هل ستنجو حركة النهضة من صواريخ سعيد؟

حجم الخط
13

قبل أكثر من عقد وعندما انتقلت من وضع الحركة التي تناكف الدولة وتقف على الضد تماما منها، إلى وضع الحزب الذي يشارك وفي مختلف المراحل التي تلت سقوط نظام بن علي ان كليا أو جزئيا في قيادة البلاد، كان ذلك بمثابة المغامرة التي تعاملت معها معظم الأوساط التونسية بحذر شديد وربما حتى بكثير من الريبة والشك. ولعل ذلك ما جعل حركة النهضة تسعى دائما وعلى امتداد الفترات التي مارست فيها الحكم إلى تقديم ما يشبه التطمينات وإبداء قدر كبير من حسن النوايا وصل حد تعهدها الضمني وربما حتى العلني لخصومها بأنها لن تقدم أبدا على السيطرة أو الانفراد بالسلطة حتى ولو سمحت لها صناديق الاقتراع بالحصول على أغلبيات مريحة، وهو الأمر الذي كان يبدو غير ممكن في ظل قانون الانتخابات التونسي الحالي. والمفارقة هي ان حرصها الشديد على التقيد بتلك التطمينات أو التعهدات وعدم مسكها بدواليب الدولة رغم كل ما ظل يروج داخل جزء كبير من الإعلام المحلي عن حدوث العكس، هو ما جعلها تقف اليوم في شبه عزلة في مواجهة واحد من أكبر التحديات التي مرت بها منذ تأسيسها، ولا يتعلق الأمر فقط بوجودها مستقبلا في السلطة بل حتى ببقاءها كمكون من مكونات المشهد السياسي الحالي والمقبل في البلاد. والسؤال الذي بات مطروحا بالحاح في خضم ما جرى في تونس هو كيف سيتصرف أكبر حزب تونسي مع الواقع الذي أفرزته التطورات الدراماتيكية التي حصلت ليل الأحد الماضي؟ وهل انه سيتمكن من الصمود بوجه ما وصفها الرئيس قيس سعيد في وقت سابق بالصواريخ الجاهزة للإطلاق والتي كشف عن عينة أو دفعة منها قبل أسبوع؟ أم ان مصير ذلك الحزب سيكون وكما يتمنى أو ربما حتى يرتب البعض لذلك هو التفكك والانحلال وتفرق قياداته ورموزه وأنصاره مجددا بين السجون والمنافي؟

معضلة ليست بسيطة

لاشك ان حركة النهضة واجهت وعلى مدى أكثر من أربعة عقود من عمرها مآزق ومخاطر وتهديدات كبرى سواء عندما كانت في صف المعارضة أو بعدما صارت في الجانب المقابل، أي في سدة الحكم. لكن كثيرا من العوامل الذاتية والموضوعية كانت تجتمع كل مرة لتجعلها تتخطى كل الصعوبات التي واجهتها ولو بعد دفع أثمان باهضة مثلما حصل في عهدي بورقيبة وبن علي أو في أعقاب تقديم تنازلات ظرفية أو تكتيكية مثلما حصل بعدها. غير ان الاختلاف يبدو واضحا هذه المرة من حيث ان مصدر التهديد يأتي لا من خارج سلطة معادية لها بشكل مبدئي أو من معارضة حزبية أو سياسية لحكمها، بل من داخل جزء من نظام كانت إلى حدود أيام قليلة فقط جزءا منه. وتلك في حد ذاتها معضلة ليست بالبسيطة. أما كيف كبرت كرة الثلج وتطورت الأمور بسرعة حتى وصلت إلى ذلك الحد؟ فإن ذلك يبقى أشبه باللغز. فكل ما يعرف حتى الآن هو انه وفي ختام يوم مشحون وقعت فيه إلى جانب بعض المظاهرات والاحتجاجات المحدودة وفي ظروف مريبة أعمال حرق مشبوهة لبعض مقار الحركة، جاءت قرارات الرئيس التونسي في ساعة متأخرة من الليل لتمثل وبالنسبة لجانب كبير من الراي العام المحلي لا زلزالا سياسيا أو انقلابا واضحا على الشرعية والمؤسسات، بل متنفسا حقيقيا من حالة الانسداد السياسي التي عاشتها البلاد بعد ان اختصر كثيرون وبفعل مراكمة عدة عوامل كل المشاكل والأزمات التي ظلت تتخبط فيها تونس في وجود النهضويين في السلطة، رغم ان هؤلاء لم يكونوا ممثلين في حكومة هشام المشيشي ولم يكونوا أيضا هم الطرف الوحيد الداعم والمساند لها في البرلمان.

الاستفتاء الشعبي

لقد اعتبرت مظاهر الفرح الشعبي التي غمرت معظم المدن التونسية دقائق قليلة بعد الإعلان عن القرارات الرئاسية بمثابة الاستفتاء الشعبي لا على مواقف الرئيس وتوجهاته للمرحلة المقبلة فحسب مع انه لم يكشف حتى الساعة عنها بعد، بل وبالأساس على شعبية حركة النهضة ومدى ثقة التونسيين بها في الحاضر والمستقبل. ولم يجد عدد من رجال القانون ومن الإعلاميين أيضا حرجا في ان يقولوا ان ذلك وحده كان يكفي لتجاوز مأزق الشرعية الدستورية وان مشروعية الشارع قد جبت ما قبلها وأسقطت فعليا كل شيء ولو كان الدستور نفسه. ولم تختلف مواقف معظم الأحزاب والمنظمات الاجتماعية الفاعلة كالاتحاد العام التونسي للشغل أحد أكبر التنظيمات النقابية في البلاد كثيرا عن ذلك بل تماهت وإلى حد كبير مع حالة الارتياح وحتى المباركة والتأييد التي أظهرها قسم واسع من ذلك الشارع لتلك الإجراءات، بل ان بعضها مثل حزب التيار الديمقراطي لم يتردد في ان يصدر الخميس الماضي بيانا ثانيا يؤكد من خلاله «تفهمه للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية» في تناقض واضح مع ما كان قاله الإثنين الماضي في بيان أعرب فيه عن رفضه كل ما ترتب عن تأويل الرئيس للفصل 80 من الدستور من قرارات كانت خارج الدستور على حد وصفه. وهذا ما جعل حركة النهضة تبدو عاجزة عمليا عن تجميع كتلة قوية من الأحزاب والهيئات والنخب والمنظمات الاجتماعية والإعلامية للوقوف معها صفا واحدا في مواجهة ما اعتبرته انقلابا فاضحا على الدستور بعد ان خاب أملها في ان تتحول مواجهتها ورفضها لقرارات الرئيس إلى معركة شعبية أو حتى نخبوية واسعة النطاق لاستعادة الديمقراطية أما عبر الشارع مثلما حصل في الحالة التركية أو من خلال تكتل لكل القوى المؤمنة والمدافعة عن المشروع الديمقراطي. لكن المشكل هو ان جزءا كبيرا من تلك الوجوه ومن التنظيمات التي كانت تنسب إلى تلك القوى الديمقراطية لم ترغب في الوقوف مع الإسلاميين في خندق واحد ولو كان ذلك لغاية محددة وهي الدفاع المشترك عن قضايا الحريات وعن مصير تجربة الانتقال الديمقراطي الذي بات على المحك. بل ان عددا كبيرا من المنتسبين لها رأوا ان الفرصة قد سنحت لتصفية حسابات قديمة مع من ظلوا يطلقون عليهم «إخوان تونس» وانه لم يعد هناك مناص من الانتقام منهم والإجهاز عليهم بغض النظر عن الوسيلة أو عن التداعيات المحتملة لتلك العملية على بقاء المسار الديمقراطي أو زواله.
غير ان أهم سؤال بات يطرح نفسه بعدها هو هل ان الوقت ما زال يخدم النهضة أم انه فات الأوان لإعادة ترتيب الأوراق وللعودة مجددا إلى الساحة؟ ان ما يلفت الانتباه هنا هو انه لم يتم خلال الأيام الثلاثة الأولى التي تلت الخامس والعشرين من تموز/يوليو تاريخ القرارات والإجراءات التي أعلنها الرئيس سعيد، أخذ أي إجراء أو قرار ومن أي نوع كان ضد الحركة عدا ما نقلته وسائل الإعلام المحلية حول إعلان مصادر قضائية عن فتح تحقيقات في الرابع عشر من الشهر الجاري حول تمويل الحملات الانتخابية الأخيرة لثلاثة أحزاب من بينها حركة النهضة. وربما رد الرئيس سعيد وبشكل غير مباشر على ذلك حين قال في مقابلة الأربعاء الماضي مع رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة انه «لا يخاف أحدا لكنه لا يريد ان يظلم أحدا» في إشارة ربما إلى انه لن يلجأ لأسلوب التصفية الجماعية ووضع كل خصومه بمن فيهم النهضويون في سلة واحدة والحكم عليهم بالجملة.

العودة للمؤسسات الدستورية

يبقى هل ان ذلك يمكن ان يفهم على انه مؤشر ولو محدود على ان هناك أملا أو رغبة في التوصل إلى صيغة تسمح في وقت ما بالتوصل لحل يكفل العودة السريعة للمؤسسات الدستورية مثلما بدأت تطالب بذلك عدة أصوات في الداخل والخارج؟ بالنسبة لزعيم الحركة ورئيس مجلس النواب فإنه يرى وبعد مضي يومين من إجراءات 25 تموز/يوليو ان الوقت لم يفت بعد كي يتدارك سعيد ويوقف ما وصفه بـ»مسار التدهور نحو الدكتاتورية الدستورية» قبل ان يضيف في اليوم التالي وفي حديث إلى وكالة الأنباء الفرنسية ان حزبه «مستعد لتقديم أي تنازلات من أجل إعادة الديمقراطية» معتبرا انه «من الضروري ان يكون هناك حوار وطني حول كيف تكون لتونس حكومة». غير انه لا يبدو ان تلك الدعوة التي لم تكن الأولى للحوار والتعبير الواضح عن رفض التصعيد وصب الزيت على النار كما قال أحد القياديين النهضويين، لاقت آذانا صاغية حتى الآن في قصر قرطاج. بل ان عددا من المتابعين يرى ان ذلك لن يكون وعلى المدى القصير على الأقل ممكنا. كما ان عودة تونس للوضع الذي كانت عليه قبل تاريخ الخامس والعشرين من تموز/يوليو تبدو بدورها صعبة. لكن هناك تيارا داخل حركة النهضة يعتبر انه بات على الحركة ان تبادر الآن وقبل فوات الأوان بأخذ خطوة في اتجاه حلحلة الأزمة وذلك بالإقدام على ما قد يعتبره مراجعات ضرورية لسياساتها ولكن أيضا لأجهزتها وتركيبتها القيادية بشكل قد يسمح لها لاحقا بالبقاء في المشهد السياسي. غير ان وجوها معروفة في قيادة النهضة مثل نور الدين البحيري تعتبر ان مثل تلك المراجعات لا يمكن ان تتم في ظل ما تصفه بالانقلاب. وفي كلا الحالتين فإنه سيتعين على حركة النهضة ان تعيد ترتيب بيتها الداخلي بشكل سريع وان تحسن التفاعل مع أي بادرة أو إشارة قد تصدر عن الطرف الآخر. ومن الواضح انها تعول في استراتيجيتها للتعامل مع الوضع الحالي على عنصر الوقت. لكن هل ستترك لها دفعة أخرى من صواريخ سعيد ان اطلقت بين لحظة وأخرى أي فرصة لرد الفعل؟ ما يأمله التونسيون هو ليس فقط ان يعود المسار الديمقراطي إلى سكته الأصلية، بل ان يرجع الكثير من الرشد والعقل والحكمة إلى الطبقة السياسية برمتها وان لا تقسم البلاد تحت أي ظرف كان بين استئصاليين رافضين لوجود حركة النهضة وبين مؤيدين ومناصرين لها، لان نجاة تونس من تبعات ذلك المصير ستكون وبلاشك أهم بكثير من بقاء أو عدم بقاء الإسلاميين غدا في السلطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية