“القدس العربي”:
يتواصل العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وهو الأسوأ من حيث صعوبة الوصول إلى تهدئة بين الجانبين، بسبب فشل مختلف جهود الوساطة التي تقودها مصر ودول عدة، وتمسك حركة الجهاد الإسلامي بمطالبها، للوصول إلى إمكان التوصل إلى هدوء. وتحاول إسرائيل العمل من خلال تكثيف ضرباتها ضد المدنيين لإنهاء الجولة بأسرع وقت، والبدء بترتيبات تسيير مسيرة الأعلام المزمع انطلاقها مساء الخميس المقبل.
تتزامن مسيرة الأعلام الإسرائيلية أو ما يسمى يوم القدس مع الذكرى السنوية لاحتلال إسرائيل القدس الشرقية عام 1967، إذ تشق المسيرة في كل عام أزقة البلدة القديمة وصولاً إلى باحة حائط البراق، الذي حوله الاحتلال إلى باحة للصلوات التوراتية الدينية.
وتشهد المسيرة عادة مشاركة الآلاف من الشباب اليهود، إذ يتدفق العديد منهم من الأزقة التي تمر عبر الأحياء التاريخية الدينية، وهم يلوّحون بالأعلام الإسرائيلية ويرقصون ويغنون الأغاني الوطنية، على مرأى من الفلسطينيين، الذين يرون هذا الحدث استفزازاً لهم.
وكانت المقاومة في غزة قد حذرت إسرائيل قبل اندلاع المواجهة العسكرية، من مغبة الإقدام على تسيير المسيرة كما هو مخطط لها، إذ تنوي إسرائيل أن تمررها في الأحياء الإسلامية في البلدة القديمة وأبواب المسجد الأقصى. لكن رغم تهديدات الفصائل وحتى من قبل انطلاق المسيرة بأيام، تصر إسرائيل على سير المسيرة بالمخطط نفسه، وسط تلويح من المقاومة بالتصعيد.
اعتقدت إسرائيل أن الضربة الاستباقية التي وجهتها ضد حركة الجهاد الإسلامي فجر الثلاثاء 9 أيار/ مايو باغتيالها ثلاثة من أبرز قادة الجناح المسلح للحركة، ستنهي المعركة في غضون يوم أو يومين على أبعد تقدير، بعد إطلاق الصواريخ من غزة وتدخل الوسطاء ثم يعود الهدوء كما كان من قبل، خاصة مع تجنب مشاركة حماس في المواجهة الحالية، لكن التكتيك المفاجئ الذي صدم الجيش الإسرائيلي من قبل الجهاد الإسلامي، غيّر جميع المعادلات بالنسبة إلى إسرائيل، وأدخل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مأزق بعد حرب الاستنزاف التي تقودها الجهاد الإسلامي ضد إسرائيل.
صحيفة هآرتس العبرية قالت، يجب الانتباه لتاريخ آخر وهو 19 أيار من الأسبوع الجاري الذي يحل فيه يوم القدس، هذا موعد حساس بشكل خاص على خلفية مسيرة الأعلام التي تقوم بها الصهيونية الدينية في البلدة القديمة والمحاولات الفلسطينية للتشويش عليها، وربما سيكون في غزة من يريدون مد الجولة القتالية حتى يوم القدس، واستغلال التوتر الديني حول المدينة لإذكاء اللهب.
يرى مراقبون سياسيون أن سياسة تأخر الرد الفلسطيني ليوم ونصف، كان أمراً استثنائياً جداً وأثار قدراً لا بأس به من علامات الاستفهام في إسرائيل. ففي البداية حاول الجيش الإسرائيلي، وكذلك المستوى السياسي، الادّعاء أن الأمر ينبع من الصدمة التي ألحقتها العملية بقيادة الجهاد والتي تكبدت خسارة فادحة، لكن التكتيك المفاجئ والصبر من قبل الجهاد الإسلامي أربك حسابات العدو، وأدخل نتنياهو وحكومته في ورطة كبيرة يصعب الخروج منها، في ظل كسر الجهاد الإسلامي جميع التوقعات الإسرائيلية، والصمود لأيام أمام الضربات الإسرائيلية وضرب العمق الإسرائيلي بوابل من الصواريخ.
بدوره يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي حسن لافي إن نتنياهو كان يعتقد أن بموافقته على العملية العسكرية على غزة، سيدخل في جولة تصعيد قصيرة وسريعة ومحدودة ضد الجهاد الإسلامي كما في جولات سابقة، فيسجل من خلالها نصرا كبيرا يرفع رصيده داخل إسرائيل على بعد من أيام قليلة من مسيرة الأعلام، لكن نتائج الميدان قلبت المعادلة وما يجري هو استنزاف للجبهة الداخلية.
وأوضح لافي لـ “القدس العربي” أنه في حال استمر التصعيد العسكري ليوم الخميس فسيكون نتنياهو أمام معضلة معقدة، تتمثل أولاً في حال ألغيت المسيرة فستكون ضربة قوية للحكومة، التي تعتبر مسيرة الأعلام نقطة مركزية وصورة للانتصار بعد اغتيال عدد من القادة العسكريين البارزين في غزة، ثانياً هناك احتمال بأن تسيير إسرائيل المسيرة رغم التهديدات، سيدفع ذلك المقاومة إلى توجيه ضربة صاروخية نحو القدس وتفعيل صافرات الإنذار هناك، وهذا الاحتمال سيصعّد من موجة القصف الإسرائيلي على غزة انتقاماً من المقاومة.
وأضاف أن نتنياهو بعدما أيقن أنه تورط في هذه الجولة، فإنه سيضغط بقوة لإنهاء جولة التصعيد قبل الخميس المقبل، من خلال تكثيف الضربات على المنازل والمدنيين في قطاع غزة، فهو لا يريد دفع ثمن في هذه الجولة بالانصياع لشروط الجهاد الإسلامي، فأي ثمن هو عبارة عن تراجع حقيقي لهذه الحكومة، والأمر بذلك يعتبر فشلاً ذريعاً لما أقدمت عليه من ضرب لغزة.
وشدد على أن المقاومة قادرة على الصمود خلال جولة التصعيد والبقاء على موقفها بأن المسيرة لن تمر، وأن إفشال مسيرة الأعلام بكل تأكيد سيكون صورة نصر كبيرة للمقاومة الفلسطينية، وتسجل نقطة جديدة في إنجازاتها تجاه تثبيت وحدة الساحات، وفي المقابل سيسجل بذلك هزيمة حقيقية لنتنياهو وحكومته الفاشية وسينعكس ذلك على أداء الحكومة التي ستواجه المزيد من الاحتجاجات ضدها.
ويتفق الكاتب والمحلل السياسي الدكتور جهاد ملكة مع سابقه، بأن نتنياهو ارتكب هذه الحماقة من اغتيال قادة المجلس العسكري لسرايا القدس على قاعدة توحيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، ومحاولة إسكات المعارضة القوية التي يواجهها بالجهاد الإسلامي، الذي يدخل المعركة منفرداً ولن يقبل إلا بتلبية شروطه وليس أقلها. في المقابل يمتنع نتنياهو عن الالتزام لحركة الجهاد الإسلامي بهذا الشرط حتى لا يبدو أمام حلفائه وخصومه أنه خضع للجهاد.
ويؤكد أن حركة الجهاد الإسلامي تريد الخروج من المعركة بصورة نصر، ربما أحد عوامل إصرار الجهاد الإسلامي على مطالبه هو النية لإفشال مسيرة الأعلام التي من المتوقع أن تخرج يوم الخميس القادم، فإن حصل ذلك وحققت الجهاد هذه النتيجة، فبالتأكيد ستخرج بصورة نصر من المعركة أمام الحكومة الإسرائيلية.
ويشير ملكة لـ “القدس العربي” إلى أن هناك مشكلة كبيرة من جولة التصعيد الحالية، فالمواقف الصارمة بين إسرائيل والجهاد الإسلامي تحول دون التوصل إلى تهدئة، واعتقاد كل من الطرفين بأنه يمكن أن يقدم الطرف الآخر تنازلات. لذلك نحن أمام أيام أخرى من التصعيد، في ظل حرص الجهاد الإسلامي على عدم الخروج من الجولة إلا بصورة انتصار بالإصرار على مواقفها من الهدنة، وربما
الاستمرار حتى مسيرة الأعلام ومنع الإسرائيليين الخروج تحت تهديد الصواريخ ذات المدى البعيدة.
ويتوقع أننا في الساعات والأيام المقبلة سنشهد مزيداً من التصعيد الإسرائيلي، ومزيداً من الصواريخ التي ستنهال على إسرائيل، وستبقى حرب الاستنزاف حتى نهاية الأسبوع وصولا إلى يوم مسيرة الأعلام. ويرى بأن الجهاد قادر على صد كل الضغوط المفروضة عليه، بفضل التكتيك الجديد الذي يستخدمه في صد الهجمات والذي جعل الاحتلال يدخل في حالة قلق كبيرة.