برلين ـ «القدس العربي»: مع تجاهل أحزاب فرنسية من اليمين واليسار نداء الرئيس إيمانويل ماكرون للمساعدة في الخروج من مأزق البرلمان المعلق الذي أسفرت عنه الانتخابات التشريعية هذا الشهر، وطالبته بتوضيح التنازلات التي يمكن أن يقدمها لكسب تأييدها، وقبيل توجهه لحضور قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ألقى ماكرون خطابا تلفزيونيا أقر فيه بأن نتائج الانتخابات البرلمانية كشفت عن «انقسامات عميقة» في المجتمع الفرنسي.
وبعدما انتخبوه في نيسان/ابريل رئيسا لولاية ثانية من خمس سنوات، اختار الفرنسيون الأحد حرمان إيمانويل ماكرون من الغالبية في الجمعية الوطنية لينهوا بذلك رئاسة كانت شديدة المركزية في الولاية الأولى حسب محللين.
واستبعد ماكرون تشكيل حكومة وحدة وطنية، لكنه دعا زعماء الأحزاب المنافسة إما إلى مناقشة خيارات تشكيل ائتلاف محتمل مع تحالفه الوسطي أو النظر في تقديم الدعم لإصلاحاته على أساس كل مشروع قانون على حدة. لكن هذا قوبل بالرفض على نطاق واسع باعتباره محاولة لحشد الأحزاب خلف سياساته من دون تقديم تنازلات تذكر، بيد أن مراقبين يرون أن السياسة الأوروبية بذاتها تعد موقف خلاف أيضا داخل المجتمع الفرنسي، فهل يطمح الناخب الفرنسي بتغيير في العلاقة بينه وبين بروكسل، وما شأن ذلك بالانتخابات الفرنسية الأخيرة؟
يؤيد الرئيس المعاد انتخابه إيمانويل ماكرون تقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على دول خارج الكتلة مع تعزيز المصالح الوطنية الفرنسية من الداخل. وفي 31 كانون الأول/ديسمبر 2021 تم رفع علم عملاق للاتحاد الأوروبي تحت قوس النصر في باريس للاحتفال بفرنسا لتولي الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي للنصف الأول من عام 2022. في غضون 48 ساعة، تم سحب العلم بعد احتجاج من القوميين الفرنسيين مدعيا أن الحكومة قد خانت الأمة الكبرى.
من الواضح أنه كان من الممكن إزالة العديد من أعلام الاتحاد الأوروبي لو فازت مارين لوبان بالجولة الأخيرة من الانتخابات الرئاسية في نيسان/أبريل. وترى صحيفة «تاغيس شبيغل» الألمانية أن فوز ماكرون في انتخابات الإعادة في 24 نيسان/أبريل بنسبة 58.6 في المئة من الأصوات قوبل بارتياح كبير في بروكسل وفي أغلبية العواصم الأوروبية، بيد أن هذا الفوز خلق جدلا أوروبيا ان كان فوزا لماكرون أو مجرد خسارة للوبان، بمعنى أن الناخب الفرنسي اختار أهون الشرين.
لقد امتنع العديد من الناخبين في الجولة الثانية عن التصويت أو أعطوا أصواتاً فارغة. فقط 38.25 في المئة من الناخبين المسجلين صوتوا للرئيس ماكرون.
ومع سحق أحزاب التيار السائد سابقًا من يمين الوسط ويسار الوسط (كلها أقل من 5 في المئة) لا يزال حزب الرئيس ماكرون الحزب الناجح الوحيد المؤيد للاتحاد الأوروبي في فرنسا. وبالفعل فقد دافع الرئيس الفرنسي بشجاعة عن الاتحاد الأوروبي ضد موجة التشكك في أوروبا. وتظهر استطلاعات الرأي أن خيبة الأمل من عضوية الاتحاد الأوروبي هي الأعلى في اليونان وفرنسا.
العلاقة الأوروبية المرغوبة
لكن ما هو نوع أوروبا الذي يفكر فيه ماكرون؟ ويكتسب هذا السؤال أهمية لأن الرئيس الفرنسي سواء أجبر على التعايش مع حكومة أكثر يسارا أم لا سوف يتولى دورا قياديا في الاتحاد الأوروبي في السنوات المقبلة. ويرى مراقبون أن غياب ميركل أتاح لماكرون الظهور أوروبيا، فبعد 16 عاما من حضور المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، من غير المرجح أن يطور خليفتها أولاف شولتس طموحات كبيرة على الساحة الأوروبية. وبفضل الحرب الأوكرانية ظهر المستشار الألماني بمظهر المتردد، وهو ما أدى إلى امكانية لماكرون باللعب على هذا الوتر، من أجل الظهور أوروبيا، ومباشرة بعد انتخابه، أعلن الرئيس الفرنسي: «أريد أن أشكر جميع الفرنسيين الذين منحوني ثقتهم لتحقيق مشروعنا من أجل فرنسا أكثر استقلالية، ومن أجل أوروبا أقوى». قد تبدو فكرة الجمع بين دولة قومية أكثر استقلالية واتحاد أقوى من الدول الأعضاء غير متسقة. بالنسبة لماكرون ومعظم أسلافه، لطالما كانت استراتيجية تحقيق المصالح الوطنية من خلال السياسات والتشريعات الأوروبية. الشعارات الرئيسية التي تصف أجندة الرئيس ماكرون في الاتحاد الأوروبي هي «السيادة الأوروبية» و«الحكم الذاتي الاستراتيجي» و«أوروبا التي تحمي».
ونظرة فاحصة على جدول الأعمال الفرنسي لرئاسة المجلس تؤيد هذا الرأي. ويريد ماكرون من السياسة التجارية للاتحاد الأوروبي أن تستخدم البنود المتطابقة بشكل أكثر صرامة، ما يعني أنه ينبغي التمسك بالمعايير الاجتماعية أو البيئية أو حماية المستهلك الأوروبي، أو حتى الفرنسية الأفضل للسلع (وخاصة المنتجات الزراعية) أو الخدمات المستوردة إلى أسواق الاتحاد الأوروبي. الأساس المنطقي الأساسي بسيط: رفع تكاليف المنافسين إلى المستويات المرتفعة بالفعل وغير التنافسية في كثير من الأحيان التي خلقها الإفراط في التنظيم الفرنسي.
ومن المتوقع أن تستمر رؤية ماكرون لأوروبا في أن تؤتي ثمارها. والواقع أن حرب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أوكرانيا والوباء عززا إلى حد كبير الجاذبية الشاملة لـ «أوروبا التي تحمي» وتطور استقلالية استراتيجية على العديد من المستويات. وقد أظهر الحدثان أن الاعتماد الأحادي الجانب على سلاسل التوريد غير المتنوعة (سواء كان الغاز الروسي أو القمح الأوكراني أو الرقائق الدقيقة المصنوعة في تايوان أو أقنعة الوجه المصنوعة في الصين) يمكن أن يؤدي إلى اختناقات شديدة عندما تتعطل التجارة. لذلك من المنطقي السعي وراء الطاقة والغذاء والاستقلال الرقمي.
توتر في السياسة الداخلية
داخليا الرئيس الفرنسي أجرى عدة استشارات مع الغالبية البرلمانية والمعارضة لمحاولة الخروج من المأزق الذي وضعته فيه الانتخابات التشريعية التي حرمت حزبه من الغالبية المطلقة في الجمعية الوطنية، حيث فشل المعسكر الرئاسي الذي تمتع خلال ولاية ماكرون الأولى بالغالبية المطلقة في الجمعية الوطنية (289 نائبا) بالاحتفاظ بها وحصل على 245 مقعدًا من أصل 577 في الانتخابات التشريعية الأخيرة. ويتعين على الائتلاف الرئاسي الذي رُفضت خطته للتقاعد في سن 65 من قبل اليسار واليمين المتطرف على حد سواء، إما إبرام اتفاق حكومي مع الأحزاب الأخرى، وهو سيناريو تقليدي في ألمانيا ولكنه غير معتاد في فرنسا، أو التفاوض على كل تشريع في حينه على حدة. ويضع هذا التشكيل البرلمان في صلب اللعبة السياسية، وهو ما لم يحصل منذ عام 1958 ومن قبل في الجمهورية الخامسة.
وحسب صحيفة «فيلت» الألمانية، فقد أخاف أسلوب الحكم المتغطرس العديد من الناخبين. وقال خبير القانون الدستوري دومينيك روسو إن «عهد المشتري قد انتهى» في إشارة إلى لقب الرئيس. وأضاف أن «الفترة المقبلة ستتحدد من خلال المفاوضات والتسويات».
ومن المرجح أن تؤدي التحديات الجديدة في فرنسا إلى فقدان ماكرون لنفوذه على الساحة الدولية، خاصة وأن الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي تنتهي في غضون أيام قليلة، ولم تظهر مشاركته المكثفة في البداية في الحرب الأوكرانية أي نجاح. ومن الواضح أن الصورة التي كانت لديه قبل خمس سنوات كسياسي صاعد وقادم يكتسح الهياكل القديمة ويفرض رؤيته السياسية المغايرة قد تشوهت.
ماكرون والسياسة الأوروبية
خلال خطاب ألقاه في البرلمان الأوروبي، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لصالح إصلاح الاتحاد الأوروبي وتعديل معاهدات الاتحاد. ونشرت صحيفة «تاغيس شبيغل» عن ماكرون خطابه في شتراسبورغ إنه يؤيد اقتراح البرلمان الأوروبي الداعي إلى عقد مؤتمر دستوري. وقال ماكرون في الحفل الختامي لمؤتمر حول معاهدة ماستريخت بشأن اليورو وسياسة نقدية موحدة أو اتفاقية شنغن بشأن إلغاء الحدود الثابتة إحدى طرق تحقيق هذا الإصلاح هو عقد اتفاقية لمراجعة المعاهدات، وضوابط مستقبل الاتحاد الأوروبي. في نفس الوقت الذي أعلن فيه ماكرون رؤيته نشرت 13 دولة في الاتحاد الأوروبي ورقة تحدثت فيها بنبرة معارضة لرؤية ماكرون، وضد أية اتفاقية دستورية جديدة. وقال البيان «لدينا بالفعل سياسة أوروبا تعمل» ولا يوجد سبب لإجراء إصلاحات مؤسسية من أجل تحقيق النتائج. وقد حظيت الورقة بدعم دول مثل الدنمارك وبولندا ورومانيا وجمهورية التشيك.
بيد أن المستشار الألماني أولاف شولتس بدا منفتحًا على فكرة المجتمع السياسي الأوروبي، التي طرحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكنه قال إن الأولى أوروبيا هو التغيير الداخلي داخل الاتحاد، وشدد على أنه يمكن تحقيق العديد من الإصلاحات لزيادة الكفاءة في الاتحاد دون تغيير في ماهية الاتحاد والمعاهدات التي بنى نفسه عليها، ويشمل ذلك أيضًا إلغاء الإجماع في العديد من مجالات السياسة.
ويبدو أن أوروبا تقف على مفترق طرق هام لكنها في ظل عدم وجود رغبة ألمانية في قيادة المجموعة، ستكون مضطرة للانتظار لما ستؤول عليه الأحوال السياسية الداخلية في فرنسا، وإمكانية ماكرون في كسب الأحزاب الفرنسية المعارضة لصفه.
*كاتب وباحث في الشأن الألماني والأوروبي/ من أسرة القدس العربي.