هل خسر فلورنتينو بيريز الحرب العالمية الثانية لكرة القدم؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: قُرعت طبول الحرب العالمية الثانية لكرة القدم، بعد البيان المشترك لأندية النخبة الـ12 في إسبانيا وإيطاليا وإنكلترا، للكشف عن نواياها بشكل رسمي في الانفصال عن سلطة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، بالاتفاق على تأسيس رابطة السوبر ليغ، تمهيدا لتنظيم بطولة في ما بينهم تحمل نفس الاسم، لتكون طوق النجاة من مقصلة الإفلاس وصداع الديون والخسائر الفادحة في زمن كورونا، وذلك على حساب عبق وتاريخ دوري أبطال أوروبا.

إذن الحرب
حاول رئيس اليويفا ألكسندر تشيفيرين، أخذ ضربة استباقية لوقف الانقلاب الذي يُحاك في الخفاء ضد المؤسسة الأوروبية العريقة، بقائمة عريضة من التهديدات للأندية المنشقة، وصلت لحد التلويح بالتجميد المحلي والقاري والعالمي، بجانب تهكمه على رئيس يوفنتوس أندريا أنييلي، واصفا إياه بالكاذب والمخادع، لتحايله على المسؤولين في اليويفا، رغم منصبه المرموق في المؤسسة، لكنه لم يتوقع أبدا أن يأتي الرد من رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز، الذي قرر فجأة وبدون سابق إنذار نزع الوجه الدبلوماسي المعروف عنه، في ظهوره النادر مع صديقه الإعلامي جوسيب بيدرول في برنامج «الشيرنغيتو»، الذي اعتبرته وسائل الإعلام العالمية بمثابة الإعلان الصريح لبدء حرب النفوذ والوجود بين بيريز واليويفا ورئيسه، استنادا لاقتباسات المهندس الملياردير ورسائله الحادة لرئيس اليويفا، والتي كان مفادها، أنه كما نجح الرئيس الأسطوري سانتياغو بيرنابيو في تنفيذ فكرة كاتب صحيفة «ليكيب» غابريال هانوت، بإقامة بطولة تضم نخبة أندية القارة العجوز بعد 10 سنوات من الحرب العالمية الثانية، رغما عن اليويفا والفيفا وبعض المؤسسات التي كانت ترفض الفكرة آنذاك، فسينتهي النزاع الحالي بانتصار فكرة السوبر ليغ، لاعتقاده بأن اللعبة في أمس الحاجة للتطوير، ليعود الشغف والإثارة مرة أخرى، بعد عزوف جزء كبير من الشباب عن مشاهدة المباريات المملة، ورغم أن ردود الأفعال في اليوم التالي، أظهرت أن الثعلب السبعيني خسر الرهان، بعد «ربيع جمهور تشلسي»، الذي أجبر النادي على أخذ خطوة إلى الوراء، بإعلان بيان الانسحاب من تحالف السوبر ليغ، وما تبعه من سلسلة الانسحابات، التي شملت الجميع باستثناء أصحاب العقول المدبرة للفكرة ريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس، لكن من الصعب التسليم بأنه خسر الحرب، أو على الأقل لم يحقق جزءا كبيرا من أهدافه، والدليل على ذلك، تسريب مغازلة اليويفا للكبار، برفع ميزانية الكأس ذات الأذنين إلى نحو 6 مليار يورو في المواسم المقبلة، بخلاف التعديل الإيجابي في نظام البطولة، بما يخدم الأندية والمشاهد، منها زيادة عدد مباريات الفرق، وبالتالي رفع الجوائز والمكافآت، ومنها أيضا رفع مستوى المنافسة، وذلك بطبيعة الحال لقطع الطريق على فكرة السوبر ليغ أو أي بطولة أخرى في المستقبل.

عصر جديد
الشيء المؤكد والذي يصعب الاختلاف عليه، أن قنبلة فلورينتينو بيريز، أنذرت بثورة قادمة لا محالة في شكل ومنظومة كرة القدم في ما تبقى من هذا القرن، وحتى لو افترضنا جدلا أن محاولة انقلاب العمالقة الـ12 لم تنجح في الوقت الراهن، لكنها ستبقى قائمة وقابلة للتنفيذ في أي وقت، سواء من قبل المنشقين الأوائل أو يستغل اليويفا الفرصة، ويقوم بتنفيذها بشكل أو بآخر، على طريقة تسويق أحمد حلمي في فيلم «جعلتني مجرما»، «كل نفسك قبل ما حد ياكلك»، أو كما فعل الأجداد في الخمسينات، بتبني واعتماد فكرة كأس أوروبا للأندية أبطال الدوري بشكل رسمي، قبل 30 يوما من إقامة أول مباراة في تاريخ البطولة بين سبورتنغ لشبونة البرتغالي وبارتزان بلغراد اليوغسلافي آنذاك، وبوجه عام، يمكن القول إن بيريز وحاشيته نجحوا في تمرير رسالتهم الأولى، وبدون مبالغة خرجوا بمكاسب فاقت توقعاتهم، أبسطها جس نبض الشارع الكروي والحكومات، إلى جانب تحريك ورقة «كش ملك» للمؤسسة الأوروبية، لإسراع وتيرة تطوير وإصلاح البطولة القارية الكبرى، وقبل هذا وذاك رفع عوائد وجوائز ذات الأذنين، مقابل وقف التلويح بالسوبر ليغ حتى إشعار آخر. وما يعزز صحة هذه الافتراضية ما قاله «عراّب» الفكرة في حديثه الأخير مع إذاعة «كادينا سير»، بشأن إمكانية التفكير في مشاريع أخرى في حال سقطت فكرة السوبر ليغ، كإشارة واضحة إلى أنهم في الرابطة الجديدة، لم يتركوا أي شيء للصدفة، بوضع خطط بديلة على ردود الأفعال وحالة الغضب المتوقعة بعد استقبال الصدمة الأولى، أو أنها مجرد محاولة انتهازية للوقت والموقف، بوجود ريال مدريد وتشلسي ومانشستر سيتي في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، مع اقتراب فصل الصيف، للضغط على اليويفا والحكومات، لتقديم ما يكفي من دعم وتسهيلات لعمالقة كرة القدم، كمساهمة لتخفيف حدة الخسائر الناجمة عن جائحة كورونا، كما فعلت الحكومات وغيرها من المؤسسات مع ألعاب ومجالات أخرى، إلا أندية كرة القدم، التي بدأت تلامس خطر العقوبات والإفلاس كما حدث مع ميلان قبل سنوات، في ظل الالتزام بدفع رواتب النجوم ونصف الموظفين، بعد طرد النصف الآخر، وأقساط الديون المتراكمة، في الوقت الذي تقتصر فيه موارد الدخل على عوائد البث التلفزيوني فقط، وذلك للعام الثاني على التوالي بسبب إجراءات كورونا الاحترازية.

لعبة المليارات
إذا أردنا وضع عنوانا لكتاب عن ثورة بيريز على اليويفا، لن نجد أفضل من «المال أو الانقلاب» مع صورة للرجلين في صدر الكتاب وبينهما عملات «بيتكوين»، وإن أمكن وضع وجه رئيس الوزراء بوريس جونسون في وضع المترقب، وذلك بعد ظهور حرص الجميع على المليارات، وكانت البداية برئيس نادي القرن الماضي، الذي قال بوضوح وكل شفافية «المال أهم شيء»، كيف لا وهو يستقوي على الجميع بأرقام ومبالغ مفزعة، تجعله لا يبالي بأي عقوبة محتملة من قبل اليويفا أو حتى الاتحادات المحلية، إذا لم تحدث استجابة فورية، بجلوس أصحاب القرار في الاتحاد الأوروبي والدولي مع المنشقين الثلاثة، الذين يتصدرون المشهد بعد الانسحاب، غير الرسمي للآخرين، لاقتراح آليات وأفكار جديدة من شأنها أن تساعد الأندية الكبيرة على تجاوز خسائر كورونا، وبالتبعية عودة الحياة إلى الميركاتو. ولأنها لعبة مليارات ومحاولة لتوحش الرأسمالية في صناعة محتوى كرة القدم، لاحظنا دفاع رئيس الحكومة البريطانية المستميت عن منتجه المحلي «البريميرليغ»، لدرجة التعهد بفعل أي شيء لعرقلة مخطط السوبر ليغ، ولنفهم السبب، علينا العودة إلى دراسة أجرتها شركة «YE» الإعلامية البريطانية عن تأثير الدوري الإنكليزي الممتاز على اقتصاد البلاد، باعتباره واحد من أهم مصادر الدخل في الناتج المحلي، بضخ 8 مليارات وتوفير 100 ألف فرصة عمل بشكل مباشر وغير مباشر، فضلا عن جذب أكثر من نصف مليون سنويا لمشاهدته، كأهم قوة ناعمة حقيقية للحكومة، وهذا يفسر موقف بوريس جونسون المعارض للفكرة برمتها، خوفا من ظهور منتج آخر يخطف الأنظار والاستثمارات الضخمة في البريميرليغ، وهذا ليس مستبعدا، مع موت المنافسة إكلينيكيا على اللقب وما يُعرف المراكز المؤهلة للبطولات القارية، بضمان ترشح ستة دائمين للبطولة التي تجلب مئات الملايين، بينما الآخرون يلعبون لا لهدف، إلا المحظوظ الذي سيقع عليه الاختيار لمرافقة النخبة الـ15، في بطولتهم المكونة من 20 نادياً، فيما يمكن اعتباره «أمركة كرة القدم»، بتحويل الكرة في أوروبا إلى مشروع (NBA) جديد، وهذا في حد ذاته، يمثل أقوى تهديد لتشيفيرين ومؤسسة اليويفا، إذا لم يحدث تدخل بأثر فوري، لإعادة توزيع حصص المكافآت والمشاهدات التلفزيونية، بمراعاة نسب المشاهدة بين العظماء، الذين يتابعهم المليارات حول العالم، وبين ممثلي الدوريات المغمورة.

هل خسر بيريز حلفاءه؟
نعرف جميعا أن كل الأندية أعلنت عبر مواقعها الرسمية، انسحابها من تشكيل السوبر ليغ، باستثناء الثلاثي الريال والبارسا واليوفي، لكن بحسب رئيس الريال، فحتى الآن لم يتقدم أحد بطلب رسمي للتوقيع على الخروج من الاتفاقية، تأكيدا للتسريبات، التي اعتبرت هذه الانسحابات مجرد «حركة متفق عليها»، لتهدئة الرأي العام، بعد موجة الغضب الأولى، لتمسك هذه الأندية بتحقيق حلمها ولو بعد حين، والذي سيبدأ بجني 350 مليون يورو بمجرد التوقيع على عقد المشاركة في البطولة المستقبلية، وسترتفع المبالغ لأكثر من الضعفين، 800 مليون، مع الانتقال إلى مراحل خروج المغلوب، ولنا أن نتخيل أن نادياً مثل بايرن ميونيخ، لم تتخط أرباحه وجوائز المكافأة بالأبطال حاجز الـ150 مليون يورو، لذا يمكن القول، إن رئيس الريال لم يخسر كل حلفائه بشكل رسمي، على الأقل إلى أن يُفّعل المنسحب بند الخروج، بدفع المبلغ المتفق عليه، كما أقر بيريز في المقابلة الصحافية الأخيرة، وفي كل الأحوال، لن يخرج من المعركة خاسرا حتى لو تبخر حلم تنظيم بطولة المليارات، وهذا سنلاحظه في الامتيازات التي ستتحصل عليها الأندية من قبل اليويفا والاتحادات الحكومات المحلية.
وعلى عكس التهديدات غير الموفقة التي لوح بها تشيفيرين في بداية المعركة، والتي على ما يبدو أنها انقلبت ضده، ومن حسن حظه، أن جمهور تشلسي تدخل في الوقت المناسب، ليحصل على وقته الكافي، للدفاع عن نفسه، بعد سهام فلورنتينو الجارحة، التي وضعته في موقف لا يحسد عليه، منها مثلا وصف اليويفا بالمؤسسة الاحتكارية البعيدة عن الشفافية والوضوح، اعتراضا على نظام توزيع حصص البث والمكافآت، من منطلق صعوبة مساواة ريال مدريد أو برشلونة أو مانشستر يونايتد بأحد فرق شرق أوروبا أو الدوريات التي لا يشاهدها إلا سكانها المحليين، فاتحا المجال لتعزيز الاتهام القديم لتشيفيرين ومن قبله ميشيل بلاتيني، بشراء أصوات الدول الصغيرة في انتخابات الجمعية العمومية مقابل امتيازات في شكل زيادة فرص أندية ومنتخبات تلك الدول في التواجد في دوري مجموعات أبطال أوروبا واليورو، وذلك على حساب الأندية الكبيرة التي ساهمت في وصول دوري الأبطال إلى ما هو عليه الآن، كأفضل وأشهر بطولة قارية على مستوى العالم، هذا ولم نتحدث عن اتهام بيريز الصريح لنظيره في اليويفا، في ما يخص التكتم على رواتب الرئيس والموظفين والطريقة التي تدار بها مليارات المؤسسة، وذلك بلهجة «صاحب المال»، لقناعة بيريز بأنه يتحدث بلسان المجموعة التي يتابعها 4 مليار مشجع حول العالم، ولولا تواجدهم في الأبطال، لما تعاظمت ثروة الاتحاد الأوروبي بهذه الطريقة.

حلول ودروس
واحدة من العبارات الرنانة التي أدلى بها فلورنتينو بيريز في مقابلاته الأخيرة «أؤكد للجميع لن يتم إقصاء ريال مدريد من دوري الأبطال»، ردا على تهديدات تشيفيرين والشائعات التي تتحدث في هذا الأمر، واستند بموقفه إلى اللوائح والقوانين، لكن هناك أشياء أخرى فضل التحفظ عليها، منها نفوذه وعلاقاته التي تمنع توقيع هكذا عقوبات على النادي الأشهر عالميا، وأيضا لتعارض قرار إقصاء الميرينغي من الأبطال مع مصالح الاتحاد الأوروبي، خوفا من انسحاب الرعاة والشركاء، الذين يضخون الأموال لاستغلال وجود العلامة التجارية لريال مدريد في البطولة. وأخطر من هذا وذاك، موقف رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جاني انفانتينو الغامض، وإن جاز التعبير يمكن وصفه بالمطاطي، كما يتجلى في البيانات الرسمية التي تحمل أكثر من معنى، الاسم فقط أنها تدعم اليويفا، لكن في نفس الوقت تطالب بجلوس كل الأطراف لإيجاد صيغة للخروج من هذا المأزق، وهذا الموقف فتح الباب على مصراعيه لتوجيه أصابع الاتهام لرئيس الفيفا، استنادا لتصريحاته التي أدلى بها الشهر الماضي أثناء زيارته للكونغو الديمقراطية، التي اقترح خلالها إقامة «السوبر الأفريقي» بمشاركة أندية النخبة الـ20 في القارة السمراء، كفكرة لمشروع طويل الأجل لتطوير الكرة في القارة، وفي نفس الوقت لتحسين مداخيل الأندية، بجني 20 مليون دولار من عوائد البث، بدلا من المبالغ الهزيلة التي تتحصل عليها الأندية الأفريقية في الوقت الراهن.
فهل تعتقد عزيزي القاري اقتباس نفس المسمى «السوبر ليغ» الأوروبي مجرد صدفة؟ أم مخطط لزيادة تحكم المال في اللعبة في السنوات المقبلة؟ على كل حال، كل ما سبق سيشكل ضغطا على رئيس الاتحاد الأوروبي لامتصاص غضب الجبابرة الكبار، برفع نسبتهم في المكافآت وعوائد البث بداية من النسخة الجديدة، حتى لو اضطر لسحب جزء من أصول اليويفا الثابتة في البنوك، أما ما يخص عودة الإثارة والشغف، فمن السهل استنساخ فكرة «السوبر ليغ» بالعودة إلى نظام دور المجموعات في دور الـ16، ذاك النظام الذي استمتع به عشاق اللعبة في نهاية التسعينات وحتى السنوات الأولى في الألفية، لتقليل عدد مباريات الأندية، بعد تزايد الشكاوى من إصابات اللاعبين وإرهاقهم، خصوصا في المواسم الزوجية التي تنتهي باليورو أو كأس العالم، ولو عدنا إلى الوراء، سنتذكر أن هذا النظام، كان يقدم محتوى أكثر متعة وجودة من النظام الحالي، وذلك بمشاهدة أكبر عدد من مواجهات الأندية الكبيرة مع بعضها في دور الـ16، خصوصا المجموعات التي كانت تضم 3 أندية كبيرة، وأحيانا كانت هناك مجموعات 4 فرق من الوزن الثقيل، وهذا تقريبا ما يطالب به بيريز، لإصلاح عيوب البطولة الكبرى، ولو أن هذا لا يعفي مسؤولية الأندية وضرورة تعلمها من الأخطاء التي أدت إلى تفاقم أزمتها المادية، خصوصا الثلاثي الأكثر ضررا يوفنتوس وريال والبارسا، الذي يدفع ثمن شطحاته في العقد الأخير، شاملة المغامرة برواتب تفوق ميزانية والدخل الثابت، إلى جانب إهدار الملايين في صفقات مخيبة للآمال، على عكس مثلا الأندية الإنكليزية التي لم تتأثر كغيرها بجائحة كورونا، وذلك بفضل التوجيه الجيد للمال، فهل سنكون على موعد مع تغييرات جذرية في عالم كرة القدم؟ أم ينفذ تشيفيرين تهديده ويحرم المتمردين الثلاثة الواضحين من المشاركة في الأبطال الموسم المقبل ومعها تنتهي محاولة الانقلاب؟ دعونا ننتظر لنرى من ستكون له اليد العليا في هذه الحرب الباردة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية