هل نجحت معادلة ‘آرت دبي’؟

حجم الخط
0

بعد مرور أكثر من شهر ونصف على انتهاء فعاليات آرت دبي أعود للحديث عن هذه التظاهرة الكبرى والتي تطرح أكثر من سؤال على الفن العربي وعلى النقاد بالمنطقة كلها. ومن أهم الأسئلة مدى حاجة العرب اليوم إلى الخوض في إشكاليات المعاصرة بينما لم يلجوا الحداثة بعد.
في هذه المقالة سوف أتعرض أولا لآرت دبي بما هو تظاهرة فنية كبرى بغض النظر عن الأسئلة التي واجهها به عدد من المهتمين وبالتدقيق عن الضرورة الفعلية وغير المصطنعة التي قد تكون دفعت جهة عربية ما الى الطموح إلى العالمية الفنية في ظل أوضاع عربية تكاد تكون قروسطية. هذا السؤال سوف يجرنا في مقالة أو مقالات اخرى إلى الحديث عن موقفنا من الفن والتاريخ والسياسية والاقتصاد، وعن تموقعنا من الحداثة والمعاصرة الفنيتين.

آرت دبي بين الفن الحديث والمعاصر

عندما تلج قاعات العرض بآرت دبي في دورته الأخيرة يخيل لك أن العالم كله تحول إلى سوق فنية كبيرة أو قل أنك تتجول في جنة فنية لا توجد على الأرض. تنظيم محكم وفضاء أنيق وزوار محترفون يعرفون كل شيء عن الفن. لايمكن أن يحصل لك ما يحصل غالبا في افتتاح المعارض العادية حيث تلتقي أناسا يتعلقون بك ويطلبون منك أن تشرح هذا العمل أو ذاك. كل من تلتقيه قد تختلف معه في تقييم هذا العمل أو ذاك، ذلك الرواق أو غيره، ويكون مستوى النقاش على قدر كبير من الجدية والمعرفة والاختصاص. ثلاثة أيام كاملة عشتها داخل هذه الفضاءات جعلتني أتبين أن دبي أصبحت فعلا عاصمة للفن العالمي. وتتأكد أكثر عندما تلتقي محترفي الفن وتكتشف أنك تكلم أناسا من نيويورك إلى بكين ومن أستراليا إلى إفريقيا الوسطى، من شمال الكرة إلأرضية إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها. وراء كل هذا الحدث جماعة صغيرة من المنظمين قد انصهروا داخل جمهور الزوار فلا تفرق بينهم وبين أي زائر آخر لكنك تتعرف إليهم عندما تحتاج ترجمة أو تريد الاستفسار عن أي شيء.
أهم ما ميز هذه الدورة هو عودة الفن الحديث (Moderne) وخصوصا العربي منه وفن آسيا الوسطى إلى ردهات قاعات العرض بعدما كان آرت دبي يقتصر فقط على الفن المعاصر والمفاهيمي. من مثل ذلك قاعة أجيال التي عرضت الأعمال النحتية للمثال اللبناني ميشال بصبوص. أو قاعة آر شوق التي عرضت أعمال رائعة لزهور الخلق وكذلك قاعة المرسى التونسية التي أعادت إلى الأذهان أعمال الفنانة الجزائرية بهية محيي الدين المعروفة عالميا باسم باية تلك الفنانة التي اكتشفها محرر بيان السريالية أندريه بريتون.
كان مسعى المنظمين من العودة إلى المودرن (Moderne)وخصوصا في المنطقة العربية هو إظهار رساخة هذا التيار الفني في هذا اللقاء وخصوصا إيضاح أن الفن المعاصر العربي لم يولد من فراغ وإنما كان نتيجة صيرورة تاريخية سليمة. لكن إذا كانت النية الصالحة للمنظمين قد فسحت المجال لحضور الأسماء الوازنة التي ذكرت فإن أصحاب القاعات الخاصة لم يستوعبوا،على ما يبدو، الدرس بل سارعوا إلى عرض ما تبقى لديهم من أعمال حتى ولو لم تكن ترقى إلى مستوى الحدث. وعلى الرغم من ذلك فإن عودة المودرن إلى فضاءات آرت دبي جعلت الجمهور والمقتنين وقبلهم الصحافيين والمثقفين وعشاق الفن يتمتعون بأعمال معلمين كبار من عيار الباكستاني رشيد أرائين. والمصري آدم حنين والسوري فاتح المدرس وآخرون.
أما فيما يتعلق بالفن المعاصر فإن القاعات العالمية التي حضرت المعرض تنافست في تقديم أعمال فنانين بلغوا الآن العالمية. وحتى وإن كان الزائر المعتاد على القاعات العالمية والملتقيات الفنية يعرف العدد الأكبر من الفنانين المعروضة أعمالهم فإن وجودهم بجانب أسماء آتية من عوالم وفضاءات لم نعهدها من قبل حتى في أكبر المعارض في المدن المعروفة تقليديا بعرض أعمال الفنانين العالميين جعلت آرت دبي يفتح لنا ذلك الفضاء العالمي الذي تبدو أمامه المعارض الأخرى وكأنها جهوية. إن أهمية آرت دبي تكمن في كونه لا ينطلق من الدفاع عن هوية أو عن استراتيجية وإنما، حسب ظني من مبدأين أساسين
1: الأول وهو الأساس وإن كنا لا نراه بالعين المجردة ولا نلمسه في العلاقات اليومية بالمنظمين وهو ‘البزنس’. فتظاهرة مثل هاته وفي مدينة مثل دبي لا يمكن أن تستمر في الزمان إذا لم تكن مدروسة من ناحية أساسها المالي ومن منطق الربح والخسارة.
2: الفن. وهذا ما يشتغل عليه ودون توقف ذلك الطاقم الشاب الذي لا يدخر جهدا في إبداع الأفكار والاستراتيجيات التواصلية لكي يصل الصدى إلى أقصى منطقة في العالم وحتى تسجل التظاهرة نفسها ضمن أكبر اللقاءات العالمية. ومن أجل الوصول إلى هذا وجب الرهان على العالمية في أقصى حدودها. قد يبدو في هذا الأمر نوع من المخاطرة لكن المنظمين استطاعوا تجاوزه بوصفة بسيطة جدا قلما نعثر عليها في الملتقيات الأخرى وتكمن في الانفتاح على قيمين (scurator) من ثقافات متعددة وجنسيات مختلفة. وهذا في نظري كان كفيلا وحده بأن يفتح دبي على العالم. إضافة إلى فكرة الرهان على الفن المعاصر لوحده في منطقة تتوسط العالم اليوم بين الغرب (أوروبا، أمريكا الشمالية والجنوبية) والشرق (الهند والصين) كقوتين فنيتين صاعدتين إن من حيث الإبداع أو من حيث الاقتناء. فأكبر مقتني الفن المعاصر يأتون اليوم من الصين والهند؛ يستثمرون في جميع أصناف الفن المعاصر ويضعون ثقتهم في النقاد والقيمين عكس مقتني الفني المودرن الذين كانوا يعتمدون على حدسهم وعشقهم للأعمال.
عندما نعرف أن لسوق الفن المعاصر ارتباطاً بسوق المال والرأسمالية العالمية يمكن أن نفهم كيف أن سوقا كسوق دبي الفنية كانت ضرورة وكيف أن نجاحها أيضا مرتبط بالسوق المالية النشطة بهذه المنطقة من العالم. هذا ما فهمه الطاقم المشرف على آرت دبي وهذا ما يبدو لي أن من اللازم على النقد الفني فهمه اليوم لمقاربة الأعمال. هذه المنطقة الناشئة بدأت تزحف على العالم حتى على المستوى الفني، وكأن منظمي آرت دبي استبقوا الأحداث ففتحوا الباب واسعا في الدورة الأخيرة على آسيا الوسطى وبلا د القوقاز. هذه البلدان التي توجد في مناطق تكاد تكون مظلمة من ذاكرتنا فاجأتنا بمستواها الفني الذي، حتى وإن كان مطبوعا بواقعها السياسي والاجتماعي الذي لا يختلف كثيرا عن المناطق التي ترزح تحت الديكتاتوريات، فإنه لا يختلف عن المستويات العالمية التي عهدناها في معارض بباريس لندن أو نيويورك.

*ناقد فني مغربي

موليم العروسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية