هل سقط مشروع الثورة في تونس؟

حجم الخط
0

ما الذي يحدث في تونس؟ هل كف ‘الربيع’ عن احلام الناس بما من أجله ثاروا على حاكمهم؟ هل يدفع الوطن اليوم فاتورة عجز قياداته السياسية والأهلية والفكرية عن إنجاز الدور التاريخي الموكول لهم؟ هذه أسئلة ثلاثة تلخص بكثير من الحزن والقلق المشهد السياسي والأمني والأخلاقي، وتدفع إلى التفكير في الأسباب التي هيأت لتفجر الأوضاع على نحو درامي وإلى استكشاف المسالك الآمنة، رغم العتمة التي أدخلت البلاد في حالة من الإرباك الشديد.
ينبغي الاعتراف بدءا بأن فرار بن علي لم يكن كافيا ليدشن التونسيون مقطعا تاريخيا جديدا في حياتهم، فنحن لم نشاهد بعد حادثة الفرار انهيارا كاملا للنظام السياسي. لم يكن ذلك عن عجز، فالثوار من الشباب كانوا مستعدين لفِعل أي شيء من أجل ألا يبقى أثر للسلطة المتهاوية. والشعارات التي كانت تطبع التحركات لا تترك مجالا للشك في أن انقلابا عظيما على حكم بن علي آتٍ لا محالةَ. لكن، ما لم يكن في حسبان دماء الشهداء وفي أحلام المحرومين المنتفضين هــــو، أن الطيف الحزبي الذي ركب موجة الثورة وقنص ثَمرتها لم يكن، على اختلاف مكوناته، متحمسا للإجهاز على ذاك النظام.
فقد رأينا منهم ميلا إلى الحفاظ على كثير من عناصره وإقحامها من جديد في المشهد المستجد. كان ذلك جليا ببقاء الوزير الأول محمد الغنوشي على رأس مهامه وارتقاء رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع إلى سدة العرش رئيسا للبلاد وتأليف حكومة أولى، الغالبُ عليها وزراء بن علي. وكان ذلك أيضا باستدعاء الباجي قائد السبسي صنيعة بورقيبة وخادم بن علي شخصية وفاقية لإدارة شؤون البلاد قبل انتخابات المجلس التأسيسي وتشكيل حكومة الجبالي.
وليس مستبعدا أن تكون ‘التغطية’ الوفاقية على حكومتي الغنوشي والسبسي قد ساعدت على دفن تراث عهد الاستبداد، وذلك بإتلاف عناصر الإدانة وتهريب عصابات النهب والإفساد، فقد تداول الناس كثيرا أخبارا عن عمليات حرق ‘الأراشيف’ في مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية، وانتفت من وجهة نظر قضائية البراهينُ التي تُدين المجرمين وتفتك منهم حقوق الوطن والمواطنين.
ولم تكن حكومة ‘الترويكا’ الشرعية التي زكاها أول مجلس تأسيسي منتخب بعد الثورة قادرة ذاتيا وموضوعيا على النهوض بالأعباء التي وجدت نفسها تنوء بحملها: انعدام الخبرة، والدخول إلى إدارات ظلت مسكونة بالحَرَس القديم، وغياب توجهات وبرامج واضحة في كل اتجاه. ولم تكن المعارضة في مستوى الدور التاريخي الفريد، اختارت سياسة الإرباك والتعطيل، وشجعت بتحالف تقليدي مع اتحاد الشغل على خوض سلاسل لا تنتهي من الإضرابات والاعتصامات. وبرزت عمليات تركيع قهري للحكومة. فمنها على سبيل المثال الدفع في اتجاه فرض زيادات غير مسبوقة في الأجور من جهة، وتأليب العاطلين عن العمل، وهم أصحاب الحق الأول في الانتفاع بالثورة على الحكومة، التي بدل أن تصرف المال للتشغيل سكبته في حسابات الموظفين من جهة ثانية.
وقد سببت الإجراءات الارتجالية والقرارات التي ترمي إلى إرضاء المعارضة والاتحاد في تدهور اقتصادي عظيم. وكان مَد اليد الوطنية إلى ‘أهل الإحسان’ لتجميع ‘الصدقات’ وإلى البنوك الدولية سياسةً تقصم الظهر، أموال ضخمة للإنفاق اليومي بدل الزج بها في سياسات الاستثمار، مقابل غض الطرف في ما يشبه الجريمة عن جماعات تُعطل أهم رافعة للاقتصاد الوطني وهو الفوسفات.
ووقع افتعال مشاكل أثرت كثيرا في ثقة الناس في الطبقة السياسية والنخبة الفكرية المحيطة بها، فما كانت مسألة الهوية والدين وعلاقة المجتمع بثقافته العربية الإسلامية موضع نقاش، وما كان للسلفية بأصنافها ذكر. فالناس في تونس مسلمون خارج دوائر التصنيف المذهبي، ولم يُعرَف للتطرف الديني في تونس محاضنُ أو مَفارخ. وقليلة جدا هي الحالات العنفية العابرة التي سُجلَت في تاريخ تونس المعاصر، رغم نزوع الحكم إلى الاستبداد نزوعا استراتيجيا في عهدي بورقيبة وبن علي، ورغم الاعتداء الصريح والضمني على قيم الشعب ومعتقداته في أكثر من مناسبة. وليس من المبالغة في شيء القولُ إن التطرف الوحيد الذي عرفته تونس هو تطرف النظام السياسي المسنود إلى قبضة بوليسية شديدة البأس، والمُزكى من جماعات علمانية يسارية لم تَشهد لنفسها، كما لم يشهد لها المراقبون بأنها كانت في ثقافتها وسلوكها وفي أفق تفكيرها جزءا أصيلا من النسيج الثقافي العام. ولكن سيناريوهات يبدو أن الداخل والخارج قد بَرَعا في حياكتها حتى أضحت السلفية خبز الإعلام اليومي ومدار الرعب الكبير الذي يتربص بالبلاد والعباد. وضاع من عمر الثورة الفتية وقتٌ هو أعز من الذهب. ذَهَبَ سدى في معارك وهمية، ولكنها معارك تمت برمجتها بعناية وتصميم بارعين، وذلك لأكثر من سبب مباشر وغير مباشر.
ولا ندري على وجه التدقيق أي علاقة من وراء الستار كانت تتلاقى بها أياد نهضوية حزبية أو نهضوية حاكمة مع أياد تجمعية، غير أن الآثار دالةٌ عليها. فخروج تشكيلات بأسماء وهمية لحزب بن علي الذي حله القضاء إلى العلن وتمتعها بالتأشيرات القانونية للنشاط السياسي أمرٌ مُريب. واللقاءات التي تُعقَد بين جهات في حركة النهضة ورؤوس بارزة في التجمع المنحل أمر مريب. وتسريح إطارات الحزب المنحل ووزاء بن علي من الإيقاف من دون الظفر بتهمة تُدينهم أمر مريب. لا ينتابني الشك في أن ‘بيعا وشراء’ تم تحت الطاولة بين الطرفين. ولكنني لا أعلم على وجه اليقين ما مصلحة الوطن من تدشين سوق المضاربة السياسية على هذا النحو، وإن كنتُ أعلم يقينا أن الرابح الوحيد هو حزب بن علي ‘التجمع’. فقد أصبح مجلب الأنظار ومحط ترحال وسائل الإعلام، بل قد أصبح زعيمه الباجي قائد السبسي ‘هدية ربانية’ جاد بها الله على التونسيين، كما زعم ذات مرة احد السياسيين.
فهل أكلت الثورة نفسَها؟ أم هل ندم الثائرون على ما فرطوا من نِعَم بن علي؟ أم إن أمرا أكبر من الثورة والثوار يتربص بنا جميعا؟
لا يُغفِلُ تشابكَ العلاقات الإقليمية والدولية وتأثيرها في الواقع الوطني إلا قصير النظر. ولست، في هذا السياق، ممن يتهيب تبني نظرية المؤامرة. فالدول إنما تُقِيم علاقاتها على المصالح، والمصالح إن لم تُجبَ طوعا حُصلَتْ كرها. وإن استعصى المدخلان إليها، كانت المؤامرة حلا. وأعتقد أن مشاريع الربيع العربي أدخلت هلعا في جهات كثيرة، ولا عجَبَ أنْ تنشط الأجهزة المعادية لهذا الأفق التحرري حتى تحد من خطره: تنشط بالإغراءات وبالاستخبارات وبتفخيخ الأجواء الداخلية – الداخلية والداخلية- الخارجية. والاغتيال السياسي وتحريك البؤر الإرهابية تجسيدان للمؤامرة جُربا وأثبتا قدرتَهما الكبيرة على التعطيل والتشكيك، وحَرف الوجهة عن مقاصدها في أكثر من دولة.
لا شك في أن حادثة اغتيال محمد ابراهمي عضو المجلس الوطني التأسيسي والناشط السياسي العروبي ليست مأساة عابرة، فقد اغتيل قبل ستة أشهر شكري بلعيد. وقد لا يتوقف الإجرام السياسي بارتقاء روح هذين المناضلين. ولا شك أيضا في أن يد الإرهاب امتدت في أكثر من مناسبة لأفراد من قوات الجيش الوطني التونسي في المنطقة الجبلية الفاصلة بين تونس والجزائر والمعروفة بالشعانبي. وربما تحركت آلة القتل بسرعة أكبر وبضحايا أكثر عددا في المستقبل. وكل هذا مُنذِرٌ بالخراب إن لم يتدارك المخلصون أمر الوطن. وأخشى أن أقول إن المخلصين المتجردين من أهواء السياسة ومعركة المناصب والكراسي وحروب التدمير الذاتي والجماعي قليل عددهم. فالمشهد اليوم يتناطح فيه المتحزبون وينشرون شظايا جنونهم بين عامة الناس فارضين عليهم أن يكونوا تبعا لهم أو إلى الجحيم فليذهَبوا.
ليس ثمةَ خطر على الثورة من خيانتها من أطراف كانوا جزءا من مُشعِلي شرارتها. يخونونها لمجرد أنهم لم ينالوا فيها مقعدا يرونه أثيرا ويجدون أنفسهم، ولا يتحرجون، في حلف مع أعدائها من الداخل ومن الخارج. خيانة الثورة جريمة أخلاقية لا تعدلها جريمة.
فهل نقول: سقط مشروع الثورة وتضخم مشروع التحزب؟ وهل نقول عاد حزب بن علي بأصابع أخطبوطية كثيرة، متماهيا مع يسار مُفرَغ من كل قيمة يسارية ليقطف من الفشل الذي كدسه مَن ائتمنهم الناس على ثورتهم نصرا له مبينا؟ هل سقط حقا الحلم بديمقراطية عربية؟ من سيُحاسِبُ المسؤولين عنها وقد يدخل اليأس في قلوب من ثاروا فلا يثورون أبدا؟

‘ كاتب وأكاديمي تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية