امتاز نتنياهو بصفتين: الإدراك السريع والتركيز على الهدف. ولم يطرح أي رؤية عالمية موحدة وجارفة أو أفكار عالمية تبقى في الوعي العام بعد ذهابه. كان نتنياهو وما زال رجل مهمات، يختار ما ينشغل به ويترك الباقي، مثلما أظهر في السنة الأخيرة من كورونا بإحضار اللقاح.
دخل إلى عالم السياسة وله أربعة أهداف، هي: منع إقامة الدولة الفلسطينية وإعادة مناطق؛ ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي؛ وتحويل إسرائيل إلى دولة رأسمالية يكون فيها الأغنياء هم وحدهم الموهوبون والناجحون؛ وتحطيم المؤسسة القديمة التي سماها “استبدال النخبة”. والأهم من كل ذلك، الشرط الضروري لتحقيق هذه الأهداف هو البقاء في الحكم أكبر قدر من الوقت.
من ناحية نتنياهو، يميل ميزان النتائج لصالحه بشكل واضح. فمنذ عودته إلى الحكم، لم تُسلّم إسرائيل ملليمتراً من الأراضي للفلسطينيين أو لسوريا. ونزلت الدولة الفلسطينية عن جدول الأعمال، ووقعت أربع دول عربية على اتفاقات سلام. لا يوجد لإيران قنبلة نووية في الوقت الذي طورت فيه إسرائيل قدرتها الاستراتيجية بصورة بارزة (طائرات اف 35″ والقدرة على الرد بضربة ثانية من الغواصات وتطوير المفاعل النووي في ديمونة).
تتألق الرأسمالية في التيار العام الإسرائيلي، وقائمة أصحاب المليارات المحليين تطول كل سنة، وضعفت النخبة القديمة، ووضع نتنياهو الليكود كحزب الريادة الاجتماعية، في الوقت الذي يحيط بنفسه بسياسيين ومساعدين شرقيين ومتدينين تم إبعادهم عن مراكز القوة في السابق.
حقق نتنياهو ما أراده وهو يمسك بالحكم أكثر من أي واحد من أسلافه. وحتى في يوم سقوطه، سيطر على جدول الأعمال العام وعلى اللغة العبرية. يكفي رؤية كيف أن شعارات مثل “الحياة نفسها”، و”لن يكون هناك أي شيء لأنه لا يوجد شيء”، و”العرب يتدفقون” (اقتباس غير دقيق، لكن هذا ما يذكرونه)، “هم خـ ا ئـ فـ و ن”، سيطرت على الأحاديث اليومية وحتى على أعمدة النقد ضده.
لكن هل كانت إنجازاته في نظر نفسه جيدة للدولة أيضاً؟ لا شك بأن نتنياهو أدار النزاع مع الفلسطينيين بثمن رخيص بالنسبة لإسرائيل، ومع عدد قليل من جنازات الجنود وضحايا العمليات بالمقارنة مع أسلافه. ولكنه خاف من ضعضعة الوضع الراهن ولم يستغل قوته السياسية المميزة لتهدئة النزاع والبحث عن اتفاق مع الفلسطينيين، بل دحرج المشكلة إلى الأمام، إلى وريثه، وهي على شفا الانفجار. وهذا يعتبر تفويتاً كبيراً للفرص لأنه لا يوجد اليوم أي زعيم إسرائيل آخر يستطيع تمرير اتفاقات سلام للجمهور ترافقها تنازلات عن مناطق ومستوطنات. وإذا اشتعلت المناطق سيقف على رأس الدولة زعماء أقل تجربة.
بصورة مشابهة، تمسك نتنياهو بالوضع القائم حتى في الساحة الداخلية الإسرائيلية. في العقد الأخير، كانت القوة المحركة للمؤامرة الداخلية هي صعود القوة الديمغرافية والسياسية للعرب والأصوليين، التي أثرت في السياسة والاقتصاد أكثر من أي عامل آخر. يعرف نتنياهو الأرقام ويعرف أنه بدون دمج الأقليات في الاقتصاد فلن تستطيع إسرائيل النمو، وقد تنهار في الجيل القادم. ولكن بدلاً من استغلال مكانته العامة من أجل تشجيع تغيير اجتماعي في هذه الطوائف، خشي من المواجهات وفضل شراء الهدوء من خلال تحالف سياسي مع الأحزاب الدينية وزيادة الميزانيات للمجتمع العربي. وإذا كان المجتمع والاقتصاد قد أثارا اهتمامه بشكل أقل من السياسة الخارجية والأمن، فإنه لم يقم بتعيين “قيصر” للاقتصاد ينزل عن كاهله العبء بما يشبه المنصب الذي شغله كوزير للمالية في حكومة شارون. حتى هذا يعتبر تفويتاً للفرص بمعيار تاريخي.
كان نتنياهو وما زال الممثل الأكثر خطابية في سياسة إسرائيل، وبالتأكيد أحد أفضل الخطباء الآن في العالم. ولكنه في نهاية المطاف لم يهزم، لأنه تنافس مع مذيع آخر أفضل منه، بل بسبب المؤامرات في الغرف الخلفية. يئير لبيد الذي بدأ حياته السياسية كخطيب متكلم مثل نتنياهو، فاز عليه فقط عندما نزل عن المنصة وانتقل إلى العمل السياسي الهادئ. وفي حياته السياسية، تحدث نتنياهو دائماً مع “القاعدة” اليمينية والدينية، ولم يحاول جذب مصوتين من الوسط واليسار من أجل التصويت لليكود في صناديق الاقتراع. هذه الاستراتيجية نجحت على مدى سنوات وأفادته، إلى أن ثار التمرد ضده في اليمين وقام بإزاة المزيد من حجارة الجدار من أجل انهيار المبنى.
بقلم: ألوف بن
هآرتس 14/6/2021