هل سيدخل رئيس إسلامي قصر قرطاج؟

نزار بولحية
حجم الخط
1

من بين أكثر من خمسين ملف ترشح قدمت إلى حدود الجمعة الماضي تاريخ غلق باب الترشحات للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها في تونس، هناك على الأقل ملفان إثنان لوجهين إسلاميين بارزين أعلنا عزمهما على خوض السباق الانتخابي الرئاسي المقرر منتصف الشهر المقبل. الأول هو لحمادي الجبالي رئيس الحكومة الأسبق وقد تقدم كمرشح مستقل، أما الثاني فهو للشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس البرلمان وقد ترشح عن حركة النهضة. وسواء كان خيار ترشحهما في الأصل صائبا وموفقا في نظر البعض أم خاطئا وفاشلا على طول الخط في نظر الآخر فسيكون من المبكر جدا ان نحكم لهما أو عليهما قبل ان تظهر النتائج النهائية للاقتراع. لكن السؤال الذي سيبقى عالقا في الأثناء وبغض النظر عن حظوظ الرجلين وقدرتهما على اقناع الناخبين بجدارتهما بالمنصب هو ان كانت الدولة التي خرج رئيسها الراحل العام الماضي ليؤكد في خطاب رسمي على أن لا علاقة لها “بحكاية الدين أو القرآن أو الآيات” ووصف القول إن مرجعيتها دينية بـ”الخطأ الفاحش” ستقبل في نهاية السباق الديمقراطي نحو قصر قرطاج بأن تفتح أبوابها لشخص محافظ ينتمي للعائلة الإسلامية وتسلمه مقاليدها ان حالفه الفوز بالطبع في الاستحقاق الانتخابي. ولا يتعلق الأمر هنا باستعدادها وقابليتها الدستورية والقانونية الصرفة إذ لا شيء على ذلك الصعيد يجعلها حكرا على طرف دون الآخر، بقدر ما يخص جوانب أخرى غير مكشوفة في الغالب وتمثل شبه عازل معنوي ونفسي يحول دون انفتاحها الكامل على كل الحساسيات وخصوصا الإسلامية منها وهي التي يمكن ان نسميها بإرث وممارسات الرئيسين السابقين بورقيبة وبن علي والتي تحولت إلى ما يشبه الضوابط المفروضة تحت ستار ما كانا يعتبرانه تحديثا وقطعا مع الرجعية والتعصب.

ولعل ما قد يقوله قادة حركة النهضة التونسية الآن أن هم سألوا عن ذلك هو أن تلك الفترة ولت وانقضت وصارت وراءهم وان من سيحكم بالأخير هو الشعب، وان الصناديق وحدها هي التي ستظهر ما يريده التونسيون وما لا يريدونه وسيكون الفيصل بين الجميع هو الدستور. أما أن مضى أحد أبعد من ذلك وسألهم بعدها عن الفرق بين تجربتهم وتجربة جيرانهم في أرض الكنانة، فلعلهم سيقولون أيضا إن تونس ليست بأي حال من الأحوال مصر وأنهم كانوا وما زالوا مقتنعين ربما على عكس الإخوان المصريين بأن الأولى في المراحل الانتقالية هو التدرج وطمأنة الخصوم والتفكير في الشراكة والتوافق الوطني الواسع. ولعلهم قد يقولون كذلك ان صلاحيات الرئيس التونسي ليست هي نفسها صلاحيات الرئيس في مصر وان لا مجال للمقارنة أبدا بين ما يمنحه المنصب هناك من سلطات واسعة وعريضة وما يعطيه هنا من مجالات مقيدة ومضبوطة، وان مجلس النواب هو قطب رحى النظام السياسي التونسي شبه البرلماني على النقيض من النظام السياسي المصري الذي يدور في فلك فرد واحد. ولكن المعنى الرمزي لترشح قيادي في حزب إسلامي إلى الرئاسة للمرة الأولى في تاريخ تونس يجعل الأمر أكبر من ذلك ويتجاوز حالة البحث عن شروحات أو تفسيرات دستورية ويعيد بالمقابل للكثيرين داخل تونس وخارجها من حيث شعروا أم لا تلك المآلات الأليمة لتجربة الإخوان في مصر وما أعقبها من وقف دموي للمسار الديمقراطي بأكمله وإعادة عجلة الاستبداد للدوران تحت ذريعة الحفاظ على الدولة. ومن الطبيعي أن يستغرق نضوج فكرة كتلك واختمارها وقتا طويلا نسبيا.

ولكن ما الذي جعل أغلبية أعضاء مجلس شورى النهضة يدفعون بقوة نحو خيار كانوا يدركون جميعا ما يحف به من صعوبات ومعوقات وربما حتى أخطار داخلية وخارجية؟ وهل أنهم صاروا واثقين تماما من أن قصر قرطاج لم يعد موصدا في وجوههم وأنه بات بالفعل مفتوحا أمام كل التونسيين على اختلافهم وتنوعهم وتقلب أطيافهم من علمانيين إلى إسلاميين؟ لقد قدم قيادي بارز في حركة النهضة هو عبد الحميد الجلاصي المرشح النهضاوي للرئاسة على انه “نهضة منفردة” و”نمط لوحده” ووصفه في مقابلة تلفزيونية مع قناة “الحوار” الفضائية بانه “أكثر شخصية من النهضة تشبه التونسيين” وأضاف عنه أي عن الشيخ عبد الفتاح مورو بانه “يمثل نوعا من النهضة المنفتحة التي لا تمثل مجمل النهضة في المخيال التونسي”. ولا شك أن جزءا كبيرا من تلك التمثلات والقراءات قد خطرت على بال أعضاء مجلس الشورى الذين انهوا اجتماعاتهم مساء الثلاثاء الماضي ووضعوا حدا لحالة من الترقب والانتظار لمعرفة العصفور النادر الذي قصده الشيخ الغنوشي عند حديثه عن المرشح الذي سيحظى بدعم النهضويين في السباق الرئاسي. لقد قلبوا الأمر على أكثر من وجه ليخرجوا في الأخير بقرار مفاجئ لم يكن منتظرا بالمرة وهو ترشيحهم لقيادي إسلامي من داخلهم وكان واحدا من المؤسسين لحركتهم حتى يخوض سباق الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها تحت لافتة الحزب بدلا من يدعموا مرشحا من خارجه كما كان متوقعا. وكان القرار وبكل المقاييس بمثابة الصدمة.

فقد خالف الإسلاميون التونسيون في هذه المرة النهج الذي سلكوه في آخر استحقاق انتخابي رئاسي وهو عدم التقدم بمرشح والبقاء على الحياد ولم يعلنوا دعمهم لمرشح من خارج حركتهم كما تردد بقوة منذ فترة بل قدموا صراحة مرشحا منهم لخوض السباق نحو قصر قرطاج. ولكن شخصية المرشح النهضوي كانت جديرة بالتأمل. فالشيخ مورو ورغم سجله الطويل داخل الحركة الإسلامية الا انه لم يكن يحظى دائما بإجماع واسع داخلها وكان البعض يراه من خلال الكثير من تصرفاته وتصريحاته ومواقفه التي كانت تختلف مرات كثيرة عن الخط العام لحركة الاتجاه الإسلامي ثم حركة النهضة وجها مهادنا بعض الشيء للنظام القديم ومختلفا عن باقي القيادات الإسلامية التي تقلبت تجاربها زمن الاستبداد من المعتقلات والسجون إلى المهاجر والمنافي، بل أن هناك من كان يعتبر تحرره الزائد وظهوره مثلا في بعض البرامج التلفزيونية المحلية وهو يغني أو ينتقد الإسلاميين ويتحدث عن شعوره بالعزلة وحتى الحصار داخل حركتهم، تنكرا لنضالاتهم وخروجا عن مسارهم أو على العكس علامة على تميزه وقدرته على بعث رسائل طمأنة مما يروجه البعض بين الحين والآخر من مخاوف لأخونة تونس. وفي كلمة فان الرجل قد يكون أقرب النهضويين للنظام القديم وأقربهم أيضا لبعض القوى الإقليمية التي لا تنظر بارتياح كبير للتجربة التونسية بحكم علاقاته القديمة على الأقل بالعائلة الحاكمة في السعودية.

ورغم أن رئيس مجلس شورى النهضة كان قد أكد الأربعاء الماضي ان “لا فيتو على النهضة من القوى الديمقراطية في العالم وانه ان كان هناك فيتو عليها من القوى غير الديمقراطية فهذا لا يعنينا” إلا انه ليس من الوارد ان لا تكون الحركة قد أخذت وهي تقرر ترشيح مورو المحيط الإقليمي والدولي المعادي لها وللثورات بشكل عام بعين الاعتبار. ولعل النقطة التي ستحاول اللعب عليها واستغلالها خلال الانتخابات هي في احتدام التنافس المتوقع بين مرشح يحظى بدعم أمريكي وهو وزير الدفاع المستقيل ومرشح آخر يحظى بدعم فرنسي وهو رئيس الحكومة الحالي. وقد يمنح تشتت أصوات المعسكر العلماني أو الحداثي وتوزعها بين الرجلين المرشح النهضوي مجالا أكبر للمنافسة والمناورة ربما في حال ما إذا تمكن من الوصول إلى الدور الثاني من الانتخابات. ولعل الوصول لذلك الدور هو هدف في حد ذاته من وراء الترشح للانتخابات. فحركة النهضة لا تنظر للحكم إلا كسلة متكاملة تجتمع فيها العناصر الثلاثة أي البرلمان ورئاسة الدولة والحكومة ولا ترى نفسها جديرة بعنصر من تلك السلة أكبر أو أهم من البرلمان على اعتباره الآن قطب رحى النظام السياسي. ولذا فإنها ستدفع بمرشحها حتى يحاول الفوز في الدور الأول والمرور للثاني ليسهل عليها التفاوض ربما لاحقا على ائتلاف سياسي مقبل فيما ستظل عيونها بعيدة عن قصر قرطاج ومصوبة بشكل مباشر نحو القصر الآخر أي قصر باردو مقر البرلمان.

أما لماذا كان كل الحديث منحصرا عن مرشح إسلامي واحد فربما لأن المرشح الثاني وهو المستقل حمادي الجبالي لن يكون بمقدوره أن يحلم طويلا بقصر قرطاج من دون ان يحصل على الأقل على دعم كامل من حركة النهضة التي أعلنت رسميا عن دعم مرشحها مورو. ولأجل ذلك فستكون مهمته صعبة جدا وربما سيكون له مثل آخرين شرف المحاولة فقط. ومن يدري فقد تحمل لنا النتائج حين الإعلان عنها ما يخالف كل التوقعات والتكهنات المسبقة وتكسر نهائيا وللأبد عقدة الإسلاميين التونسيين والرئاسة!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية