هل نشاهد دراما رمضانية في ربع نهائي دوري أبطال أوروبا؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: أوفت مواجهات ذهاب الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا، بكل الوعود، بعد استمتاع مئات الملايين في أنحاء المعمورة، بأربع سهرات ليلية من أفخم وأجود أنواع الفن الكروي الحديث، أسفرت نتائجها على الورق ومن ناحية المنطق والعقل عن ملامح أضلاع المربع الذهبي وأطراف مباراتي نصف النهائي، إلا إذا حكمت الساحرة المجنونة بقواعدها التي أحيانا تضرب بتوقعات أعتى خبراء ومحللي اللعبة عرض الحائط، أو بعبارة أخرى، إذا حدثت دراما رمضانية تحاكي ريمونتادا جعفر العمدة وبابا المجال والأجهر وباقي أبطال مسلسلات رمضان، الذين تسابقوا في إبهار المشاهدين في طرق «فن الرد» و«الأخذ بالثأر» بعد الخروج من النفق المظلم، وفي لغة كرة القدم، بعد خسارة الجولة أو الفرصة الأولى.

ملامح بطل

كما كان متوقعا، توجهت أغلب الأنظار نحو ملعب «الاتحاد»، حيث معركة تكسير العظام بين صاحب الأرض مانشستر سيتي وضيفه الثقيل بايرن ميونيخ، لكن ما فاق التوقعات بحق، أن ينحني العملاق البافاري بهذه الطريقة، وبثلاثية نظيفة، أو بصيغة أخرى، أن يستعرض الأصلع الكتالوني بيب غوارديولا، قوته المفرطة بهذه الصورة. واللافت أننا شاهدنا نسخة معدلة للإعصار السماوي، باعتماد المدرب على ثلاثة مدافعين صريحين في محور الدفاع هم روبن دياز وناثان آكي ومانويل آكانجي وأمامهم جوني ستونز، في مهمة مزدوجة، كلاعب وسط وهمي بجانب الاسباني رودري في مواقف الاستحواذ وشن الغارات، وكمدافع رابع في خضم لحظات ضغط فريق المدرب توماس توخيل، أو بالأحرى في أوقات التنوع والتنقل بين طريقتي لعب 3-2-4-1 و3-6-1، وشملت التعديلات الاحتفاظ بالعلامة الفارقة في دوري الأبطال الموسمين الماضيين على مقاعد البدلاء، والإشارة إلى رياض محرز، المعروف عنه صولاته وجولاته في ليالي الأبطال الكبيرة، ومع ذلك، جرت الأمور كما خطط لها بيب، بتألق مبهر ولافت للقصير البرتغالي بيرناردو سيلفا، في مركز الظهير الأيمن الطائر، ونفس الأمر ينطبق على صفقة السيتي الحقيقية هذا الموسم جاك غريليش، الذي يؤكد من مباراة الى أخرى أحقيته في تثبيت أقدامه في الجهة اليسرى، سواء في مركز الظهير الأيسر الطائر، كما فعلها أمام البايرن، أو في مركزه الأصلي كحلواني وموزع هدايا من نفس الجهة. لكن بالحديث عن الأسباب الجوهرية التي جعلت السيتي يضع قدما في الدور نصف النهائي بفوز مستحق بثلاثية نظيفة كانت قابلة للزيادة، سنجد أن أبرزها اللحظات الفردية للاعبين داخل المستطيل الأخضر، مثل صمود آكي أمام غارات ليروي ساني وجمال موسيالا في لحظات تفوق البايرن، إلى جانب عامل التوفيق والعبقرية في اتخاذ القرار، باللوحة الإبداعية التي رسمها الإسباني رودري في لقطة الهدف الأول، بمراوغة في البداية على طريقة عظماء صناع اللعب، ثم بمباغتة المغلوب على أمره الحارس سومر، بقذيفة يعجز حتى الحارس الاصطناعي على التصدي لها، وبقدمه اليسرى العكسية.
ودعونا نكون متفقين على أن السفاح إيرلنغ براوت هالاند، هو من تكفل بعد ذلك في تحطيم معنويات لاعبي بايرن ميونيخ، ردا على الاشاعات والأقاويل التي كانت تقلل من بصمته وتأثيره في المعارك الكبرى، وربط أهدافه وعنفوانه بالمباريات السهلة التي يخوضها السكاي بلوز محليا وفي دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، ليفحم المنتقدين والمشككين، ربما بأفضل أداء فردي منذ قدومه من بوروسيا دورتموند الصيفية الفائتة، بتحركات مرعبة في الثلث الأخير من الملعب، وتصرف يلامس المثالية بالكرة، ويكفي أنه تصرف بالكرة 15 مرة فقط، لكن منها العرضية العالمية التي سجل منها سيلفا الهدف الثاني، ثم رصاصة الرحمة الثالثة التي تكفل بها بنفسه في الربع ساعة الأخير. ولولا تألق الحارس سومر في أكثر من فرصة محققة، لانتهى اللقاء بمهرجان أهداف، خاصة بعد انهيار الفريق الألماني بدنيا وذهنيا في الشوط الثاني، ربما لعدم دراية توخيل بالمعدلات البدنية للاعبيه وحاجته لمزيد من الوقت لإيصال أفكاره وإستراتيجيته للاعبين، وربما لعلامات الاستفهام التي تحاصر العديد من اللاعبين، في ما تعرف بالهبوط الجماعي في مستوى الأساسيين، وفي مقدمتهم صاحب الهفوة التي جاء منها الهدف الثاني أوباميكانو، ومثله الجناح الألماني سيرجي غنابري، الذي يمر بأتعس أوقاته في مدينة المحركات الفارهة، بسوء توفيق غريب في إنهاء الهجمات، وأسوأ منه ليروي ساني، الذي تفنن في قتل معنويات زملائه، بالفرصة السهلة التي أهدرها قبل انتفاضة بطل البريميرليغ في الأوقات الفاصلة، ناهيك عن إخفاق السنغالي ساديو ماني في القيام بالدور الذي جاء من أجله، بالاقتراب من حصيلة أهداف كبير الجلادين السابق البولندي روبرت ليفاندوسكي، وخروج توماس مولر من الصورة، بتحوله إلى مجرد لاعب بديل غير مؤثر، على عكس المان سيتي، الذي أقنع فئة عريضة من النقاد والمشجعين، بقدرته على تحقيق ما هو أعمق من كلمة «الذهاب لأبعد مكان»، باعتباره الفريق الأكثر ابتكارا وحدة في الثلث الأخير من الملعب، والأفضل من حيث التنظيم الدفاعي وارتكاب الهفوات الفردية، ما يعني أنه كما أشرنا في البداية، أن وصول السيتي إلى نصف النهائي أصبح مجرد مسألة وقت، إلا إذا حدثت دراما في «آليانز آرينا»، تفوق إثارة الحلقات الأخيرة في مسلسلات رمضان.

العقاب المدريدي

لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد. مارس ريال مدريد هوايته المفضلة، بإدخال كل معاني البهجة والسعادة على مشجعيه، بانتصار اقتصادي على تشلسي بثنائية كريم بنزيمة وأفضل بديل في العالم ماركو أسينسيو، في مباراة متقلبة الأطوار، كان من الممكن أن تأخذ منحنى آخر في أول ربع ساعة، لولا التفاصيل البسيطة، التي أبقت النتيجة على البياض، مثل براعة الحارس تيبو كورتوا، التي ظهرت في تصديه لفرصة البرتغالي جواو فيليكس، تلك الفرصة التي أتيحت 10 مرات لمهاجم مثل محمد صلاح أو هالاند أو مبابي أو آخر من فئة الصفوة، لما تفنن في إهدارها بهذه الطريقة، أولا بتكاسله في ركضه على الكرة، مانحا الوقت للبرازيلي ميليتاو للتضييق عليه في التصويب، وأخرى أنقذها بردة فعل عجيبة من رحيم ستيرلنغ داخل منطقة الست ياردات، ليتكرر المشهد المعتاد لسهرات النادي الملكي في مبارياته المفضلة في منتصف الأسبوع، بعقاب فوري من كريم بنزيمة، تاركا بصمته الحادية عشرة على التوالي في دوري الأبطال بالتخصص في كبار البريميرليغ، بواقع 5 في شباك تشلسي و3 في السيتي ومثلها في ليفربول، في المراحل الإقصائية الموسم الماضي والحالي، من أصل 20 هدفا في تاريخ مواجهاته أمام أندية إنكلترا، ومع تقدم ريال مدريد في النتيجة، انقلبت المباراة رأسا على عقب، أو من دون مبالغة، تحولت إلى مباراة من طرف واحد، بما يمكن فرض سيطرة وإتاوة من قبل الثنائي العبقري توني كروس ولوكا مودريتش على دائرة الوسط، خاصة بعد وصول الدعم في الوقت المناسب، بضم واحد من الظهيرين داني كاربخال أو كامافينغا، لضمان الزيادة العددية في معركة الوسط، أمام ثلاثي البلوز نغولو كانتي وماتيو كوفاسيتش وانزو فيرنانديز، وهي اللقطة التكتيكية التي تسببت في الهدف الأول، بافتكاك موفق انتهى بالعرضية التي أرسلها داني كاربخال من عمق الملعب لفينيسيوس جونيور، لتصل في النهاية لجلاد حراس مرمى أندية البريميرليغ. وفي المقابل، ظهر التفكك على لاعبي تشلسي، بمحاولات عنترية، مجرد اجتهادات وقرارات شخصية تارة من رحيم وتارة من جواو وكذا البدلاء في الشوط الثاني، مقارنة بحالة التناغم والتفاهم بين لاعبي الريال، مثل الجمل الرائعة بين بنزيمة ورودريغو غوس، وطريقتهما في التحرك بعد تمرير الكرة، لاستلامها داخل منطقة الجزاء، ضمن الأساليب المتنوعة التي استخدمها الإيطالي كارلو أنشيلوتي لترويض الأسود اللندنية، بما في ذلك الشارع الذي فتحه فينيسيوس باسمه في جهة اليسار، بتفوقه الكاسح على ويسلي فوفانا في كل المواجهات المباشرة بينهما.

نقاط فاصلة

سرعان ما تلاشى الخوف المدريدي من هاجس شخصية تشلسي المضطربة في دوري الأبطال، على غرار نسخة 2012، عندما خالف كل التوقعات وتوج بالكأس ذات الأذنين، في واحد من أتعس مواسمه المحلية، وبالمثل ما حدث في معجزة طيب الذكر توماس توخيل في العام قبل الماضي، وذلك بعد ظهور الفوارق الفردية والجماعية بين الفريقين، مع انطفاء الحماس اللندني في الشوط الثاني، وما زاد الطين بلة بالنسبة للمدرب فرانك لامبارد، الذي طار إلى «سانتياغو بيرنابيو»، بحثا عن الخروج بأقل الخسائر الممكنة، مثل ما حدث مع المدافع كاليدو كوليبالي، بتعرضه لانتكاسة تسببت في خروجه مع بداية الشوط الثاني، وتبعته الهفوة الفردية الساذجة التي ارتكبها المدافع بن تشيلويل في تهوره على رودريغو غوس على خط منطقة الجزاء، ليجبر فريقه على خوض نصف ساعة كاملة بعشرة لاعبين، ويمكن القول إنها كانت اللحظات المفصلية في المباراة، مع تأخر سوبر فرانك في معالجة الخلل في وسط الملعب، الذي استباحه مودريتش وكروس قبل خروج الأخير ونزول تشواميني، بعد إدراكه لاستحالة مواصلة اللعب بالدفاع من وسط الملعب، وبدون مبادلة المنافس الهجمات من وقت لآخر، وحدث ذلك بعد إشراك كاي هافيرتز وكالاغر في آخر 20 دقيقة، لكن من سوء طالعه، أن التحسن الطفيف جاء بعد فوات الأوان، بعد استقبال الهدف الثاني من أسينسيو، الذي جسد معاناة الفريق اللندني والمشروع بأكمله، بتلك الصور الساخرة التي تداولها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، بوجود تسعة لاعبين بالقميص الأزرق داخل منطقة الجزاء، جميعهم اكتفوا بمشاهدة أسينسيو وهو يسدد الكرة بكل هدوء وأريحية على يمين الحارس المسكين كيبا، استكمالا لمعاناة البلوز هذا الموسم بوجه عام وفي المباريات العشر الأخيرة بالأخص، حيث اكتفى الفريق بتسجيل ما مجموعه ثمانية أهداف فقط، منها هدفان فقط في آخر خمس مباريات، ما يعكس صعوبة ومشقة المهمة التي جاء من أجلها أسطورة النادي كلاعب، ولو أن كل ما سبق، لا يقلل من مخاوف الجمهور المدريدي، بعد مشاهدة أكثر من لقطة، كانت كفيلة بخلق كثير من التوترات قبل رحلة «ستامفورد بريدج»، لعل أكثرها خطورة على أصحاب القلوب الضعيفة، تلك التي أنقذها أنطونيو روديغر وهي في طريقها الى شباك كورتوا في الوقت المحتسب بدلا من الضائع، ولنا أن نتخيل لو نجح ماسون ماونت في تسجيل تلك الفرصة في الثواني الأخيرة؟ من المؤكد أن الحسابات كانت ستتغير 180 درجة قبل صدام العودة بعد غد الثلاثاء.
بوجه عام وبلغة المنطق، يمكن القول إن الريال سيحلق فوق سماء «ستامفورد بريدج» بعد غد، لخوض مباراة تندرج تحت مسمى «تحصيل حاصل»، والأمر لا يتعلق بالحالة المأساوية التي يعيشها تشلسي جراء تخبط الإدارة، واعتمادها على سياسة لا تتماشى مع قواعد وأساسيات مشاريع كرة القدم الحديثة، بالتعامل مع الفريق على أنه حقل تجارب سواء للمدرب أو اللاعبين، بل لما هو واقع على أرض الملعب، بتفاوت الفرص بين فريق يُضرب به المثل في الجماعية والإبداع الفردي، وآخر مفكك وبلا ملامح أو شخصية داخل المستطيل الأخضر، وأسوأ من هذا وذاك، يملك واحداً من أسوأ خطوط الدفاع في أندية الصفوة في أوروبا، هذا ولم نتحدث عن الكاريزما والهيبة التي تنزل من السماء على لاعبي ريال مدريد بمجرد سماع أنشودة «ذا تشامبيونز»، تشعر وكأنهم فريق آخر غير ذاك الذي يتفنن في إحباط جماهيره في حملة الدفاع عن لقب الليغا، متسلحا بالنسخة الرمضانية المخيفة لبنزيمة وما يقدمه مودريتش وكروس من خيال علمي في مثل هذه الليالي، بإعطاء الفريق أفضلية والكثير من الحلول غير التقليدية في الثلث الأخير من الملعب، كما كان يستمتع الجمهور الكتالوني بثنائية تشافي هيرنانديز وأندرياس إنييستا في عصر بيب غوارديولا الذهبي. ما يعني أن مؤشرات النتائج والأداء في مواجهات الذهاب، تخبرنا أننا سنكون على موعد مع قمة ثأرية جديدة بين اللوس بلانكوس والمان سيتي في نصف النهائي، إلا إذا حدثت ريمونتادا تاريخية في «آليانز آرينا» و «ستامفورد بريدج»، بينما في الجهة الأخرى، فبنسبة كبيرة سنكون على موعد مع صدام بالصبغة الإيطالية الخالصة، بعد نجاح الإنتر في قهر بنفيكا بثنائية نظيفة في عقر داره ملعب «النور»، وفي الموقعة الإيطالية الأخرى، فعلها ميلان مرة أخرى، بفوز مستحق على نابولي بهدف نظيف في ذهاب «سان سيرو»، وذلك بعد أيام قليلة من فوز الروزونيري الدرامي في ملعب «دييغو أرماندو مارادونا» برباعية مذلة في الكالتشيو، فهل سيواصل ميلان تفوقه على الحصان الأسود في إيطاليا وأوروبا ويضرب موعدا مع الغريم الأزلي في المدينة في نصف النهائي الآخر؟ أم سيكون لفقراء الجنوب رأي آخر؟ هذا ما سنعرفه عندما يُسدل الستار على مواجهات إياب ربع النهائي مساء الأربعاء المقبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية