لوران بيني
ربيع 1980 توفي رولان بارت في الرابعة والستين من العمر، بعدما صدمته سيارة وهو في طريقه إلى كوليج دو فرانس، عقب لقاء جمعه بفرنسوا ميتران، الذي كان يستعد للترشح للانتخابات ولحكم البلاد، سائق تلك السيارة كان بلغارياً.
شرقي في بلد غربي، في زمن الحرب الباردة وتشاحن الشيوعيين مع الرأسماليين، سائق كان يعمل في شركة غسل ملابس، من الوهلة الأولى قد نفكر بأن الأمر لا يعدو مجرد حادث مباغت، أن بارت مات موتاً عبثياً، لكن هناك من ساوره أن امرأً ما يقف وراء موت أشهر نقاد وسيميائيي القرن العشرين، من المنطقي أن نميل إلى فكرة المؤامرة، وأن نستبق الأحداث، ونتخيل سيناريوهات، لكن لا شيء حدث، والشرطة لم توثق سوى حادث عابر، حققت وتحرت ولم تجد خيطاً يربط بين موته والسياسة، لكن ذلك التقرير لم يرض لوران بيني (1972) الذي استعان بالأدب في التحقيق في ما حصل، وكتب «الوظيفة السابعة للغة» رواية نقلها إلى العربية محمد الجرطي (عن دار نابو للنشر والتوزيع 2021) ومنح القارئ فرصة الاطلاع على أكثر الروايات الفرنسية جرأة في المغامرة الكتابية، في السنوات الأخيرة، رواية طال انتظار وصولها إلى العربية، لأنها تقترح سرداً جديداً، وفكرة غير مسبوقة.
الوظيفة الخفية للغة
حدد العالم اللغوي جاكبسون ست وظائف للغة: تعبيرية، إفهامية، انتباهية، مرجعية، شعرية ووظيفة ما وراء اللغة، هكذا قرر رائد الشكلانيين وأحد رموز مدرسة براغ اللغوية، لكن هل يمكن أن نتخيل وظيفة سابعة للغة، لم يعرفها الناس من قبل؟ لم يسبقه إليها أحد. ذلك ما يتخيله لوران بيني، كي يبرر روايته، ويجد مسوغاً في أن هناك من يقف خلف موت لوران بارت، يتخيل أن لها وظيفة سابعة اكتشفها بارت وأخفاها عن الجميع، وهي وظيفة سرية، من يمتلكها سوف يسهل عليه إقناع الناس بما يريد قوله، سيجبرهم على تصديق كلامه، بل تجعل منه ساحراً، هذه هي إذن الوظيفة السابعة للغة، التي ستنطلق منها الأحداث، كانت سراً بين بارت ونفسه، لعل هذا سبب اجتماعه بفرنسوا ميتران، لم يفصح به لأحد، لكن هناك من ترصده وعلم بنواياه، وحاك مكيدة قصد التخلص منه، بطريقة عبثية، فالرجل الذي ملأ عالم النقد الأدبي صخباً، طيلة ثلاثين سنة، مات موتاً غير منتظر بشكل مفاجئ، بطريقة ساذجة، لا تليق بشخص في مقامه، وأراد قاتله منعه من استعمال الوظيفة السابعة للغة، وقلب موازين السياسة، فينطلق محققان اثنان في تقفي أثر الواقعة، في التنقيب عن مسببيها، في البحث والمساءلة، ولا يرد في ذهنهما سوى أن المدبر من الأوساط الثقافية الباريسية، من المقربين من الضحية. من الوهلة الأولى، قد تبدو هذه الرواية رواية جد محلية، فرانكو- فرنسية، كتبت بفرنسية عن عالم فرنسي محض، كل شخوصها فرنسيون، لا يهمها سوى قارئ فرنسي، لكنها امتلكت جرأة في اللعب السردي واتساعا في التخييل غير مسبوقين، سلكت طريقاً في الكتابة يتسم بالحيلة والمراوغة، فالكاتب يعلم من البداية أن التحريات لن تفضي إلى جانٍ، فقد طويت صفحة بارت ولن يعود من قبره، لكنه خاض اللعبة، اتكل على شكل رواية بوليسية ساخرة في تفكيك المشهد الثقافي الفرنسي، في استدعاء الفاعلين فيه، وفي «فضح» حيواتهم الشخصية، كما لو أن غرضه، وغرض المحققين، ليس الكشف عن غموض موت لوران بارت، بقدر ما كان يهمهم تشريح الجسد الفرنسي الثقافي، كشف علاته ونقاط قوته كذلك، لذلك كان علم اللسانيات هو المحور الذي ستدور حوله القصة بشخوصها وحواراتها، مع تجوال في عاصمة فرنسا، وتخيل سيناريوهات من كان يغار ممن، من كان يكره من، من يتآمر على من، ومن أين تتوالد صراعات المثقفين في ما بينهم، وما دور علاقاتهم العائلية في توجيه حياتهم.
لقد كتب لوران بيني رواية ساخرة من الفرنسيين وهم يتأهبون عام 1980 إلى انتخاب أول رئيس اشتراكي يساري لهم، تعمق في فهم نفسياتهم وفي سلوكياتهم، كي يدرك سبب التحول الذي عرفته البلاد.
يبدو أن المؤلف من الوهلة الأولى كانت لديه نوايا مبيتة، لم يفكر كثيراً فيمن يكون المدبر المحتمل لموت رولان بارت، بل اتهم مباشرة مثقفين وأصدقاء المثقف، لم يفكر في أن يكون الجاني من وسط بارت العائلي، أو من قوى شيوعية، بل قلص هامش مناورته، معتبراً أن ما وقع لم يكن أكثر من غيرة مثقفين من بعضهم بعضا.
ألبوم المثقفين
يبدو أن المؤلف من الوهلة الأولى كانت لديه نوايا مبيتة، لم يفكر كثيراً فيمن يكون المدبر المحتمل لموت رولان بارت، بل اتهم مباشرة مثقفين وأصدقاء المثقف، لم يفكر في أن يكون الجاني من وسط بارت العائلي، أو من قوى شيوعية، بل قلص هامش مناورته، معتبراً أن ما وقع لم يكن أكثر من غيرة مثقفين من بعضهم بعضا، لذلك لم يضيع وقتا كثيراً، لم يبحث كثيراً، بل وجه محققيه إلى استجواب كتاب ونقاد، عرفوا بارت وعاشوا بالقرب منه، هكذا سوف يتوإلى ألبوم كبير من أهم أسماء حقبة الثمانينيات، كلهم يتحدثون عن لوران بارت وعن علاقاتهم به، وكذا عن حيواتهم الشخصية، نصادف فيليب سولير وزوجته جوليا كريستيفا، نصادف تزيفتان تودوروف، وكذا جاك ديريدا، دون أن ننسى ميشال فوكو، برنار هنري ليفي ـ الذي كان إلى غاية ذلك الوقت كاتباً غير مبالٍ بالسياسة ـ بالإضافة إلى لوي ألتوسير، ليفي ستروس، بيار بورديو، دون أن يهمل السياق السياسي حينها من صدام صامت جمع بين الرئيس جيسكار ديستان وفرنسوا ميتران، الذي سيخلفه في قصر الإليزيه، لكن هامش السياسة في الرواية يبدو ضئيلاً مقارنة بهامش الثقافة، لذلك نشعر ـ أحياناً ـ بأن هذه الرواية أقرب للبحث الاستقصائي الثقافي، كما لو أنها ريبورتاج مطول، الغرض منه استعادة الزمن الفرنسي الجميل، حين كان مثقفوه يملأون العالم بنظرياتهم وسجالهم، ودون أن يبالغ في الاهتمام، ما إذا كان موت بارت فعلاً مدبرا أم صدفة، فهو يحيلنا إلى تأمل تلك العلاقات بين صداقات وخلافات، بين الكتاب، إنها رواية تحفل بدور المثقف ومكانته في تغيير شأن وطنه، في علويته ومقامه كواجهة يستشيرها الناس والرؤساء، زمن كان فيه الكتاب سقفاً قبل أن يتهاوى، هي رواية عن رولان بارت، لكن بارت آخر، ليس السيميائي ولا الناقد، بل بارت بوصفه مواطناً، له محبوه وخصومه، له مفاخره وزلاته أيضاً.
روائي جزائري