هل تدرك السلطة الجزائرية خطورة انفرادها بتعديل الدستور؟
19 - April - 2013
حجم الخط
2
بين فضائح الفساد وسرقة ملفات القضاء في الجزائر، يبدو أن هناك حلقة مفقودة في صناعة القرار ومحاسبة الفاعلين، فالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية لم تتحرك بما يكفي لاستعادة ثقة المواطن في منظومة الحكم، بعد أن وقفت عاجزة أو متقاعسة عن محاكمة الرؤوس الكبيرة المتورطة أو المتهمة في أقل تقدير، وهو ما يؤكد أن الحاجة إلى صياغة دستور جديد للبلاد، أو تعديل الدستور الحالي، لم تكن فقط وليدة التحولات الإقليمية خلال السنتين الماضيتين، ولا هي بمنة من أحد على الشعب الجزائري والطبقة السياسية على حد سواء، بل تفرضها بالأساس تلك النتائج الوخيمة المترتبة عن سوء التسيير والتدبير لشؤون الناس من جهة، وتعقيدات عمل سياسي غير نزيه، أخرجت لنا مفارقة بتكريم الوزراء الفاشلين من خلال تحويلهم إلى مجلس الأمة أعضاء في البرلمان، على سبيل المثال، من جهة أخرى. وهذا الواقع السياسي يجعل من مراجعة الدستور حاجة ضرورية وملحة، من أجل إعادة ترتيب السلطات بشكل يكون فيه الشعب سيد الشرعية الحقيقية للسلطة القائمة. وبالنظر إلى المعطيات التي نراها اليوم من حراك اجتماعي أججته فضائح الفساد المالية، فإن فكرة تعديل الدستور كأحد أدوات التغيير السلس والهادئ والسلمي نحو الأفضل في الجزائر، تبدو أمرا حتميا لاجتياز امتحان علاقة حكام المنطقة العربية وشعوبها بنجاح من دون مخاض عسير، لا سيما أن الظروف الداخلية تفرض إحداث تطوير في نمط الحكم وإدارة شؤون الناس المستائين من الفساد ونهب أموال بلادهم، في وقت تقتضي فيه الحكمة أيضا تجنب الانزلاق إلى ما حدث ويحدث في بعض ما يسمى بدول الربيع العربي، وهو الذي ربما كان الدافع الأقوى للنظام الجزائري إلى رفع شعار الإصلاحات قبل فوات الأوان، وتلك خطوة أصبحت في حد ذاتها مثار جدل حولها بحكم طبيعة التعديلات اللازم إجراؤها، وأيضا حول الجهات التي يحق لها أن تدخل هذا التعديل أو ذاك. وهذا الجدل قد يعود في جانب منه إلى نوايا السلطة الحالية من تعديل الدستور ودوافعها، خصوصا أن إصلاحات الرئيس لاقت كثيرا من الانتقادات حول جديتها بعد عامين كاملين من الإعلان عنها، كما أننا لم نشهد بوادر قوية للتعديل الدستوري المرتقب خلال تلك الفترة الطويلة التي اقترنت بمسارات تغيير ملتهبة لبعض الأنظمة ومأساوية لشعوبها، إلى أن وجدت الأحزاب السياسية المعارضة نفسها أمام لجنة من تعيين حكومة الرئيس نفسه، في أعقاب تسريبات إعلامية لسيناريو تمديد لبوتفليقة وتحضير خليفة له، وربما كانت بالون اختبار، كما رآه البعض حينها. وما يعاب على السلطة في مسألة انفرادها بتعديل وثيقة في غاية الأهمية بالنسبة للجزائريين جميعهم، هو أن الدساتير السابقة وتعديلاتها كانت من إنجاز السلطة الفعلية القائمة منذ الاستقلال، وهو مربط الفرس في التعديل الدستوري المقبل الذي يراد له، من قبل شريحة واسعة، ألا يكون على مقاس الرئيس أو النظام، كما في سابقيه. وتكليف لجنة من دون إشراك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، يعزز فرضية وجود نوايا للإبقاء على ممارسات الحكم السابقة بثوب دستوري جديد على مقاس النظام الحالي، وهذا السلوك إن حدث فعلا، كما يحذر الكثير من السياسيين، وبينهم من شاركوا في حكومات سابقة، فإنه لن يجعل الأمور في نصابها بل يعيدها إلى نقطة الصفر مجددا، وربما بزخم سياسي أقوى وحراك اجتماعي أكبر قد لا تكون السلطة قادرة على السيطرة عليهما، كما هي الفرصة أمامها الآن. ما يهمنا أيضا في هذا السياق هو الأحزاب السياسية التي خرجت من عباءة السلطة منبهرة بسحر ‘الربيع العربي’ حينها، لتجد نفسها اليوم أبعد ما تكون عن المشاركة في صياغة الدستور الجديد، الذي طال انتظاره، في مقابل نظام يبدو كما لو أنه يميل إلى إنجاز هذا المشروع بشكل شبه انفرادي أو حتى انفرادي، وفق رؤيته التي تنطلق من كونه الممسك فعليا بخيوط اللعبة السياسية، أو المحتكر لها بالأحرى. ومشكلة تلك الأحزاب أو بعضها أنها كانت خلال سنوات شريكة في ما تعتبره اليوم عملا سياسيا يفتقر إلى الشرعية في الحكم والفساد في الإدارة والتسيير، بل إنها كانت راضية بصمتها قبل خمس سنوات عن إحداث تعديل دستوري من دون استشارة شعبية، يشكك الكثير من القانونيين في شرعيته ودعمه للمسار الديمقراطي، بحكم أنه ألغى حصر الرئاسة في عهدتين من خمس سنوات، وعمق من صلاحيات الرئيس على حساب توازن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فسحب البساط من تحت أقدام ‘نواب الشعب’ (برضى أغلبهم طبعا) ليختصر منح ثقتهم في الموافقة على خطة برنامج الرئيس من دون البرنامج نفسه، وبذلك يدور نقاشهم في البرلمان حول ما يقدمه الوزير الأول في تلك الخطة تحديدا، ويكون ما يقدمه الرئيس محاطا بهالة من القدسية أو شيئا من هذا القبيل. السلطة اليوم وغدا أمام رهان صعب في حال اختارت أن تمضي بمفردها، من دون إشراك الفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني على نطاق واسع، وهو إخراج مسودة دستور تكون محل إجماع الطبقة السياسية، أو على الأقل تأييد السواد الأعظم منها، وهو أمر لا يبدو أنه في المتناول حاليا في ظل الجدل القائم، ورفض عدد من الأحزاب لأي تلاعب من السلطة بالاستشارات الحزبية السابقة أو انفرادها بصياغة الدستور، قبل طرحه على استفتاء شعبي يتاح له وقت مناسب ـ إن كان ذلك ممكنا بحكم اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية- لشرح مواده ومزاياه للناخبين الجزائريين، الذين لا تكتمل شرعية الدستور الجديد إلا بهم، كما يجمع الكثير من الخبراء الذين يؤكدون أن الشرعية الكاملة تعني الشعب، وليس ‘نوابه’ في البرلمان. ومن الإشكالات التي يطرحها بعض المشككين في نوايا السلطة من إعداد الدستور هو ظهورها كمن يخفي شيئا عن الرأي العام الجزائري، وهو الذي يفترض به أن يكون أحق من رئيس المستعمر السابق – فرنسا بالاطلاع الكامل على ما تعتزم القيام به، ولا شك أن الأمر كان مفارقة كبيرة وصدمة قوية أن يعلن فرانسوا هولاند في تلمسان قبل أربعة أشهر عن ذلك التغيير الدستوري المقبل الذي وصفه بالمهم، وأنه سيخدم الديمقراطية والمستقبل السياسي للجزائريين، حسب ما قاله خلال زيارته إلى الجزائر.