بعد كتابة مقاله المطول في جريدة “لوبوان” الفرنسية، والذي أبدى مواقفه وآراءه من الحراك، باعتباره ثورة شعبية قد أخفقت، انهالت الانتقادات وموجات الغضب والسخط على الكاتب المثير للجدل دائما. لطالما دغدغ أحاسيس النخبة التي تنتظر من يشفي غليلها في الخوض في المحظور والتعدي على الخطوط الحمراء ومقدسات الشعب وثوابته.
كم كان يروقهم تحريكها وزعزعتها. وكانت النخبة التي أعلنت ضده الحرب تسانده ضمنيا وفي العلن. لكن عليهم وليس علينا. عندما اقترب من الحراك – الذين يعتبرون أنفسهم أوصياء عليه – ثارت ثائرة الكثيرين منهم. وسال حبر قرائحهم على صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى صفحات الجرائد اليومية والمواقع الالكترونية.
كمال داود يحب فتح أبواب جهنم عليه، تعود على ضريبة الشهرة، التي لا تأتي من السلمية، بل من التفكير المعنف للقضايا المطروحة في الجزائر وغيرها. الأمر لا يزعزع الكاتب، الذي تعود على الخروج من السرب، مهما كانت النتيجة، ومهاجمته وشيطنته أو مساندته وتبجيله، وفي الأحوال كلها هو الرابح لدعاية يبحث عنها المؤلف النجم بحثا.
“لا كمال داود. ما زال الوقت مبكرا للقول إن الثورة قد فشلت، تعلق جريدة “لوماتان” على مقال الكاتب، بينما “الوطن” في الفرنسية أيضا تتساءل: هل انحرف الرجل؟
موجات السخط الكثيرة جاءت من الإعلام الناطق في الفرنسية ومن المثقفين الفرنكوفونيين، وكأنه خذلهم بآرائه، التي اعتبرها الكثير منهم لا تخرج عن مواقف السلطة. الرجل الذي ساند الحراك في بداياته ينتقده ويوجه ضربة للفاعلين فيه. ترمومتر الحراك يعري ويستر. يوجع ويداوي. وما أسهل التخوين وحمل الشعارات الجوفاء التي تصبح تقاليد المعارضة من كل الجهات. عن سؤاله كيف فشلت ثورة 22 فبراير/شباط الشعبية ينقل لنا موقع “الترا” مقالا حول الموضوع في عنوان: “كمال داود يثير الجدل. هل هو طعنة في ظهر الحراك” (سلمى قويدر) مع إبراز مواقف أكاديميين من تصريحات الرجل بين مؤيد ومعارض.
إذا كانت السلطة لم تصل الى نتيجة مفادها أن الحراك أصبح فاشلا، فكمال داود قالها، وفي هذا يكون قد تفاعل تفاعلا إيجابيا مع السلطة ويردد عباراتها، حسب الأكاديمي نوري إدريس، وحججه لا تختلف عن حجج النظام.
كذلك اعتبر هذا الأكاديمي أن ما كتبه المؤلف هو نظرة استشراقية للثورة الجزائرية، حيث يرى أن الجزائريين لم ينجحوا في التغيير لأنهم مسلمون، عرب وثقافتهم متخلفة بطبعها. كما وصف موقف ونظرة كمال داود بالجوهرانية الدوغمائية وامتداد للاستشراق والخطاب الاثنومركزي، أي أنه يخاطب الغربيين لإشباع نظرتهم الغرائبية!
في مقابل الكم الهائل من الانتقادات والسخط هناك من دافع عنه، حيث أبدى الصحافي محمد سيفاوي رأيه في ما كتب وأيضا كرد على مهاجميه. والذي نشر على موقع “دي زد في اي دي”، حيث يعتبر موجة الانتقادات التي طالت الكاتب: محاكمة كاذبة للموهوب كمال داود. في الجزائر أين اصبح الصراخ والشتائم والاقصاء رياضة وطنية، وأين يوجد نقص حقيقي للثقافة الديمقراطية واحترام الآخر ورأيه، يكون كمال داود قد ارتكب ثلاثة أخطاء:
أولا، عبر عما يفكر به. وفي جزائر الحراك الشعبي ليس من الجيد الخروج عن التفكير المنسجم في مختلف القضايا السياسية والدينية.
ثانيا تكلم وعبر عن رأيه في وقت مبكر جدا، حتى وإن كان له الحق في التعبير عن احباطات.
ثالثا يضيف “سيفاوي” الثورة ملوثة بالشعبوية، شعبوية الإسلاميين، وشعبوية “نڤاز” وشعبوية “زيطوط”. وربما موقف كمال داود هذا ما جعل سيفاوي يكتب في صفحته على فيسبوك منذ يومين ينتقد حراك الجزائريين وثورتهم، قائلا في نبرة فيها الاستهزاء: الجزائريون الذين كانوا يعتقدون أنهم في السير مرة في الأسبوع، بين صلاة الجمعة وساعة “اللمجة” كانوا سيحدثون “ثورة” إنهم يرون أن هذا النمط الإجرائي، للأسف، غير كاف لإسقاط النظام.
ولأن شوكته قويت في النجاح في مجال الإبداع وبلاغة التصريحات، لم يعد ينكر أنه كان إسلاميا. كمال داود الذي صدرت في حقه فتوى وهدر دمه، لا يكف عن هدر كرامة الجزائريين في فضاءات ملغمة بالتفوق وبعقدة المستعمرات، والتي ترحب بمثل أفكاره وتفتح لها المجال على مصراعيه. هو يتحالف مع أي فكرة تجعله مركز النقاش واللغط والجدل، ولأنه موهوب وقلمه سخي في “الافتراءات”. سيبقى فوق كل الاعتبارات وفوق الشبهات.
شعب يقضي على الطرقات!
لم يعد “موت الرحمة” يفجع الجزائريين، أي الموت بين الأهل وعلى السرير. بل الجميع مشغول في موت الأهوال والفجيعة، التي تطرق مواقع التواصل الاجتماعي ساخنة مرعبة.
هكذا وقبل أن تبرد دماء ضحايا حادثة حافلتين كل واحدة في اتجاه وتقاطعتا الأقدار لتحدث المجزرة، تنقل مواقع التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات وشهادات عن حادث اصطدام حافلتي نقل ركاب إحداهما تربط مدينة جيجل الجزائرية بورقلة والأخرى تربط بين ورقلة وسطيف، وقع الحادث في الطريق الوطني رقم 3 في بلدية “سطيل” الساعة الواحدة صباحا (الشروق اليومي) مخلفا ثلاثة عشر قتيلا وعشرات الجرحى. كما فتح الحادث مساحات كبيرة للألم والحزن والنعي.
إلى متى تحصد الطرق غير الصالحة للسير الأرواح البريئة. إلى متى يؤيد نعاس السائق الوحيد لمسافات طويلة لانحراف وانجراف ومأساة بشرية؟ ما الذي يجعل السائق يستهتر بالأرواح ويدخل في مشاحنة وتحد قاتلين؟ ألم تعد هناك حرمة للأرواح البشرية؟ ما الذي جعل قيمة الانسان تبخس ولا تدخل أي مزاد غير مزاد الموت؟
تكتب فتيحة الشرع على صفحتها على الفيسبوك قائلة: “علينا أن نصارح أنفسنا لأن الخطر يتربص بنا جميعا كل يوم. بل كل دقيقة نجلس فيها على عجلات وداخل هيكل حديدي. وتطالب بفحص دوري لحافلات النقل العمومي للمسافات الطويلة وللسائقين وأن يكون لهم قانون داخلي ينظمهم وأن تتم المناوبة على العمل كل مسافة 300 كلم. ولا يترك المجال للخواص الذين تحولوا الى لوبيات. طرقات الجنوب الجزائري تعرف حوادث يومية مميتة.
ما الذي يمنع وجود “كاميرا” في مقدمة الحافلة، كالعلبة السوداء في الطائرة؟ ما الذي يمنع تسليط العقوبة على الشرطي الذي يقبل بالواسطة ويعيد الرخصة لسائق متهور سحبت منه؟
أسئلة كثيرة طرحتها الصحافية المتخصصة في البيئة تبين حجم إرهاب الطرقات وحجم المآسي، التي تتركها في الأسر الجزائرية. حوادث أم انتحار. العنف يحيط بالجزائريين من كل الجوانب.
ربما نحتاج لحراك من نوع آخر. حراك الضمائر والأفئدة والعقول. حراك الرحمة بالإنسان، الذي تسيل دماؤه على الطرق السريعة ومتوسطة السرعة وطرق منافذ ومداخل المدن الصغيرة والكبيرة وبوابات الصحراء. الحوادث التي قتلت الضمائر. ضمائر أصحاب الحافلات ومالكيها وضمائر مقاولي الطرقات. وضمائر السائقين وجنون سرعتهم. قوائم الضحايا تزداد وتطول. لم يعد السفر مفيدا ولا ممتعا. قبل السفر والمغادرة تزعجنا الكوابيس الليلية. اللّهم هوّن علينا.
“براكاج” مروع في تونس:
والضحية مجهول
بمزيد من السخط والألم تناقلت مختلف وسائل الإعلام من إذاعات وتليفزيونات ومواقع التواصل الاجتماعي حادثة الاعتداء على شاب عشريني في المترو على مستوى باب الخضراء أدى إلى وفاته. حيث كانت الساعة تشير إلى الثامنة و35 دقيقة ليلا، وهذا كان يوم الخميس الماضي. عندما قامت مجموعة من الشباب بالاعتداء على الشاب وأخذ هاتفه الجوال وإخراج رأسه من نافذة المترو وصدمه بالعمود الكهربائي الموجود على مستوى السكة. كل المواقع ذكرت أن الضحية رقيب في الجيش كان في الزي المدني. وأن الجثة أخذت للتشريح لمعرفة أسباب الوفاة. لكن لا أحد ذكر اسمه ولا مكان سكنه أو أصله الجغرافي. الحدث أرعب الركاب. وفي التصريحات الأولية للناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية لم يكن قد تم القبض على الفاعلين. لكن التحريات أوقعت بالمشتبه بهم بعد الحادثة في يومين، أي في السابع عشر من الشهر الجاري. أحداث العنف في تنام في تونس وأصبح الكل يتفرج ولا يقوم بفعل أي شيء. والحادثة تعيد للأذهان مقتل الشاب آدم بوليفة في ملهى “بالماديسون” .
كاتبة من الجزائر