكن عدم الاتفاق بين مكونات الحكومة الإسرائيلية والارباك الذي تعرفه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع تدبير ملف وباء كورونا المستجد ونأي المجتمع الدولي، خاصة اوروبا، عن سياساته، وردود فعل الاتحاد الأوروبي تجاه الضم، واحراج دول التطبيع العربي، جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يعلن الضم الرسمي، من دون ان يعلن التخلي عنه، أو التوقف عن تطبيقه على الأرض بالضغط على سكان الأغوار لترك أراضيهم وهجرتها وفرض القانون الإسرائيلي عليها وعلى المستوطنات (الضم عمليا) بانتظار مكافأته على “كرم عدم الإعلان” بخطوات تطبيعية، والتي تبقى الهدف الرئيسي من “صفقة القرن” فالدولة العبرية ليست بحاجة الآن إلى اعتراف بسيادتها على القدس أو الجولان أو شرعية ضمها للأغوار والمستوطنات في الضفة، إذ لحد الان ليس هناك ما يهدد وجودها في هذه الأراضي التي احتلتها 1967 وتمارس عليها السيادة ولا شيء يجبرها على الانسحاب، انما هي بحاجة لعلنية العلاقات مع العواصم العربية.
لقد سبق صفقة القرن اختراقات تطبيعية عربية، بعضها فردي مع صمت حكومي وتشجيع على مواقع التواصل الاجتماعي بكيل المديح للدولة العبرية والاساءة للفلسطينيين أو رسمي وصل حتى للسودان بعد لقاء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أوغندا في شهر شباط/فبراير الماضي “كخطوة ضرورية لرفع الحصار الأمريكي على الخرطوم” وتصريحات مسؤولين في المجلس الانتقالي اليمني الجنوبي التابع للإمارت عن رغبته في إقامة علاقات مع الدولة العبرية.
ودعت الإدارة الأمريكية، في إطار التمهيد لصفقة القرن، إلى مؤتمر البحرين الاقتصادي في حزيران/يونيو 2019 وإذا كان البعض يعتبر المؤتمر فاشلا فإن الدولة العبرية لم تكن تأمل منه أكثر مما حصلت عليه من مشاركتها بمؤتمر عربي يبحث وضع الفلسطينيين الاقتصادي، لانها كانت تعلم أن هدف مؤتمر البحرين، ليس الفلسطينيين بل الحضور السياسي والغعلامي الإسرائيلي الذي كان بارزا في أيام المؤتمر وتطور العلاقات السياسية والاقتصادية مع البحرين والإمارات وان يرفع الحظر عن الحضور الإسرائيلي في السعودية ولا يعاقب على الحضور الخليجي في مدن فلسطينية محتلة.
السفير الإماراتي يوسف الغتيبة، الذي قطعت بلاده شوطا واسعا في التطبيع مع إسرائيل، وجه في مقال صحافي مقالا باللغة العبرية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” في واشنطن وجه رسالة “نصيحة ودية” إلى الرأي العام والأوساط السياسية الإسرائيلية الإسرائيلية “إما الضّم وإما التطبيع” ووعدهم أنه يمكن للإمارات، من خلال قدراتها، أن تكون “بوابة مفتوحة أمام الإسرائيليين لربطهم بالمنطقة والعالم” لأن الإمارات وجزءا كبيرا من العالم العربي تطلعوا إلى أن تكون إسرائيل “فرصة”وليس عدوا، وأنهم رأوا فيها “فرصة عظيمة” لبناء علاقات “حميمة” وكل ذلك “قد ينسفه قرار بالضم”.
وبالنسبة للسفير الإماراتي يوسف العتيبة لم يعد مشروع السلام العربي (فاس 1982 وبيروت 2002) مرجعية للسلام العربي مع إسرائيل (الأرض مقابل السلام) وأصبح (التطبيع مقابل عدم الضم) لتبقى إسرائيل في الأراضي المحتلة 1967 لكن لا تعلنوا ضمها. وهو ما فعله نتنياهو إذ لم يعلن ضمها وجاء الرد الإماراتي سريعا بقيام مجموعة G42 الغمارتية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، والتي تتخذ من أبو ظبي مقرا لها، يوم الخميس 2 تموز/يوليو بتوقيع مذكرتي تفاهم مع شركة “رافاييل” للأنظمة العسكرية المتقدمة الإسرائيلية، وشركة إسرائيل لصناعات الطيران والفضاء “إي إيه أي” الحكوميتين والتابعتين للجيش الإسرائيلي، وتزود الجيش بالمعدات والصواريخ وأنظمة الدفاع العسكرية.
واحتفت وكالة الأنباء الغماراتية الرسمية “وام” بتوقيع المذكرتين لتطوير حلول تكنولوجية للتعامل مع فيروس كورونا المستجد ووصفت الشركتين بأنهما “من كبار الشركات التكنولوجية الإسرائيلية” وأن الاتفاقية “من أجل التعاون في مجال البحث والتطوير وإيجاد حلول فعالة لمكافحة فيروس سارس – كوفيد 2 المسبب لجائحة كوفيد-19”.
تدرك الدولة العبرية ان علاقات تطبيعية مع عواصم عربية لن ينهي القضية الفلسطينية ما دام الفلسطينيون متمسكون بحقوقهم التي كفلتها لهم الشرعية الدولية، لكن هذا التطبيع يحاصرهم ويحرمهم من الإطار الطبيعي لحميتهم ويفقدهم السند الرئيسي في صمودهم على أرضهم، فلا صفقة القرن ولا غيرها تجعلهم يساومون على حقوقهم التاريخية.