هل هي غائبة عرضاً أم مغيبة قصداً؟ آدابنا العربية والانتشار العالمي

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

قد يخطر على البال أحياناً سؤالٌ يصعب الحصول على جواب عنه: أين تقع آدابنا العربية من آداب الأمم الأخرى المكتوبة بلغات أهلها؟ فعلى الرغم من القائمة الطويلة من أسماء الكتّاب والأدباء العرب وأعمالهم، لا نجد حتى اليوم من فاز بجائزة نوبل في الآداب سوى نجيب محفوظ، ومؤخراً عبد الرزاق قرنة التنزانيِ من أصول عربية يمنية، المقيم في بريطانيا منذ أول شبابه ويكتب بالانكَليزية.
يا ترى هل أن الأعمال الأدبية العربية غائبة عن الأكاديمية السويدية عَرَضاً، أم أنها مغيَّبةٌ عن قصد، بفعل فاعل؟ قرأتُ مرّةً أن أحد الأدباء العرب كان في زيارة إلى مؤسسة جائزة نوبل وطلب أن يرى المكتبة، فهالَهُ أن يجد العدد القليل جداً من الكتب العربية. هذا إلى جانب الأعداد الهائلة من مؤلفات الأدباء من أوروبا وأمريكا الشمالية والجنوبية ومؤلفات بعض الأدباء من آسيا والصين واليابان. والكثير من هذه الأعمال بلغات أهلها، والقليل منها مترجمة إلى الإنكَليزية، اللغة الأكثر شيوعاً في العالم.
والسؤال الآخر: كيف تُعطى الجائزة، ومن الذي يُرشِّح لها؟ قرأنا مرَّةً أن أحد كبار الأدباء الفرنسيين قد رشح الدكتور طه حسين لجائزة نوبل في الآداب. ولكن الخبر تلاشى ولم يعد أحد يسمع به. وعلِمنا كذلك أن الكاتب والفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر قد رفض تسلّم الجائزة عام 1964 لأسباب لا تبدو منطقية بالنسبة لكثير من الناس. أما نجيب محفوظ الذي نشر أكثر من 50 كتابا منها 33 رواية، فقد اختارت الأكاديمية السويدية رواية «أولاد حارتنا» ومنحته على أساسها نوبل للآداب. هنا فرح الناطقون بالعربية من ذوي الاهتمامات الأدبية، وفي الوقت نفسه ثارت حول الكاتب وروايته بعض التقوّلات التي دفعت ببعض المتطرفين إلى مهاجمة الكاتب جسديا ومحاولة قتله، بدعوى أنه تعرّض في روايته للذات الإلهية؛ كما أشيع أن جهات إسرائيلية نافذة هي التي قامت بالترشيح ودعمه.
وهذه الملاحظة الأخيرة تدعو إلى الشك وإلى طلب ما قد يؤدي إلى دعم ذلك الشك. يَذكر الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم في سيرته الذاتية بعنوان «إنها مجرّد منفضة»، وهو الكتاب الذي ترجمتُه إلى الانكَليزية ونشرَته دار «أوستن ماكولي» في لندن عام 2019، أن إسرائيل قد عرضت عليه جائزة الدولة في الآداب، التي رفضها فوراً، فقالوا له إن قبولك بهذه الجائزة سوف يوصلكَ إلى الترشيح لجائزة نوبل، ومبلغها كبير. فأجابهم بسؤال: هل يكفي ذلك المبلغ لتصليح أسناني؟ فإذا كان لإسرائيل هذه القدرة على الترشيح لجائزة نوبل فلا نستغرب أن يظهر بعد قليل كُوَيتِب أو شوَيعر من بلد صديق جديد لأبناء العمومة يرشحونه لجائزة نوبل في الآداب…وسينالها فِعلاً…
ولكن هل أن ترجمة العمل الأدبي العربي إلى اللغة الإنكَليزية أو الفرنسية مثلا ضروري للترشيح للجائزة ونيلها؟ ثمة عدد من الأدباء العرب يكتبون بالإنكَليزية أو الفرنسية مثل إدوارد سعيد، وأمين معلوف. أليس بمقدور الأكاديمية السويدية أن تجد روايةً للترشيح، من بين روايات أمين معلوف الكثيرة، وقد تُرجم أغلبها إلى لغات أخرى منها الإنكَليزية، روايات ذات نظرة عالمية وشمولية، أو اهتمام بدقائق المشاعر الإنسانية؟ ومن كتابات إدوارد سعيد في النقد والأدب المقارن، مما يُعدّ مرجعاً في الدراسات العليا في الآداب في أمريكا وفي العالم الناطق بالانكَليزية، بشكل خاص، وفي المحيط الثقافي بشكل عام، فيُسجَّل ترشيحُه للجائزة ومن ثم الفوز بها، ما يضفي على مؤسسة الجائزة وأصحابها من المصداقية والاحترام ما يشرِّف كلّ مؤسسة ثقافية؟ أم أنها العقدة الأوروبية من التحامل ضد كل ماهو عربي؟
هل من الضروري أن نترجم أدبنا العربي لنضعه أمام عيون القارئ الأجنبي لكي تختار منه مؤسسة جائزه نوبل وأمثالها لكي ترشِّح منه ما تشاء للتكريم ونيل الجائزة؟ هل كان هذا ما فعلته الجائزة مع الألماني غونتر غراس أو توماس مان أو أي فرنسي أو لاتينو أمريكي؟
ليس هذا التساؤل تعصباً أو عناداً، ولكنه رغبةٌ طبيعيةٌ في البحث عن جواب.
ويبدو أن الجواب المطلوب سيبقى خلف غيوم الشك وعرضةً للظنون. ونعرف جيدً أن بعض الظن إثمٌ، ولكن ماذا عن بقية البعض التي هي ليست إثم؟ بل نرجو أن تكون كذلك؟ هل يمكن طرح سؤال بريء غرير: ما الذي يستهوي لجنة المُحكِّمين في المؤسسة السويدية أو «الخبراء» الذين يقدِّمون نصائحهم واقتراحاتهم إلى أصحاب القرار لترشيح أعمال كاتب أو شاعر لنيل الجائزة؟ ألا توجد مؤثرات «خارجية» من دينية أو سياسية تؤثِّر في تقديم الرأي وإصدار القرار؟ يلوح من خلف الغيوم ما ذكره الشاعر الفلسطيني سميح القاسم من أن أبناء العمومة إذا ما رضوا عن مبدِعٍ أو كاتب أو أديب فُتِحت له أبواب جنَّة مؤسسة نوبل، أما «إذا غضبت عليك بنو «قُشيرٍ» / حسبت الناسَ كلَّهمُ غضابا» مع الاعتذار الشديد من الشاعر العربي الكبير، جرير، لتحريف هذا البيت الشعري الجميل. هل يذكر بعضنا كاتباً لم يسمع به أحد أعطوه جائزة نوبل في الآداب، قبل سنوات، لأنه يكتب قصصاً عن الهولوكوست باللغة «اليديش»؟ كم من البشر يقرأ هذه اللغة، وهل ثمة تقصير من جانب وسائل الإعلام «المردوخية» في الحديث عن المحرقة النازية، التي يشكل محض الإشارة إلى التشكيك فيها جريمةً لا تُغتَفر؟ ولكن هكذا هي الدنيا هذه الأيام.
وهنا لا بد من العودة إلى التساؤل: على كثرة ما قدّم الأدباء العرب من أعمال متميِّزة في الشعر والرواية والنقد الأدبي منذ بدايات القرن العشرين إلى أيامنا الحاضرة، لماذا لم يصل منهم إلى جائزة نوبل في الآداب سوى روائي واحد هو نجيب محفوظ؟ أمّا فوز قرنة فأحسب أنه من باب «رَفع العَتب»، وكان التوكيد على أعماله بوصفه «كاتباً بريطانياً» مع إشارة خجولة إلى أنه يماني من أصول عربية. لا بأس ومبروك على سليل قبائل اليمن السعيدة. ولكن كيف تنبّهت الأكاديمية السويدية إلى أدباء أمريكا اللاتينية؟ هل جرت ترجمة أعمالهم إلى الإنكَليزية مثلا، وهي اللغة الأكثر انتشاراً من الاسبانية فاسترعت اهتمام العالم الأدبي؟ هل جرى الترويج والإعلان عن تلك الأعمال بشكل منظم نشيط؟
وماذا عن أدبائنا العرب؟ هل التمزّق السياسي، والتباعد بين الأقطار العربية، والعصبيات الفئوية هي السبب في ضبابية صورة الأدب العربي في الغرب؟ هل قلّة «الإشهار» عن منجزات الأدب العربي في الغرب أو انعدام التعريف به بشكل جاد هو السبب في جهل الغرب بالأدب العربي أو تجاهله، لأن ثمّة من ينشط في التعريف بآداب أمم أخرى، بدعم حكومي أو مؤسساتي؟ هل ثمة من يجهل أو يتجاهل تاثير كتاب «ألف ليلة وليلة» في توجيه كتّاب القصص والروايات في العالم الغربي؟ وهل كان ذلك التأثير ممكناً لولا ترجمة لاكان الفرنسي عام 1700 م، وعن ترجمته ظهرت الترجمات بلغات أخرى، فصارت «الليالي العربية» الكتاب الأول أمام المتأدّبين؟
أنها الترجمة إلى لغات عالمية بأسلوب مقبول يسترعي اهتمام القارئ الأجنبي؟ أم أنها لهذه الأسباب كلها جميعا؟ سيبقى هذا التساؤل حاضراً في الأذهان حتى يقضيَ الله أمراً كان مفعولا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية