هل من أفق للحراك الجزائري؟

بدأ الحراك الجزائري النموذجي يدخل مرحلة الأسئلة القلقة، هل هو الزمن الطويل بلا أفق حقيقي لنتائجه؟ أم هي المخاطر التي تتهدده؟ منذ عشرة أسابيع مشرقة جماهيرياً، والمشهد الاحتجاجي نفسه، بكل قوته وجبروته، حقق بعض نتائجه المهمة، فقد أسقط الولاية الخامسة، ودفع بالرئيس المريض إلى الاستقالة، وعرى أسرار الدولة العميقة التي كانت مجرد لغة، وكشف عن الحكام الحقيقيين للجزائر. عصابة حقيقية جعلت من الجزائر حظيرتها بالوكالة، فحكمت أربعين مليوناً بلا وجه ولا حق، نشأت في عمق ظلمات السلطة واستمرت فيها. إلى اللحظة، لم تفقد أملها في العودة إلى الواجهة، فقد خلقت على مدار العشرين سنة الأخيرة كل ما يضمن لها البقاء الدائم، ونسيت أن الموت والاضمحلال يمسان السلطة، أي سلطة كانت. يكفي انقلاب من انقلابات العالم الثالث لتعود إلى الواجهة بعذرية جديدة. لهذا، فسؤال القلق أصبح اليوم جزءاً من مآلات الحراك.
على الرغم من أن الحراك لا يزال في أوج تصاعده، إلا أن بعض العلامات بدأت تظهر بوضوح هنا وهناك، توحي بما لا يدع مجالاً للشك أن المؤسسات الوطنية الكبرى، بما فيها مؤسسة الجيش، تعاني إنهاكاً كبيراً ومبهماً لا يسمح لها بالذهاب بعيداً في الخيارات التي تبنتها بمرافقة الحراك، مع الوعد الكبير الذي زرع أملاً حقيقياً في المتبعة القانونية لمن كانوا السبب في الفساد المالي والسياسي الذي ألحق أذى كبيراً بالجزائر.
هناك حالة استكانة كبيرة حتى في بيانات المؤسسة العسكرية. صحيح أن القضاء تحرك، وبدأت متابعة بعض رموز النظام السابق، ورأينا في الأسابيع القليلة الماضية أسماء كثيرة تم استدعاؤها قضائياً في قضايا الفساد، من أمثال رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، وقبله رئيس منتدى رجال الأعمال السابق علي حداد، بعض جنرالات الجيش من المتورطين في الفساد، ووزير المالية السابق ومدير البنك محمد لوكال، والمدير العام السابق للأمن الوطني عبد الغني الهامل، بعد أن امتثلوا لدعوة النيابة لهم، وخرجوا أحراراً بعد أن أجابوا عن تهمة الفساد واستعمال النفوذ غير القانوني، كما يوجد رهن الحبس المؤقت ثلاثة رجال أعمال هم كريم، ونوح طارق، ورضا كونيناف، وهم أشقاء من عائلة مقربة من بوتفليقة. كما أعاد القضاء فتح ملف الفساد في مجموعة «سوناطراك» للنفط والغاز المملوكة للدولة باستدعاء وزير النفط الأسبق شكيب خليل، للتحقيق معه. كل هذا جيد، لكن لا يزال كبار العصابة الذين كانوا يسيرون الدولة في الخفاء، في حرية تامة. فإما أنهم مسؤولون عن الوضع الخطير الذي آلت إليه البلاد، فيخضعون للقانون مثل غيرهم، وإما بريئون، وفي هذه الحالة يجب تركهم أحراراً؟ ليست المسألة شخصية، الجزائر ليست مزرعة لأحد. هناك حالة ضعف أمام قوة النواة الصلبة للعصابة. ما حدث في الأسابيع الأخيرة بيّن شيئاً من التردد على مستوى المؤسسة العسكرية نفسها، التي أعطت إشارات قوية في البداية وتركت بوابات الأمل مفتوحة في تغيير سريع وكبير. استمر شعار «جيش شعب خاوا خاوا» في كل المسيرات، لكن محته شعارات أخرى ضد قايد صالح نائب وزير الدفاع، رئيس الأركان، مما يوحي بأن هناك أيادي كثيرة تلعب داخل الحراك لتفكيكه، وهو ما يعني كارثة، لأن الأمر سينتهي إلى إنهاك المؤسسة العسكرية والدفع بها نحو إعلان حالة الطوارئ أو الحصار، وهو هدف الخارج والعصابة التي تلعب على الوقت، المرتبطة به مالياً.
حملة الأيادي البيضاء وتقديم بعض أفراد العصابة إلى المحاكمة مسألة مهمة ومؤشر إيجابي يريده الحراك، لكن سجن رجل الأعمال ربراب الذي لم يكن ممنوعاً من السفر، حسب المعلومات المتوفرة، يطرح كثيراً من الأسئلة؟ هل خضع هذا السجن لمسبقات قانونية؟ ليجيب عن تهم تهريب العملة والتهرب الضريبي؟ وهل كان هذا الخيار أولوية في الوقت الراهن؟ القضاء وحده سيجيب عن هذا. المهم ألا تكون حرباً بالوكالة بين أقطاب الصراع. الأخطر من هذا كله، ما حدث في 28 أبريل/نيسان 2019، حيث نظم فرحات مهني، رئيس الماك، ندوة مع الطلبة في جامعة تيزي وزو عن طريق الفيديو كونفرانس بعنوان «نضال القبائل ضد الاحتلال الجزائري» ويبدو أن استثمار هذا الرجل لا يختلف عن استثمار الفيس في التسعينيات لتمزيق أوصال الجزائر. لم يخف فرحات مهني أفكاره الانفصالية، ولا حتى عمالته لإسرائيل التي يرى فيها نموذجه العظيم كما صرح في الكنيست. المشكلة ليس في كلمته وحرية تعبيره، فالكثير من أعلامه موجود في الحراك في باريس والجزائر، وهو مرفوض جزائرياً وحتى في منطقة القبائل نفسها. السؤال كيف فتحت له أبواب الجامعة ليقدم كلاماً إنفصالياً خطيراً في هذا الظرف الحرج؟ من يريد إشعال منطقة القبائل وقتل الحراك وضربه في عموده الفقري؟ على الدولة أو ما تبقى منها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، أن تلعب دورها في حماية خيارات الشعب الديمقراطية، وأن تساهم في إيجاد الحلول السريعة. كل تأخير هو مشاركة في انفجار الأوضاع سيكون الشعب ضحيتها، والجزائر كلها. كان يمكن بقليل من الذكاء أن يتم حل الكثير من المشكلات دستورياً. بينت الأحداث أن الندوة الوطنية كانت مضيعة للوقت، والخوف من انهيار الدولة أصبح اليوم حقيقة، يكفي أن ننظر من حولنا لندرك بأن الأخطار حقيقية. نلاحظ بداية انفلات أمني تجاه كل رموز الدولة (وليس السلطة)، ولا يمكن أن نتصرف في مكان القضاء، فقد كاد والي العاصمة يضرب في القصبة، وهرب مثل السارق.
نعم، هناك ألم كبير بعد موت عائلة بسبب سقوط بناية في القصبة، لكن يجب احترام الدولة، والقانون في النهاية هو السيد، وإلا سندخل قانون الغاب. لا أتحدث عن مطاردة الوزراء وكأننا في غابات استوائية، فهذا لا يفرح، وهناك وسائل رفض حضارية، والمشهد لا يوحي أبداً بأي دولة، وكأننا في غابة. في تجمع باريس تمت مطاردة بوجرة سلطاني من ساحة الجمهورية، وكاد يتعرض لاعتداء جسدي حقيقي، ولم يعد بوجرة في الحكم.
من حقه أن يحضر بصفته الشخصية، ما حدث كان اعتداء يمكن الاستغناء عنه، كلها علامات لا تبشر بخير أبداً، ويجب على الحراك رفضها والتنبيه لمخاطرها، فهي في النهاية لا تفيد إلا أنصار قتل الحراك وإعلان حالة الطوارئ.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية