غزة-“القدس العربي”: لا يستبعد المراقبون للمشهد الإسرائيلي، أن تكون غزة من جديد هي الضحية، التي يهرب من خلالها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أزمته السياسية الحالية، التي قد تدفعه خلف قضبان السجن، بعد توجيه تهم فساد عديدة له، خاصة بعد فشله مرتين في تشكيل حكومة جديدة لتل أبيب، لعدم حصوله على الدعم الكافي من الأحزاب الإسرائيلية.
فقبل أيام قليلة، أيد المدعي العام الإسرائيلي أفيخاي ماندلبليت، ما ذهب إليه محققو جهاز شرطة تل أبيب، وقرر توجيه اتهامات فساد لنتنياهو، وأعلن في بيان اتهام هو الأول من نوعه بحق رئيس وزراء في منصبه، أنه قرر توجيه اتهامات لنتنياهو تشمل الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وذلك في القضايا المعروفة باسم 1000 و2000 و4000 معتبرا أن التهم الموجهة لنتنياهو في غاية الخطورة.
وقد أكد أن الادعاء العام وبعد تحقيق مستفيض قام به، وصل إلى قناعة بأن نتنياهو خالف القانون الجنائي، حيث أضاف بذلك مزيدا من الغموض بشأن مستقبل نتنياهو السياسي، الذي يقاتل من أجل البقاء في منصبه، على أمل أن يحميه من السجن، خاصة وأن الاتهامات هذه جاءت مع اعتلاء الفوضى السياسية المشهد في إسرائيل، بعد تنظيم انتخابات برلمانية مرتين، فشل فيهما نتنياهو في حسم الأمر كما اعتاد في السنوات الماضية، بتشكيل حكومة جديدة، لعدم حصوله على الدعم الكافي من الأحزاب الإسرائيلية، رغم الدعم الأمريكي العلني له سياسيا، على أمل البقاء في منصبه الذي داوم عليه لمدة عشرين عاما.
الهروب إلى الحرب
وتذهب الكثير من التحليلات السياسية، إلى أن نتنياهو الذي يسير على خطى قادة إسرائيل السابقين، باعتبار أن “الدم العربي” وخاصة الفلسطيني، هو وقود حملاتهم الدعائية، والمنقذ الوحيد لأزماتهم السياسية، إلى تنفيذ عمل جنوبي، بالتوجه إلى فتح جبهة حرب في الشمال حيث “حزب الله” في لبنان، أو سوريا، أو الجنوب ضد غزة، يجمد من خلالها عملية المضي في التحقيقات والإدانات الموجهة له، أو يحصل بموجب تلك الحرب، التي سيكون حتما وقودها من دماء المدنيين، على “صك” حماية من السجن، في حال قرر الخروج بعد تلك الحرب من المشهد السياسي إلى الأبد.
ونتنياهو المعروف بغطرسته سبق له وأن قادة حربين ضد غزة، الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 والثانية وكانت الأشد دمارا وعنفا وقتلا منذ بداية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وشنها صيف العام 2014 ووقتها دامت الحرب لـ 51 يوما، ولجأ فيها جيش الاحتلال بتعليمات من نتنياهو إلى استخدام أعتى أنواع الأسلحة المدمرة، فقتل أكثر من 2200 فلسطيني، بينهم أطفال ونساء ومسنون، وهدم جيشه المنازل فوق رؤوس ساكنيها، مرتكبا بذلك “جرائم حرب” وفق تحقيقات المنظمات الحقوقية الدولية، كما أشرف بعد الحرب الأخيرة على العديد من الهجمات العسكرية ضد غزة، بصفته رئيسا للوزراء ووزيرا للجيش، قتل خلالها عشرات الفلسطينيين، آخرها موجة تصعيد قبل أسبوعين، حين استشهد 35 مواطنا، بينهم تسعة من عائلة واحدة السواركة وسط القطاع، حين دمر الطيران الإسرائيلي منزلها بالكامل.
لذلك لا يستبعد أن يهرب هذه المرة من خلال القيام بعمل عسكري كبير ضد القطاع، يكون بلا سابق إنذار، على أمل البقاء في منصبه، وجمع خصومه السياسيين حوله، في حكومة “وحدة وطنية” تبعده عن السجن.
وقد أشارت إلى ذلك العديد من التقارير والتحليلات الإسرائيلية، بتأكيدها أن نتنياهو قد يهرب من لائحة الاتهام الموجهة ضده ويشن حربا على إحدى الجهات (سوريا أو لبنان أو غزة) مؤكدة أن هذا الأمر غير مستبعد.
نتنياهو يهدد
وكان بنيامين نتنياهو، قال عقب انتهاء موجة التصعيد الأخيرة ضد غزة، التي بدأها منتصف تشرين الأول/نوفمبر، باغتيال قائد عسكري كبير في الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في غارة أسفرت أيضا عن استشهاد زوجته، إن “إسرائيل لم تتعهد بشيء” في تعليقه على اتفاق وقف إطلاق النار، وأضاف “سوف نهاجم كل من يحاول المساس بنا” وقال “حملة الحزام الأسود تم تحقيقها، وسياستنا الأمنية لم تتغير”.
وأعقب تصريحاته هذه التي هدد فيها غزة بأخرى بعد قيام جيشه بشن سلسلة غارات فجر الأربعاء الماضي، قال فيها “إذا اعتقد شخص ما في غزة أن بإمكانه رفع رأسه بعد عملية الحزام الأسود، فسيكون قد ارتكب خطأ صعبا، لأننا سنرد بحزم على أي هجوم ضدنا” ويقصد بعملية الحزام الأسود تلك العملية التي بدأت باغتيال القيادي في سرايا القدس بهاء أبو العطا.
وكان نفتالي بينت وزير الجيش الإسرائيلي، الذي يقود أحد أحزاب اليمين المقربة من نتنياهو، وجه تهديدات لعدة جبهات عربية منها غزة، وقال في كلمة له في القدس خلال إحياء ذكرى القتلى الإسرائيليين في حرب 1956 “من الواضح لأعدائنا، أننا سنرد على أي محاولة لمنعنا من العيش، ومن الواضح لهم، أن ردنا سيكون دقيقا للغاية، ومؤلما للغاية” وتابع “هذه التصريحات أوجهها ليس فقط لأولئك الذين يريدون قتلنا على الجبهة الجنوبية (قطاع غزة) ولكن أيضًا في الشمال” في إشارة إلى سوريا ولبنان.
ولذلك وعلى الرغم من المعلومات التي تتحدث عن وجود وساطات في هذه الأيام، من أجل تطوير اتفاق التهدئة، وإمكانية الوصول إلى “هدنة طويلة” بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، أخذت المقاومة الفلسطينية تلك التهديدات على محمل الجد، فنفذت عدة مناورات عسكرية، تحسبا لأي تصعيد مفاجئ، وأعلنت استعدادها لأي طارئ، خاصة وأنها ردت على الهجوم الإسرائيلي الأخير بشكل موجع، وأطلقت صواريخها ليس كما المرات السابقة على مدن وبلدات إسرائيل القريبة من الحدود فقط، بل إلى مدن الوسط، حيث قصفت مدينة تل أبيب وضواحيها، كما قوبلت تصريحات قادة الاحتلال بتحذيرات فلسطينية من محاولات التلاعب باتفاق التهدئة.
ومن أجل تفويت الفرضة على نتنياهو، في ظل احتمالية أن تكون “جبهة غزة” هي أحد خيارته للهروب من مأزقه السياسي، قررت الهيئة الوطنية العليا لمسيرات العودة، تأجيل تنظيم التظاهرات الأسبوعية التي تنطلق عصر كل يوم جمعة صوب مناطق المخيمات الخمس، للمرة الثالثة على التوالي.
تفويت الفرصة
وبررت الهيئة قرار التأجيل كما الجمع الماضية، بأنه جاء لـ “تفويت الفرصة على المجرم بنيامين نتنياهو من ارتكاب أي حماقة ضد متظاهري مسيرة العودة”. وأوضحت في بيان لها أن القرار اتخذ “من منطلق مسؤولية عالية وشجاعة” لافتا إلى أنه “غير مرتبط بأي تفاهمات هنا أو هناك” وأضافت “بوصلتنا ومسؤوليتنا الوطنية ستظل شاخصة باتجاه التمسك بثوابت شعبنا وحقه في المقاومة، وفي الحفاظ على دماء أبناء شعبنا أيضاً من أي محاولات غدر صهيونية”.
وأكدت في الوقت ذاته، أن مسيرات العودة مستمرة ومتواصلة بطابعها الشعبي السلمي، وأن “كل القرارات المسؤولة التي تتخذها في ظل تلك اللحظة الخطيرة وارتباطاً بتربص العدوان بشعبنا، هي قرارات نابعة من أهمية إفشال أهداف ومحاولات الاحتلال الخبيثة للاستفراد بشعبنا في سياق التوظيف السياسي” مشيرا إلى أن “المعركة ما زالت مفتوحة مع هذا العدو ولن ننهيها إلا بتحقيق كل أهدافنا المشروعة”.
وقد ثبتت الهيئة على قرارها هذا، عقب استشهاد فتى فلسطيني على حدود مدينة خانيونس الشرقية، الجمعة، بعدما استهدفه جنود الاحتلال بنيران حية، عندما كان يشارك هو وعدد قليل من رفاقه في مواجهة شعبية اندلعت هناك، من دون يشكلوا خطرا على جنود الاحتلال، وأكد عضو الهيئة القيادية لمسيرات العودة وكسر الحصار ماهر مزهر، أن الاعتداء الذي نفذه الاحتلال الإسرائيلي على المتظاهرين السلميين، يؤكد أن الهيئة اتخذت قراراً مسؤولاً فيما يتعلق بتأجيل المسيرة، وأن لديها دلائل ومعطيات بقرار الاحتلال الاعتداء على المتظاهرين بالقتل والبطش.
وقال مزهر في تصريح صحافي “إن إقدام الاحتلال على استهداف المدنيين العزل يمثل دليلاً قاطعاً بأن العدو كان يُبيت لارتكاب مجزرة بحق أبناء الشعب الفلسطيني”.
وفي هذا السياق، كان القيادي في حركة الجهاد الإسلامي خالد البطش، توقع عقب انتهاء موجة التصعيد الأخير، باتفاق لوقف إطلاق النار رعته مصر والأمم المتحدة، أن يرتكب نتنياهو “حماقة جديدة” ضد المقاومة وغزة، خاصة مع وجود شكوك حقيقية بانتهاء مشواره السياسي، وقال في تعقيبه على المشهد الحالي “نتوقع جنون نتنياهو وارتكابه جريمة جديدة، لذلك فإن أيدي رجال سرايا القدس وأبطال المقاومة على الزناد فالعدو من طبعه الغدر وخرق الاتفاقيات”.
أما حسام بدران عضو المكتب السياسي لحركة حماس، فقال إن المقاومة في غزة “راشدة وحازمة وموحدة” ولديها غرفة عمليات مشتركة، وأكد أن تهديدات نتنياهو للمقاومة لم تعد تنطلي على أحد، ولا تخيف طفلا فلسطينيا، مضيفا “المقاومة ترصد ليس فقط تصريحاته بل أكثر من ذلك، وهي على أهبة الاستعداد للدفاع عن شعبنا”.