تجربة هيكل
هيكل كانت له تجربة أليمة مع الخطاب المزدوج، في كتابه عن حرب الخليج الثانية، وقد كشف الراحل محمد جلال كشك، في عدة مقالات بمجلة ‘أكتوبر’ المصرية، ومن النوع طويل التيلة، كالتي تطالعونها لي الآن. الاختلاف بين الوارد في الطبعة الأجنبية والعربية من الكتاب، ليس في حدود التحليل، ولكن الاختلاف كان في المعلومات والرسالة أيضاً.
لم يرد هيكل ولم يصد، لكن ربما رأيه أن ما حدث معه هو استثناء، سببه أن الكاتب الذي ضبطه متلبساً بذلك، يعيش في بريطانيا، وأنه متربص به. ثم إن جلال كشك وجد مساحة في مصر للكتابة. والإعلام في المحروسة الآن تم تأميمه لصالح الانقلاب، ولم يستنكر هيكل ذلك، لأنه هو من تغزل في تأميم الصحافة على يد ضباط الجيش عقب حركتهم المباركة في سنة 1952، ووصف قرارات التأميم، بقرارات ‘تنظيم الصحافة’، وباعتبار أن الصحافة نبت عشوائي، وأن ما حدث هو تنظيم لها.. هل هناك من يكره التنظيم؟!
فات القوم، أن النشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي سيخترق عمليات التأميم التي فرضها العسكر على الإعلام، فصار إعلام الرأي الواحد، والصورة الواحدة، والخبر الواحد ولو كان كاذباً.
ربما لم يستمع مهتم منا لمقابلة وزير خارجية الانقلاب في الإذاعة الأمريكية، لكن الفضيحة وقفنا عليها من خلال نشر كلام الوزير على موقع الإذاعة ومنها وصل لمواقع التواصل الاجتماعي ليمثل فضيحة يتغنى بها الركبان!
جيل قادة الانقلاب ينظرون للراديو على أن زمانه قد ولى، لكن المستبدين يعملون له حساباً، ويكفي أن نعلم أنه في عهد مبارك وعندما تم السماح قانوناً بتملك الناس للقنوات التلفزيونية، فان الحظر ظل قائما فيما يختص بالإذاعات، وكان غالبا يتم ضرب عدد المستمعين للراديو في عدد مستخدمي ‘التاكسي’، وكانت المفاجأة ذات حصر أنهم بالملايين!
لكن الإذاعة الأمريكية ليست هي ‘بي بي سي’، أو ‘ صوت أميركا’، عندما كان المصريون يضعون أذانهم على جهاز ‘الترانزستور’ ليستمعوا إلى أخبار بلدهم في نشرات أخبارها!
حل الشعر والمشي البطال
لقد ظن وزير خارجية الانقلاب أن الدار أمان، فذهب إلى الإذاعة العامة الوطنية في أمريكا وتحدث عن العلاقة التي تربط واشنطن ومصر وإذا بها شرعية والحمد لله، وليست نزوة لليلة واحدة. كما أنها ليست زواج متعة الذي يحله الشيعة ويحرمه أهل السنة والجماعة. والأخير زواج منفصل يجوز له أن يتصل. ولكن ما أطربني حقاً أن مصرهم، وليست مصرنا، تزوجت واشنطن عند المأذون، زواجاً مستمراً. وسر طربي أن ‘مصر الانقلاب’ تسترت، بعد مرحلة مشت فيها على حل شعرها. ولغير المصريين أن ‘حل الشعر’ في تراث الأجداد مرتبط بممارسة الأعمال المنافية للآداب.
‘مصر الانقلاب’، التي يتحدث عنها نبيل فهمي، أنهت مرحلة ‘ المشي البطال’، وهي التي ذهبت إلى بوتين، حيث يقيم وقالت له: ‘هيت لك’، والآن هي ‘تستت’ وصارت واحدة ‘ست’، وانتقلت من مرحلة ‘الآنسة’ إلى مرحلة ‘المدام’. وربما هي ‘مدام’ منذ 3 يوليو، وأنها كانت في حكم الزوجة الناشز الى أن طلبها أوباما في ‘بيت الطاعة’.
ولغير المصريين أقول: ان قانون الأحوال الشخصية يعطي الزوج الحق في أن يطلب الزوجة في بيت الزوجية ‘الطاعة’، إن هي غادرته، شريطة أن تتوافر فيه الشروط التي ترتفع به ليكون بيتاً للطاعة. واعتقد أن البيت الأبيض تتوافر فيه أركان ‘بيت الطاعة’ قانوناً.
لقد صرخ عمرو أديب في برنامجه وهو يطالب بإقالة وزير الخارجية ‘فكل ما عملناه من 30 يونيه انهار’. وعندما قرأت ‘أنهار’ ظننت أن ‘مصر الانقلاب’ أسموها ‘أنهار’.. ‘أنهار بنت أبيها’، قبل أن أكتشف أنه يقصد ‘انهار’ من ‘الانهيار العظيم’.
فقد قدموا انقلابهم على أنه نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة لأنه أنهى الهيمنة الأمريكية التي تكرست في عهد الدكتور مرسي، وصارت مصر على يد السيسي أكثر استقلالاً، وصور لنا إعلام الغبراء أن أوباما لا ينام الليل لان عبد الفتاح السيسي أخرج مصر من بيت الطاعة الأمريكي. وكيف أن لمبات الإنذار المبكر عملت في الكنيست عندما ظهر على المسرح الضاحك جماعة الانقلاب في 3 يوليو/تموز الماضي.
تذكرون، كيف أن إعلام الثورة المضادة، أكد أن شقيق أوباما ينتمي للإخوان، وفي تطور مفاجئ تبين أن أوباما نفسه ‘خلايا اخوانية نائمة’، وبالتالي فان قرار السيسي بالإطاحة بمرسي، مثل ضربة عنيفة لأوباما ولعائلته على القفا!
عمرو أديب وهو يقول إن كل ما فعلوه ‘انهار’، كان كاشفاً عن حال جماعة الانقلاب الذين يكذبون ومن كثرة الكذب يصدقون أنفسهم. وهم في حالتنا ظنوا أنهم نجحوا في الضحك على الشعب المصري ودفعه لأن يصدق أن السيسي ضد الإرادة الأمريكية. وبالتالي فان تصريحات نبيل فهمي عن ‘زواج عتريس من فؤادة’، انطلى على المصريين، فصدقوا أن عبد الفتاح في اليوم الأول لدخوله القصر الرئاسي سيوقع قرار الحرب على واشنطن.
لغة العواطف
في الواقع أن حديث فهمي لم يخرج عن الإطار السياسي لمرحلة الانقلاب. ولغة العواطف هي عنوان المرحلة. وفي عهد السيسي هناك كاتبة بدلاً من أن تعلن تأييدها له لرؤيته السياسية الثاقبة، كتبت عن حالة الوله التي انتابتها وكأنه ‘اميتاب باتشان’، ولهذا طلبت منه ان يقبلها جارية في البلاط. وكاتب جاء عنوان ما كتب ‘مصر للسيسي: زوجتك نفسي’. ورئيس الوزراء وفي مؤتمر دافواس قال إن السيسي معشوق النساء في مصر. فنبيل فهمي بما قال لم يغادر أحاسيس ‘كازينو الشجرة’. ويحسب له أنه تكلم في العلاقات الحلال فالحاصل هو زواج شرعي وليس نزوة ليلة واحدة.
إن مثل نبيل فهمي كمثل عبد الفتاح السيسي الذي يعرب عن حبه العذري لواشنطن عبر إعلامها، ظنا منه أن كلامه لن يصل للمصريين، تماماً كما فعلها الدكتور محمد البرادعي من قبل وفضح نفسه بكلامه لصحيفة أجنبية عقب الانقلاب العسكري مباشرة، من أنه ظل ستة شهور يقنع الغرب بقبول فكرة إسقاط الرئيس المنتخب!
إنها أزمة جيل، يسمي تويتر ‘طنيطر’، ولا يريد أن يصدق أن العالم صار قرية صغيرة.. أصغر من القرية الذكية.
صحافي من مصر
[email protected]