هل هي بداية تاريخ؟

أمّا التاريخ اليوم حيث يستفحل وباء الكورونا، وربّما قديما فهو سياسة، وهل السياسة إلاّ مثل الحياة كرة في كرة؟ مرّة في ملعبك ومرة في ملعبي؟ ولكنّها أحيانا كثيرة خارج الملعب أو في حجرات الملابس أو في الكواليس. ومن هذه الكواليس مجلس الأمن ومنظّمة الأمم المتّحدة والمنظّمة العالميّة للصحّة. وقد يتراكض اللاعبون ويتدافعون؛ والحَكَم يركض ويصفـّر، وليس في الملعب كرة أصلا أو ربّما هناك كرة لا مرئيّة تلعب بهم، هي هذه الكورونا. نعم قد يكون هناك لعب من دون كرة. وهو لمن لا يعرف فنّ لا يدركه إلاّ الرّاسخون في السياسة. وهل هذا اللعب في الظلام، سوى فنّ “التدافع” بين الصين وأمريكا والدائرين في فلكيهما من دول الغرب والشرق؟ وعليك أن تجد مفتاح الضوء، فإن تعذّر فليس لك سوى أن تتلصّص من ثقب الباب، وتعلم أنّ ما تراه وقتيّ داثر؛ أنّ الذي لا يُرى هو الأبديّ الباقي، أنّ ما يحدث في العالم هنا/ الآن، ليس غريبا بالمرّة. وها هم البشر يفضحون أنفسهم بأنفسهم بهذه الكمّامات على وجوههم؛ ويختفون وراء فضيحتهم؛ وراء هؤلاء الساسة البؤساء وعلى رأسهم ترامب. ومن يدري فلعلّها البشريّة تغتسل في ماء تاريخها، عسى أن تتحرّر من تاريخها.

يتساءل أهل الفلسفة كلّما تعلّق الأمر بفلسفة التاريخ أو حتى بتاريخ الفلسفة ما إذا كان للتاريخ بمعنى الواقع التاريخي أو معرفة الماضي معنى، وما إذا كان بالإمكان فهمه أو وعيه أو تفسيره؛ أو الاستئناس به في بناء عقلانيّة الخطاب التاريخي، أو النأي به عن كونه أشبه بقصّة لها بداية ووسط ونهاية “أخلاقيّة”. وكأنْ لا معنى للتاريخ سوى ظهور الأخلاق أو الإعلاء من شأنها، وتحقيق “الطبيعة/ الطبائع الإنسانيّة” على قلق هذه العبارة. وليكنْ فالمؤرّخ هو الذي ينشد معنى للتاريخ، أو هو الذي يستشعر أنّ للتاريخ وجودا؛ وقد لا يكون هناك واقع تاريخيّ أصلا، إذ هو بناء يُهدم ويبنى ثانية؛ وهكذا دواليك في عود أبديّ لا ينقطع، وليس مجرّد سرد لوقائع وأحداث استئناسا بوثائق وشهادات وآثار. وإذا كان ثمّة “حقيقة” تاريخيّة، فهي بناء أو هي حقيقة مرجأة أبدا؛ ما دامت ذاتيّة المؤرّخ هي التي تصنع الحدث؛ وهو حدث لا وجود له إلاّ في نصّه حيث تختلط الدسائس والمكائد والمؤامرات أو هي تنتظم في حبكة أشبه بحبكة المسرحيّة أو الرواية البوليسيّة شخصيّات وممثّلين، وحيث يندمج كلّ شيء في نوع من السرد يمكن أن نصفه بـ”البراغماتي” أو “الذرائعي” يُردّ فيه الحدث إلى الاختبار والتجربة، دون فصل بين العقل والحسّ أو بين العمل والفكر، أي جعل التاريخ في خدمة الحاضر؛ وليس استخلاص دروس منه حتى إذا استشعرنا لمح صلة أو أوجه شبه بين الماضي والحاضر.

في مخطوطة “تحصيل الغرض القاصد في تفصيل المرض الوافد” المنسوبة إلى الأندلسي أحمد بن علي بن خاتمة (1349م)، وقد تُرجم قسم منها إلى الألمانيّة؛ ينقل الباحث التونسي أحمد السعداوي في مقاله المتميّز “المغرب الإسلامي في مواجهة الطاعون: الطاعون الأعظم والطواعين التي تلته في القرنين 8هـ/ 9هـ/ 14م/ 15م” (مجلّة إبلا 1995) عن ابن خاتمة أنّ مصدر الطاعون سباسب آسيا الوسطى، ويعزّز ذلك بشهادة تاجر مسيحيّ وافد من سمرقند، أخبره بظهور الوباء في تلك المناطق، فانتقاله إلى الصين، فبلاد فارس فالعراق فالأراضي التركيّة. وهو ما يؤكّده ابن حجر العسقلاني في مصنّفه الشهير “بذل الماعون في فوائد الطاعون” (محقّق ومنشور) إذ يقول إنّ هذه السباسب كانت مخزنا للأوبئة، ومنها انتشرت نحو الهند والصين، فالشرق الأوسط، فحوض البحر المتوسّط. ونقف على مثل هذا أيضا عند ابن بطوطة الذي يذكر أنّ أمّه ماتت بهذا الطاعون عام 1349م بمدينة تازا بالمغرب الأقصى؛ وعند محمّد بن عبد الله بن الخطيب في “مقنعة السائل عن المرض الهائل” وهو يقول إنّ الطاعون الأعظم ابتدأ بأرض الصين عام 1349م، ويقول وكأنّه يصف فيروس الكورونا، إنّه “يتعلّق بالناس تعلّق النار بالحلفاء والهشيم بأدنى مُلابسة، من إلمام بمريض أو ربّما بمباشرة ثوبه أو آنيّته”. ويذكر هؤلاء أنّ انتشار الوباء إنّما حملته إلى بلاد المغرب والأندلس أو “الغرب الإسلامي” السفن القادمة من الشام ومصر وإيطاليا عام 1347م، فاكتسح مدينة تونس حيث كثرت الوفيات وعمّت الفوضى. ويذكر ابن خلدون وهو الذي فقد والديه وبعض شيوخه بسبب الوباء، أنّ الطاعون أتى في بعض المناطق على ثلث السكّان، وفي بعضها على نصفهم؛ وأنّه كان يموت يوميّا 1000 شخص، وفي تلمسان 700 وفي بلنسيّة 1500 وفي مالقة 1000 “حتى خلت الدور وعمرت القبور”. والحقّ أنّ ابن خلدون جدير بوقفة أعمق في هذا السياق، وهو الذي يشبّه الطاعون بكارثة الغزو الهلالي إذ “انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه، وتبدّلت بالجملة”، وهو يسمّيه “الطاعون الجارف” الذي نزل بالعمران شرقا وغربا، وطوى محاسنه، وأتى الدول على هرمها فأوهن من سلطانها، وخربت الأمصار والمصانع. يقول وكأنّه مؤرّخ معاصر يستشرف عالم ما بعد الكورونا: “فكأّنّما تبدّل الخلق من أصله، وتحوّل العالم بأسره، وكأنّه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث.” وثمّة شواهد وشوارد غير قليلة تغري بعقد المقارنة كلّما تعلّق الأمر بالأوبئة والطواعين، بين الماضي والحاضر، مثل وصف هؤلاء المؤرّخين والرحّالة الذين كانوا واسطة العقد بين المجتمعات والثقافات، لما ترتّب عن الطاعون أو الوباء من بوار الزرع ومحصوله، وإهمال الدواب والمواشي، وندرة الغذاء والمجاعة وارتفاع الأسعار. واللافت حقّا ما يذكره الحسن الوزّان المعروف بـ”ليون الإفريقي” من أنّ الوباء “يظهر في بلاد البربر على رأس كلّ 10 سنوات أو خمس عشرة سنة أو خمس وعشرين سنة؛ وعندما يأتي يذهب بالعدد العديد من الناس”. وهو عنده ينتشر في المناطق الشماليّة “أرض البربر” أكثر من المناطق الجنوبيّة الصحراويّة “نوميديا”؛ وأنّ المُصاب الذي يتعافى، يكتسب حصانة ضدّ الوباء، الأمر الذي قد يفسّر حصانة جيل بأكمله. وكذلك تحليلهم للعوامل التي تحدّ من انتشار الوباء مثل الجبال وامتداد الصحارى وضعف الكثافة السكّانيّة، مثل جبال الأطلس وجبال الريف وجبال القبائل، أو لعوامل انتشار الوباء مثل الموانئ (تونس وبنزرت والمهديّة وسوسة والجزائر ووهران وسبتة وطنجة) أو المدن القريبة من الموانئ (قسنطينة وتلمسان وفاس ومرّاكش) والطرق البريّة وقوافل الحجّاج وزيارة الأضرحة والأولياء وإقامة الشعائر الجنائزيّة وعيادة المصابين. وبالرغم من أنّ رؤية بعضهم للطاعون كانت أسطوريّة إذ كانوا يعتقدون أنّه من طعن الجنّ أو هو سهام يرميها الجنّ، وأنّ الوباء تعفّن الهواء؛ فهذا إنّما مردّه إلى غموض الأوبئة كما هو الشأن عندنا اليوم مع الكورونا. وهذا الغموض هو الذي رسّخ فيهم فكرة العقاب الإلهي. على أنّ لبعضهم رؤية عقلانيّة لا تخفى مثل ابن الخطيب الذي يدفع بالحجّة قول القائلين بانتفاء العدوى احتجاجا بالنصّ الديني “فإن قيل كيف نسلّم دعوى العدوى وقد ورد الشرع بنفي ذلك، قلنا وقد ثبت وجود العدوى بالتجربة والاستقراء والحسّ والمشاهدة”. وكذلك إشارته الدقيقة إلى أنّ الطاعون يصيب الفقراء أكثر من الأغنياء: “الطاعون بالضعفاء وأهل الشظف أفتك… لأمور منها أماكن المباشرة لمضائه من المرضى والجنائز والأثواب والآلات. ومنها ضيق المساكن والتراكم وسوء التدبير وعدم التحفّظ وقلّة التيقّظ لفشوّ الجهل…” والحاصل أنّ تشابه الأحداث والوقائع بين الماضي والحاضر لا يعني تطابقها تماما، فالحدث التاريخي يظلّ فريدا من نوعه، وهو لا يتكرّر؛ حتى وإن أوهمنا بذلك. والأجدى في هذا السياق هو البحث في “تاريخ التاريخ”، ومدى صحّة الوثائق والآثار والشهادات، وتدقيق الأسانيد والمتون أو ما يسمّى “الجَرح والتعديل”؛ بدل محاولة استخلاص العبر والحِكم وضرب الأمثال. ومن هذا الجانب قد يُسوّغ الرأي القائل بأنّه من الصعوبة بمكان أن تقرّر ما إذا كانت إحدى الحقائق تاريخيّة وأن الأخرى هي حكاية مآلها إلى النسيان والزوال. فما حدث وما يحدث هو تاريخيّ بشكل من الأشكال أو هو بداية تاريخ.
كلّ ما يمكن تقريره بشيء من الحذر أنّ الواقع التاريخي موضوعي وموجود بشكل مستقلّ عن صانعيه؛ بل إنّ صانعيه هم صنيعة تاريخ، الأمر الذي يضفي على التاريخ معنى ما. بل يجعله يلتوي، ولا يجري في خطّ مستقيم؛ والزمن ليس خطّيّا وإنّما هو ثقافيّ أو لولبي. والمفهوم الخطّي مفهوم دينيّ كما هو الشأن في المسيحيّة والإسلام.

ويبقى التساؤل ما إذا كان التاريخ علمًا، قائما أو مطروحا؛ لأنّ ما يميّز العلم إنّما هو الحياد التام والموضوعيّة وغياب الذاتيّة. والمؤرّخ ملزم بالأمانة وليس بالموضوعيّة، إذ ليس بميسوره أن يتحلّل من عصره ومن فكره، ومن ثمّة يتعذّر أن يكون وعي التاريخ وعيا في التاريخ.

  • كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية