هل ظهرت ملامح وشخصية بطل كأس العالم؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”: مع بدء العد التنازلي لانتهاء دو الـ16 لكأس العالم قطر 2022، بعبارة أخرى بعد الوصول لمراحل الجد والانتهاء من هوجة المفاجآت المدوية والعروض المؤقتة للصدمات النادرة في عالم كرة القدم، بدأت تتكشف النوايا والفوارق الفنية والبدنية بين المرشحين الحقيقيين للظفر باللقب، حيث تكون الصورة أكثر وضوحا لرؤية واستنتاج المقصود بالمقولة المقدسة “البطل يولد عادة من رحم البطولة”، وليس بالتوقعات والأحكام المبنية على نتائج الماضي.

بالعودة إلى الوراء أسبوعين أو ثلاثة، كان الاعتقاد السائد أن المنتخب الأرجنتيني سيواصل طغيانه ومعاملته الوحشية مع خصومه، منذ احتفاله في قلب “ماراكانا”، بأول لقب قاري في تاريخ ليونيل ميسي، وإذ به في النهاية استيقظ على كابوس “ميسي وينه”، ورغم نجاح رجال سكالوني في تجاوز هذه الفضيحة، بقهر الغريم الغربي المكسيكي، ثم الاستعراض على أصدقاء روبرت ليفاندوسكي في المباراة الثالثة، وتخطي أستراليا بهدفين لهدف في ثمن النهائي، إلا أن المحتوى المقدم داخل الملعب وحالة التانغو كفريق جماعي، تبدو بعيدة نسبيا عن منافسين آخرين أكثر جودة وشراسة على المستوى الجماعي.

وشاهدنا جميعا معاناة المنتخب الأرجنتيني أمام الكنغر الأسترالي، بصعوبة بالغة في اختراق الدفاع، اللهم بعض اللمسات والحلول العبقرية للبرغوث بشكل فردي، دون حلول أو جمل تكتيكية جماعية، ناهيك عن لعنة إهدار الفرص السهلة، كأن روح هيغواين حاضرة في جسد لاوتارو مارتينيز، وانعدام الحلول من أكونا ومولينا من على الأطراف، وحالة الاضطراب وقلة الثقة المسيطرة على الأغلبية، باستثناء القائد وحامي العرين مارتينيز، الذي يتقاسم مع ميسي دور البطولة، بتصدياته المذهلة، آخرهم لقطة المباراة في المواجهة المباشرة مع غارانغ كول في آخر لحظات الوقت المحتسب بدل من الضائع.

بوجه عام، ستكون مواجهة هولندا القادمة في ربع النهائي، كاشفة لشخصية بطل أمريكا الجنوبية ومستواه بين القائمة المختصرة المرشحة للفوز باللقب، دعك من قصة التواجد في نصف النهائي، لكن الاختبار في حد ذاته، سيكون معقدا ويصعب التنبؤ بأحداثه، مع عودة منتخب الطواحين البرتقالية لنفس الشخصية البرغماتية التي كان عليها مع لويس فان خال في ولايته الأولى في مونديال البرازيل 2014، كمنظومة جماعية يُضرب بها المثل في اللعب القبيح، عكس الصورة النمطية العالقة في الأذهان عن وطن الكرة الشاملة الجميلة.

على النقيض من الأرجنتين وهولندا، شهدت الأيام والساعات القليلة الماضية، طفرة في أعداد المراهنين على فوز فرنسا باللقب، ليكون ثالث منتخب ينجح في الاحتفاظ بلقبه، بعد إيطاليا والبرازيل، وبدرجة أقل إنكلترا والبرازيل وإسبانيا والبرتغال قبل اختبارات الإثنين والثلاثاء في دور الـ16، والسؤال الذي يفرض نفسه.. ما سر هذا الانبهار والاتفاق المفاجئ على قوة وجودة الفرنسيين؟ مقارنة بالانطباع أو الصورة التشاؤمية عنهم قبل المونديال.

تكمن الإجابة في الفجوة الهائلة بين منتخب فرنسا وباقي الخصوم من حيث جودة الأفراد والتنظيم الجماعي، رغم فقدانه لكم لا يستهان به من أصوله الثمينة بداعي الإصابة، في مقدمتهم كريم بنزيما، نغولو كانتي وبول بوغبا وإلخ، وظهر ذلك في انعدام مصطلح “تكافؤ الفرص” في مباريات حامل اللقب أمام خصومه، باستثناء درس تونس الإيجابي، ببطولة مطلقة لمحطم الأرقام القياسية كيليان مبابي، وشراكه ناجحة مع جيرو، وتوفيق من قبل المدرب في توظيف أنطوان غريزمان كلاعب ثالث في وسط الملعب رفقة رابيو وتشاوميني، للاستفادة من جودة لمسته في ربط الوسط بالهجوم، ما جعلنا نشاهد منتخب الديوك، يبدو وكأنه أكثر قوة وشراسة مما كان في روسيا 2018.

بوضع تقييم لمستوى المنتخبات المرشحة للفوز باللقب منذ بداية المونديال، سنلاحظ أننا شاهدنا تقاربا ملحوظا في المستوى بين المنتخبات الكبيرة في المواجهات المباشرة بينهما أو المتوسطة، أو على الأقل ساد التكافؤ ولو مرة واحدة في مباراة هامة، وليس في مباراة تحصيل حاصل في ختام المجموعات، على غرار لحظات معاناة البرازيل أمام سويسرا في الجولة الثانية، وتعثر الإنكليز أمام أحفاد العم سام في نفس الجولة، وبالمثل سقطت إسبانيا في فخ التعادل أمام ألمانيا في الجولة ذاتها، رغم أن الناسيونال مانشافت كان في أسوأ حالاته.

فقط الاستثناء الوحيد كان المنتخب الفرنسي، الذي لم يُظهر أي نوع من أنواع الشفقة أو الرحمة لمنافسيه في كل المناسبات الضرورية، بداية باكتساح أستراليا بالأربعة، وفك عقدة الدنمارك وما حدث في ليلة الاستقواء على بولندا، بعد التقاط الأنفاس بالصف الثاني أمام نسور قرطاج، وهي ظاهريا تبدو العلامات أو المؤشرات الأولى لشخصية البطل الذين يقولون عنه “يُولد من رحم البطولة”، لكن هذا سيتضح أكثر بعد معركة الإنكليز في ربع النهائي، التي ستكشف ملامح المنافس الرئيس المحتمل لميسي وسحرة البرازيل على شخصية البطل واللقب نفسه في يوم العيد الوطني لدولة قطر، أما عاطفيا.. فنحن جميعا نتمنى استمرار مفاجآت المنتخب المغربي المدوية حتى النهاية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية