في كل رمضان تبقى الأسئلة نفسها، بل تكبر حول محتوى البرامج والدراما، التي تُستهلك في هذا الشهر الفضيل، وتزداد الانتقادات وتكبر الاحتجاجات لدرجة الدعوة لمقاطعة هذا البرنامج أو ذاك، لكنها برامج تصر أن تزيد من تلك البهارات الحارة، التي تلسع. محتويات لا ترقى بالذوق العام ولا بمستوى الشهر الفضيل وتكرس الكثير من الكليشيهات والصور النمطية عن المجتمع وفئاته.
في المغرب تتعرض برامج “الكاميرا الخفية” على القنوات العامة والمسلسلات الفكاهية حاليا لانتقادات كثيرة على أنها ساذجة ومتصنعة ونمطية، وكذلك ومفبركة.
رشيد علال يتنكر للإيقاع بضحاياه من خلال برنامجه “مشيتي فيها”، وفي كل مرة تُنتقد هذه البرامج يزداد الإصرار على عرضها، ويرتفع عدد مشاهديها، إذ تصبح الانتقادات معابر تروج لبضاعة قد تكسد إن لم تتعرض لأي متابعة كانت.
لذلك يزداد التعنت والهبل في الولوج الى الخصوصيات، وكشف ما يمكنه أن يكون سبقا أو صيحة، حتى وإن كان ذلك باتفاق مسبق من الجميع، فقط لخداع المشاهد والاستخفاف بعقله.
لكن المشاهد في نهاية المطاف يبلعها بمزاجه. ولم تعد خافية عليه كواليس مثل هذه البرامج وغيرها. وكأن رمضان بدون كاميرا تسمى مخفية لا طعم له!
قد يعول على مسلسلات كسرت رتابة المواضيع، مثل “الزعيمة”، الذي يصور حياة وكفاح امرأة واجهت مختلف الصعاب، من طلاق ومغادرة لقريتها لتلتحق بالدار البيضاء وتصبح رئيسة حزب سياسي.
الفيلم يصور وضعية وحياة ومعاناة نساء من فئات عمرية ومن أوساط اجتماعية متفاوتة ومختلفة. المسلسل من إخراج علاء أكعبون، وتأليف غيثة قصار وتمثيل مريم الزعيمي، ومن انتاج قناة “دوزيم”.
إضافة الى الجزء الثاني من مسلسل “رضا الوالدة”، الذي تعرضه القناة الأولى والمقتبس من أحداث واقعية ومن معاناة الشباب المغربي من البطالة، رغم الشهادات الجامعية المركونة جانبا. حيث يتوجه البطل نحو الأعمال الحرة، ويجد نفسه في السجن، ثم يتحول إلى مبتز لعائلة غنية.
المسلسل من بطولة راوية وسعدية ازكون ومالك أخميس. هي مسلسلات تتنافس مع الماضي لا يموت، الذي يعرض على القناة الأولى. ومسلسل “قصر الباشا”، الذي يعرض على قناة “دوزيم”.
عنف الدراما من عنف الواقع
على القناة الجزائرية الأولى، تناقش الإعلامية والكاتبة فتيحة الشرع، فكرتها التي صرخت بها، من خلال صفحتها على فيسبوك، في وجه صناع البرامج الرمضانية قائلة: حرروا رمضان من عنف عدساتكم، وتركز في هذه الصرخة على الترويج لصورة المرأة وإدخالها في خانة ضيقة، إما هي عنيفة أم مغنية ملاهي أو هستيرية ودائمة الشجار!
وتتساءل عن سبب مغازلة المنتجين للعادات والتقاليد البالية. ووجهت انتقادها الى تقاعس سلطة السمعي البصري أمام ما أسمته التهديد الحقيقي للذاكرة البصرية للأجيال بسبب الصور المشوهة عن المرأة.
استضافت فتيحة في برنامجها إعلاميات ومختصات في الإعلام لمناقشة هذا الموضوع، على أمل إعطاء تشخيص للظاهرة حتى تكف الكاميرات أذاها عن النساء والمشاهد والناشئة كي لا يتوالد العنف ضد النساء في الفضاء الأسري والعام، وحتى تتقلص التصورات الدونية للمرأة. إعلامية تركز على البيئة كذلك وتحارب من أجل محيط نظيف، ترفض تلوث المحيط الثقافي وتلوث الذوق لدى الأجيال الناشئة، وحتى فساد هذا الذوق لدى الكبار. تناضل في الميدان والقلم، وهذا هو جوهر الإعلام.
“بابيشة”: سينما على ذوق النخب
“بابيشة” الفيلم الجزائري – الفرنسي – البلجيكي الصاعد إلى مهرجان كان، ينقل المشاهد من هناك. ثم هنا لاحقا إلى فترة التسعينات الحمراء الدموية، من خلال معاناة ومقاومة النساء، والشابات منهن في مواجهة التطرف الديني، الذي غزا كل الفضاءات، ومنها الأحياء الجامعية، والبطلات لسن سوى طالبات يتعرضن للعنف لفظا وكتابة على الجدران. العنف المصور في “بابيشة”، الفتاة التي تحب “التّبييش” بحكم رغبتها في أن تصبح مصممة أزياء، تنزل عليها صواعق التهديد بالتحجب أو القتل. موضوع من مواضيع تستهوي الإرهاب، لكن ضحاياه قليلة جدا مقارنة بالآلاف الذين قتلوا من فلاحات وقرويات لم يشفع لهن تحجبهن وهشاشة ظروفهن لدى القتلة. صورة نمطية تكرسها سينما ما وراء البحر لتضاف للجدل الكبير حول غطاء الرأس والنقاب. الخ.
لم تستسلم “البابيشة” بفضل المساندة من صديقاتها ومحيطها، وواصلت مشوارها ووجدت في الحايك الملجأ في الخروج من أزمة التغطية من عدمها. الحايك غطاء المرأة الجزائرية، الذي يسوق له بعدما كان لسنوات قبل بروز أي تطرف ديني، رمزا لتخلف المرأة ورجعية المجتمع، أصبح يوظف كحاجز أمام مد الحجاب والزي الوهابي الأفغاني. الحايك الذي يوصف بالجمال واحترام تقاليد المجتمع، والذي يبدي زينة للمرأة لم يكن بهذا الشكل، فلقد تطور كغيره من الأزياء وانفجر في الستينات ليواكب موضة اللباس عامة. ولكن قبلها لم تكن تظهر للمرأة غرة ولا ساق. كان يغطيها بإحكام، بإضافة ما يسمى بـ”العجار”. أو نقاب. للتوضيح يطلق على العجار النقاب أيضا، بينما في الوقت الحالي أصبحت الكلمة مخيفة وبعبعا وتهدد الذوق الرفيع. وهذه نمطية أخرى تضاف لـ”البابيشة”. لكن رغبة “بابيشات” الفيلم الحالمات على “السجادة الحمراء” في تكريس رؤية جمالية تقترب من الرؤية الاستشراقية والغربية يروج للفيلم بشكل كبير ويقولب الذوق والاستهلاك في هذا الاتجاه. يختلط الديني بالسياسي بالإيديولوجي ضمن زخم ثقافي باهت. والسينما بتوقيع المرأة تأليفا وإخراجا (مونيا مدور) وبطولة مطلقة (شيرين بوتلة، لينا خودري، أميرة هيلدا وناديا قاسي ومريم مجقان) مطلوب من جهات عديدة، من النخب الجزائرية لفك عقدة السينما ورؤيتها الذكورية، وإن لم يخرج فيلم بابيشة عن تصور الذكور لجسدها ولطموحها، ومن متابعين في الخارج ممن تشكل لهم مثل هذه المواضيع استفتاء داخليا يكرس توقعاتهم.
“بابيشة” لفظ ذكوري بين الفظاظة واللطافة يستعمله من لا شغل لهم سوى معاكسة الفتيات في الشارع. لفظ لا يعبر تماما على السياق العنيف للفيلم. هل كانت “البابيشات” لتبرز في “كان” لو أنتجت بمعايير وتقنيات جزائرية فقط ودون حرية حركة ولباس البطلات؟!
“زنقة الريح”: رومانسية ليبية
مسلسل ليبي ضخم بدأ انتاجه العام الماضي للمخرج الليبي أسامة رزق والكاتب عبد الرحمن حقيق والمنتج وليد اللافي، والذي ضم 250 فنانا من ليبيا وتونس وسوريا. يرى مخرجه أنه نقله نوعية في تطور الصورة ومحتواها. تدور أحداث القصة في طرابلس عام 1945، يعرض المسلسل الحياة في المدينة والتعايش، الذي كان موجودا بين سكانها من مسلمين ويهود ومسيحيين وإيطاليين وانكليز ويونانيين، بالرغم من اختلافاتهم الكثيرة، وكيف ينحاز المستعمر الإنكليزي للأجانب على حساب سكان البلد. ولتحقيق هذا الحلم الدرامي الكبير اضطر المخرج لجولات وتنقلات كبيرة للتعاقد مع شركات فرنسية لتأجير الملابس والمعدات والأسلحة والاكسسوارات التاريخية المناسبة لتلك الفترة من تاريخ ليبيا والعالم لتصوير المسلسل.
توجه أهل الفن في المغرب، سواء في الجزائر أو ليبيا وغيرها للاستنجاد بالخبرات الأجنبية – تركية وإيرانية وفرنسية – وغيرها أصبح شائعا ومستساغا من أجل نوعية عالية للمنتج الفني. كيف نلجأ للخبرات الأجنبية والايجار ودفع ثروات طائلة لإيجاد ملابس فترة الأربعينات وغيرها. لم يعد لدينا جراء النهب المنظم، الذي قام به الاحتلال لتراثنا المادي، معرفة عميقة بأكلنا ولباسنا وأدواتنا المستعملة في شتى مجالات الحياة. فلولا متاحف ومقتنيات الخواص الأجانب لبقينا فعلا في مهب الريح والجنون. لكن الظروف التي مرت بها بلداننا من استعمار وتدمير جعلتنا نفقد هويتنا الفعلية الموجودة في المتاحف الأوروبية. نعم أجيال بأكملها قطعت حبل الود والوصل عن تراثها المادي، ولم تعد تعرف شيئا عنه. فكيف نتشدق بفهم تراثنا اللا مادي في غياب دعاماته المادية ولحقب طويلة، وهل يحق للدول المستعمرة أن تحتفظ بذلك التراث الكبير لكامل افريقيا والذي نهبته نهبا منظما؟
لا يمكن للإبداعات الفنية أن تصبح ذات قيمة وجودة إلا إذا لجأت لجوءا سياسيا وفنيا للخارج، والذي يضرب ضربته ويسوق لنا ثقافتنا بأثمان خيالية. يبيع لنا جزءا معتبرا من هويتنا الموجود عنده، ونترك نحن للصراعات الهوياتية المزعومة. زنقة الريح عمل ليبي جميل ومريح للعين، كل ما نرجوه أن يخرج ليبيا من صراعاتها وأعاصيرها بمساعدة أشقائها.
كاتبة من الجزائر