هل تلحق أوروبا بقطار الحداثة الجديدة؟

في تفسير ما سمته الاكونومست بمأساة العرب والمسلمين – مأساة الانفصام بين الأنظمة والشعوب، وقعود الهمة الوطنية والقومية وتوتر العلاقة مع الذات والعالم –  تقول المؤرخة كارين أرمسترونغ إنه يجدر التذكر أن الإسلام هو دين النجاح. دين نجح، في ظرف عقود فقط، في الانتشار في مناطق شاسعة من العالم، ثم أفلح في انتهاج منطق العلم التجريبي (على نحو ما يبينه جيم الخليلي في كتابه الشيق «الرواد: العصر الذهبي للعلم العربي»)، وفي تحقيق ازدهار غير مسبوق في التاريخ الإنساني. لقد كانت ديار الإسلام عنوان التقدم والنجابة، فإذا بها تجد نفسها، منذ بداية العصر الحديث، في مؤخرة الركب تجرجر أذيال الهزيمة الدائمة: فرض عليها الغرب مذلة التبعية وسفاهة التقليد، بينما هو يحلق في أعالي الإنجاز الحضاري بجناحي الاستقلالية والتجديد. 
وتضيف أرمسترونغ «إني لا أجد في محاولة تقريب معاني محنة العالم الإسلامي من أفهام الغربيين سوى أن أسأل من ألتقي من الأمريكيين: هل لكم أن تتصوروا شعوركم لو أن الصين تفوقت عليكم اليوم (لا غدا أو بعد عقود) وأزاحتكم من مكانتكم لتصير هي القوة الأولى في العالم؟ هل لكم أن تتخيلوا مدى ما في ذلك من مهانة وانكسار؟» 
والحق أن مسألة صعود الصين قد بدأت تستحوذ منذ حوالي عقد ونصف على اهتمام كثير من المفكرين والمؤرخين والاقتصاديين الغربيين ممن يعرفون بـ»الانحداريين»، أي القائلين بانحدار الغرب وقرب أفوله.
ولعل كتاب المؤرخ البريطاني نيل فرغسون «الحضارات: الغرب والبقية» هو من أوضح الأمثلة على هذا الموقف. على أن مكمن الطرافة في الكتاب الذي أصدره أخيرا الرئيس الفرنسي السابق (الثمانيني) فاليري جيسكار دستان بعنوان «فرصة أوروبا الأخيرة»، ووطأ له صديقه (التسعيني) المستشار الألماني الغربي السابق هلموت شميدت، هو أنه يندرج في أفق رسم السياسات واقتراح الحلول.
يطرح دستان خطة عملية يعتقد أنها كفيلة بأن تضمن لأوروبا مقعدا على «قطار الحداثة الجديدة» السريع ومكانة ضمن القوى الدولية النافذة في القرن الحادي والعشرين. وينبه أولا إلى وجوب التفريق بين الانحدار (أي الانخفاض في القوة أو المستوى على المدى القريب) والانحطاط (أي المنحى التدميري على المدى البعيد)، حيث تشهد أمريكا الآن انحدارا عابرا، أما أوروبا فإنها على شفا الانحطاط. ما هو الحل؟ إنه في المسارعة بإعادة إنشاء نموذج التنظيم السياسي الأوروبي. ذلك أن هذا النموذج قد سار سيرا حسنا من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منتصف الثمانينيات لأنه كان يجسد الرغبة العارمة في استتباب السلام. فقد كان هدف الآباء المؤسسين، حسب قول أحدهم (روبر شومان) هو «جعل الحرب مستحيلة»بين بلدان أوروبا الغربية. ولكن هذا النموذج لم يعد يرقى لمستوى التحديات الجديدة التي تواجه اتحادا كان يتألف عام 1991 من 12 دولة عضوا فقط، فإذا بعدد أعضائه لا يقل اليوم عن 28. كان توسيع العضوية سيىء الإعداد. لم يكن توسيعا عن تفكّر وروية، بل عن خضوع واستسلام. ومنذئذ «لم يعد هناك رواية أوروبية، لم تعد هناك سردية أسطورية» تستثير الطموح والخيال.
بهذه الطريقة يطرح دستان ما يعرف بقضية «التوسيع مقابل التعميق»، ولكن دون أن يسميها بالاسم. ومعروف أن توسيع الاتحاد الأوروبي لعدد كبير من الأعضاء الجدد من أوروبا الشرقية هو الذي حال دون التعميق، أي تعزيز التكامل الاقتصادي والسياسي إلى حد يبلغ، أو يشارف، الاندماج الفيدرالي. كيف التقدم إذن؟ يقول دستان إنه لا يمكن الآن المساس بالاتحاد الأوروبي في شكله الحالي. فقد سبق السيف العذل. ولكن الحاجة ماسة لبناء جديد، مواز، يتركز على إدراج أوروبا في أفق مستقبل التنافس العالمي. كيف؟ باستكمال الاندماج الاقتصادي والمالي في منطقة اليورو. ومعناه أن تقام على الأراضي التي تجري فيها أنهار السين والراين والدانوب قوة اقتصادية معاصرة قادرة على منافسة كبريات قوى القرن الحادي والعشرين، القائمة منها والقادمة. وهذه غاية محددة وواضحة يسهل على جميع سكان دول العملة الموحدة فهمها.
أما من يعلق عليهم دستان الأمل، فهم ساسة الجيل الجديد الذي سيقود الدول الست التي كانت نواة الاتحاد: فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا ولوكسمبورغ. وينذر هذا الشاب الثمانيني، عضو الأكاديمية الفرنسية، أنه لا بد من تطبيق هذا المشروع من هنا حتى عام 2040، وإلا فإن أوروبا ستصير مجرد منطقة تبادل حر وسياحة دولية.

٭ كاتب تونس

مالك التريكي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية