هل يتحول كونتي إلى تراباتوني البريميرليغ بعد رحيله عن توتنهام؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: «في هذه اللحظات يوجد في الفريق بعض اللاعبين الذين ينسون أنهم محترفون، أنا لا أقرأ الكثير من الصحف، لكن سمعت كثيرا أننا لا نلعب بطريقة هجومية، شرحت للاعبين بأنهم يحتاجون الى الراحة، المدرب ليس أحمقاً ويرى ما يحدث في المكان. في هذه المباراة كان هناك اثنان أو ثلاثة مثل القوارير الفارغة. هؤلاء اللاعبون يشتكون أكثر مما يلعبون، يجب عليهم أن يظهروا لي وللجماهير وأن يفوزوا بمفردهم. لقد انتهيت»، البعض قد يعتقد أن هذه الكلمات جزء من حديث المدرب الإيطالي أنتونيو كونتي، الذي تسبب في طرده من قيادة توتنهام الأسبوع الماضي، لكن في حقيقة الأمر، هو ملخص لما يُعرف بمؤتمر القرن الماضي في الدوري الألماني، حين تخطى الإيطالي الآخر جيوفاني تراباتوني، كل الخطوط الحمر، بهجومه العنيف على لاعبي بايرن ميونيخ وكل من له علاقة بمنظومة كرة القدم في وطن البوندسليغا.

ما أشبه اليوم بالبارحة

يتذكر مواليد بداية عقد الثمانينات وما قبل، يوم العاشر من مارس / آذار للعام 1998، عندما انفجر تراباتوني في وجه الصحافيين في ألمانيا، قبل 24 ساعة من مواجهة بوروسيا دورتموند، تاركا العنان لنفسه، بتصريحات تفوح منها القسوة والغلظة، بنبرة لا يعرفها إلا من شاهد الرجل وهو يصرخ من أعماق قلبه بلغته الألمانية الضعيفة، أو من سيذهب إلى عالم «يوتيوب» لرؤية هذا المؤتمر المهيب، لملاحظة التقارب والتشابه بين هذه الواقعة، وبين ثورة غضب كونتي بعد تعادل توتنهام مع ساوثهامبتون بنتيجة 3-3 قبل العطلة الدولية. يكفي أن كليهما فقد وظيفته بأثر فوري وفي نفس الشهر، لكن سؤال المليون دولار: هل سيترك أنتونيو كونتي نفس التأثير الذي تركه ابن جلدته في عاصمة المحركات الفارهة في أوروبا؟ ذاك الرجل الذي حرك المياه الراكدة في النادي البافاري، عندما كان في أتعس سنواته، كفريق في نفس مستوى بوروسيا دورتموند وكايزر سلاوترن وشتوتغارت وفيردر بريمن، وباقي الفرق التي كانت تتناوب على الفوز بالبوندسليغا في عقد التسعينات، ولنا أن نتخيل أن البايرن كان في سجله 12 لقباً للدوري الألماني في وقت مغادرة تراباتوني، قبل أن يحدث التحول الجذري، وفي رواية أخرى، توابع الصفعة التي وجهها الخبير الإيطالي الى الرئيس السابق أولي هونيس والمدير التنفيذي كارل هاينز رومينيغه، مقدما هدية القرن وربما العمر للنادي وجماهيره، بعد نجاحه بشكل غير مباشر في وضع الإدارة في مرمى نيران المشجعين، بخلق ما يمكن وصفه بالتحدي المستفز سواء لأعضاء مجلس الإدارة أو اللاعبين الذين أهانهم المدرب في مؤتمر الوداع، الأمر الذي رسم الملامح الأولى لبايرن ميونيخ العظيم الذي نشاهده الآن، وحدث ذلك بأثر فوري من الموسم التالي تحت قيادة أوتمار هيتسفيلد، بوصول الفريق إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، التي خسرها في اللحظات الأخيرة أمام مانشستر يونايتد في العام 1999، غير أنه استعاد لقب البوندسليغا واحتكره 3 مرات على التوالي للمرة الثالثة في تاريخه آنذاك، والأهم استمرار مغامراته الجريئة الأوروبية، بالوصول إلى نصف نهائي نسخة العام 2000، عندما خرج أمام بطل النسخة ريال مدريد، ثم معانقة الكأس ذات الأذنين للمرة الرابعة في تاريخه على حساب فالنسيا في نهائي «سان سيرو» 2001، ليتبين ويتضح للجميع بعد أكثر من 20 عاما، أن هذه الانتفاضة البافارية، كانت بمثابة حجر الأساس، الذي تشكلت عليه الشخصية المرعبة والحضور الطاغي وباقي الانطباع المحفور في الأذهان عن طغيان وجبروت البايرن منذ ذلك الحين وحتى وقت كتابة هذه الكلمات.

لحظات ما قبل الكارثة

بالنظر إلى تجربة كونتي مع توتنهام، سنجد أنها جيدة من حيث لغة الأرقام، كثاني أعلى مدرب تحقيقا للانتصارات للسبيرز على مستوى البريميرليغ، بمتوسط 1.88 نقطة لكل مباراة من أصل 56 تحت قيادته، وخلف العراّب القديم ماوريسيو بوتشيتينو الذي حقق 1.89 نقطة لكل مباراة في 202 مباراة بالدوري الإنكليزي الممتاز، لكن واقعيا، تبقى التجربة الأضعف للمدرب الحماسي، على الأقل منذ صعوده الى القمة وانتقاله من مستوى مدرب فرق مغمورة ومتوسطة إلى فئة الصفوة والمتخصصين في قيادة الكبار مع يوفنتوس مطلع العقد الماضي، وهذا ما قاله في المؤتمر الذي كلفه وظيفته، بأنه لم يسبق له العمل مع فريق بلا أهداف وطموح، أو في فريق يصارع في مراكز بعيدة عن المقاعد الأربعة المؤهلة الى دوري أبطال أوروبا في الموسم المقبل، لتمرسه على احراز الألقاب في كل تجاربه السابقة، آخرها إنهاء عقدة الإنتر مع السيريا آه بالتتويج بلقب الدوري الإيطالي بعد انقطاع 10 سنوات، وسبقها توج مع تشلسي بالبريميرليغ وكأس الاتحاد الإنكليزي، في أول مغامرة بعد سنواته الخوالي في «يوفنتوس آرينا».
وبوجه عام، يمكن القول إنه لم يحقق الهدف المنشود والمطلوب منه في معقل الديوك، والأمر لا يتعلق فقط بإخفاقه في فك عقدة النادي مع احراز البطولات، منذ التقاط الصور التذكارية مع كأس الرابطة في العام 2008، بل أيضا في علامات الاستفهام الكثيرة حول أداء الفريق في عهده، وبالنسبة للبعض، التفاوت الكبير في عروض ونتائج توتنهام من فترة الى أخرى، على غرار ما حدث في بداية العام الجاري، بسلسلة من النتائج المحطمة لآمال المشجعين، بدأت بالسقوط أمام أستون فيلا بهدفين نظيفين في أول أيام 2023، وانتهت برباعية مانشستر سيتي في القمة المؤجلة من الجولة السابعة ورباعية أخرى من ليستر سيتي، ثم التحسن الطفيف في النتائج المحلية، الذي أبقى الفريق في المركز الرابع بفارق نقطتين ومباراتين أقل عن صاحبي المركزين الخامس والسادس، وأعقبه القشة التي قصمت ظهر البعير، بالخروج من دوري الأبطال وكأس الاتحاد الإنكليزي على يد ميلان وشيفيلد يونايتد على التوالي. ولعلنا لاحظنا الكم الهائل من التسريبات والتقارير السلبية عن التحول الكبير في علاقة كونتي مع اللاعبين، أبرزهم المصدر الذي أخبر صحيفة «ديلي ميل»، بوصول العلاقة بينهما إلى طريق مسدود، لاعتراض هاري كين وباقي الكبار في غرفة خلع الملابس، على أساليب المدرب وتكتيكاته المكررة في كل يوم من التدريبات، بجانب حالة التشكيك الجماعي في قدراته وإمكاناته في قراءة أفكار الخصوم، وهذا في حد ذاته من شأنه أن يعزز الشكوك والشبهات حول نفس اللاعبين، الذين اتهموا من قبل بالانقلاب على المثير للجدل جوزيه مورينيو، وهم نفسهم الذين خذلوا البرتغالي الآخر نونو اسبيريتو سانتوس في تجربته العابرة، كمفارقة تدين النجوم، خاصة إذا صدقت التقارير التي تتحدث عن إمكانية عودة البوش مرة أخرى، في ما سيكون أشبه بالدليل العملي أمام الداني والقاصي، بأن القاسم المشترك وكلمة السر في تمنع الألقاب على النادي ليست في جودة وأسماء المدربين، بل في مزاجية وعقلية عدد لا بأس به من اللاعبين.

نزاعات وعدم استقرار

من المفارقات أيضا، أن مصادر عدة تحدثت عن توتر العلاقة بين كونتي والرئيس دانيل ليفي في الأشهر القليلة الماضية، الى درجة أن التواصل بينهما كان يتم بواسطة المدير الكروي فابيو باراتيشي، إلى أن فاض الكيل بالأخير، لشعوره بخلل كبير في التسلسل الهرمي ولعبة القوة والنفوذ داخل الكيان، مع تزايد الاعتقاد بأن كونتي أصبح سيد قراره، وهو من سيتخذ قرار الرحيل في الوقت الذي يريده، وذلك من قبل حتى المؤتمر الصحفي الذي سيبقى عالقا في الأذهان لسنوات طويلة. وبالإضافة إلى ما سبق، يُجمع شهود عيان في شركة طيران «رايان إير» على أن المدرب الإيطالي، كان العميل الأكثر نشاطا في الرحلات بين لندن وتورين، لصعوبة ابتعاده لفترات طويلة عن زوجته إليزابيتا وابنته فيتوريا، المقيمتين في شمال وطنه، وهذا جعله يشعر بعدم الاستقرار والتشتت بين حياته مع عمله وحياته الأخرى مع الأسرة. وباعترافه في مقابلة موثقة مع الصحافيين قائلا: «في كثير من الأوقات نفكر ونعطي أهمية لعملنا وننسى الأسرة، ننسى أننا بحاجة للكثير من الوقت من أجلهم، هذا الموسم جعلني أفكر في مستقبلي هنا»، وحدث ذلك تزامنا مع تلقيه صدمة وفاة صديقه جانلوكا فيالي، بعد شهور قليلة من رحيل مساعده جان بييرو فينتروني، وغيرها من المشاكل والأزمات خارج المستطيل الأخضر، بما في ذلك أزمته الصحية، التي أدخلته غرفة العمليات لاستئصال المرارة، لينتهي سريعا شهر العسل بينه وبين أصحاب القرار في النادي، وتجلى ذلك في توقف المسؤولين عن مطاردة وكيل أعماله لتأمين مستقبله في الحي الشمالي لفترة أطول، مع استمرار منحنى الفريق في الانخفاض وظهور نوايا انقلاب المدرب، بنفس الوجه الغاضب والمتمرد، الذي يظهره في كل مرة كلما شعر باقتراب موعد التجديد، متعمدا تقمص دور الرجل الذي يمن على توتنهام ويقدم لجماهيره معروفا، على اعتبار أن موافقته ووجوده في القيادة الفنية للفريق، أشبه بالتنازل أو التضحية بسمعته التي رسمها لنفسه طيلة العقد الماضي، كمدرب معروف عنه أنه صائد للألقاب المحلية، ليستريح كل طرف من الآخر، بسيناريو شبه كربوني لواقعة تراباتوني مع بايرن ميونيخ في أواخر عقد التسعينات.

ماذا بعد؟

لا يُخفى على أحد، أن كونتي يعد واحدا من أكثر المدربين، الذين يعطون نكهة مختلفة لكرة القدم، سواء باحتفالاته التي تلمس قلوب مشجعي فرقه والعكس للخصوم، أو بأسلوب «قصف الجبهات» المفضل لوسائل الإعلام والصحافيين، وهذا يعني أنه بنسبة كبيرة لن يطول غيابه عن الحقل التدريبي، وربما نشاهد في مغامرة جديدة في الموسم المقبل، والحديث الآن في فرنسا عن فرص أنتونيو كونتي في تولي القيادة الفنية لباريس سان جيرمان، حتى أن بعض المصادر، تزعم أنه تلقى اتصالات من وسطاء النادي الباريسي، لجس نبضه في فكرة خلافة كريستوف غالتييه في «حديقة الأمراء»، مع ربط تغير لهجته ونبرة صوته في الأسابيع الأخيرة مع السبيرز بطموحه في المنصب المرموق في عاصمة الحب، من دون استبعاد سيناريو عودته إلى ناديه الأسبق يوفنتوس، لخلافة ماكس أليغري بداية من الموسم الجديد، أو ربما يبحث عن مغامرة جديدة مع أحد كبار جنة كرة القدم. أما الرئيس دانيال ليفي ومجلسه المعاون، فيمكن القول، إنهم وصلوا إلى منطقة اللا عودة، إما برفع الراية البيضاء وإضافة المزيد من سنوات العجاف، وإما السير على خطى بايرن ميونيخ بعد زلزال تراباتوني. او بمعنى أكثر صراحة، التعلم والاستفادة من هذه التجربة، أو على الأقل، أخذ انتقادات كونتي وتهكمه على اللاعبين وشخصية الفريق، على أنها دافع أو حافز لإثبات العكس في المستقبل المنظور، وهذا يبدأ بالعثور على المدرب المناسب لهذه المجموعة من اللاعبين، والمفترض أن يكون يملك من الكاريزما والهيبة ما يكفي لإقناعهم بإمكاناتهم وقدرتهم على المنافسة على الألقاب الجماعية وتحقيقها، وذلك بعيدا عن الشخصيات الصدامية، التي أثبتت عدم قدرتها على احتواء غرفة ملابس الديوك، وهذا يفسر موجة التقارير والأنباء المحدثة على رأس الساعة، عن الحنين لأيام بوتشيتينو، على أمل أن يبدأ من حيث وصل في الموسم قبل الأخير، عندما قاد نفس المجموعة الى الوصول إلى المباراة النهائية عام 2019، التي خسرها أمام ليفربول بهدفين نظيفين. وبدرجة أقل، يُطرح اسم الشاب الألماني يوليان ناغلسمان، كخليفة محتمل لكونتي، بعد تعرضه للغدر من قبل بايرن ميونيخ، بإقالته من منصبه بشكل مفاجئ وإسناد المهمة لمدرب تشلسي السابق توماس توخيل، تقريبا في نفس يوم إعلان انفصال توتنهام عن مدربه السابق، في مفارقة أخرى غريبة، كأول مرة يحظى الثنائي كونتي وتوخيل بهذا الاهتمام الإعلامي، منذ لقطة المشاجرة الشهيرة بينهما في دربي السبيرز وبلوز تشلسي في أغسطس / آب الماضي. ومن يدري، قد يتجه ليفي ومعاونوه إلى مدرسة الخبرة وأصحاب السمعة المضمونة مع الألقاب، كما هو شائع عن المفاوضات مع مدرب ريال مدريد السابق زين الدين زيدان، بعد استيقاظه من الكابوس، بتأجيل حلمه بقيادة منتخب فرنسا إلى ما بعد العام 2026، وانفتاحه على العودة إلى عالم التدريب بعد توقفه عن العمل منذ استقالته من تدريب الميرينغي في مايو / آيار قبل الماضي، أو ينتظر الى حين رؤية ما سيحدث مع كارلو أنشيلوتي مع انتهاء عقده في «سانتياغو بيرنابيو» مع إطلاق صافرة نهاية الموسم الجاري، والسؤال الأخير: هل يا ترى ستأتي قذائف كونتي ورسائله العنيفة بنتائج إيجابية وتكون سببا في حدوث التحول الذي يحلم به ليفي وعشاق توتنهام؟ أم سيحدث العكس وتزداد السنوات العجاف مع الألقاب؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية