الصدمات الدموية التي وقعت مؤخراً بين رجال “حزب الله” والقوات اللبنانية المسيحية هي مقدمة لمشاكل لبنان الحقيقية. طالما كان هناك توتر وصدامات ومظاهرات، تجد بيننا من يشير إلى انهيار لبنان. أما الحقيقة فلبنان لا ينهار. كان قد مر بتجربة في البقاء، ونهض من حربين أهليتين دمرتا كل بناه التحتية، الأولى في 1958، عندما أراد ناصر ضمه إلى حلمه العربي العام. والأخرى وقعت في 1975 واستغرقت 15 سنة. عرف اللبنانيون في الحالتين كيف يتدبرون أمورهم في ظل الفظائع والدمار والكراهية. حرصت كل طائفة على نفسها، وهكذا بقيت.
المشكلة الحقيقية للبنان، بل ومصدر مشاكله كلها، هي المبنى الطائفي الذي أقيم مع تلقي لبنان استقلاله في 1943. النظام الطائفي يخلد الخصومة، والمنافسة، والصراعات السياسية، والفساد والتحالفات مع جهات أجنبية في المحيط. لا خير يخرج من هذا النظام. “حزب الله” الذي يتباهى بقوة بشرية من مئة ألف مقاتل، يملي سياسته على النظام وعلى باقي الطوائف. وتعرب باقي الطوائف عن تحفظ لفظي، وتكتفي بذلك.
ما حصل مؤخراً أمر شاذ ولعله يثيب بما سيأتي. “حزب الله” وحركة امل، اللتان سنعرفهما بالشيعيتين، تريدان إقصاء قاضي التحقيق طارق البيطار، الذي عين للتحقيق في مصيبة مرفأ بيروت. وكما يذكر، فإن الانفجار الشديد دمر قسماً واسعاً من المدينة وخلف أكثر من مئتي قتيل. كل الأصابع موجهة نحو “حزب الله”، و”التنظيم” يطالب بإقصاء قاضي التحقيق.
بعد استعراض العضلات دون نجاح، بعث زعيم التنظيم، نصر الله، برجاله للتظاهر أمام المحكمة ضد القاضي. تقع المحكمة في جوار شديد من معقل القوات اللبنانية. المسيحيون بشكل عام لا يسمحون للشيعة بدخول أحيائهم. جاء رجال نصر الله للتظاهر ملثمين ويحملون السلاح. فأثار هذا اشتباه القوات اللبنانية، ففتحوا النار وقتلوا سبعة من رجال “حزب الله”. لم يقدر أحد بأن القوات اللبنانية ستتجرأ على فتح النار على رجال “حزب الله”، ولكن سلوك نصر الله لم يترك لهم خيارات كثيرة. كان هذا صداماً مسلحاً بين طائفتين: الأولى مسيحية والأخرى شيعية. طائفتان قويتان بالفسيفساء الطائفية – الاجتماعية لدولة الأرز. كانت هذه هزيمة لاذعة لنصر الله الذي أقسم بالانتقام. يمكن للقوات اللبنانية تجنيد نحو15 ألف مقاتل أمام قوة “حزب الله”.
بعد هذا الحدث وتهديدات نصر الله، نشهد تهدئة في المعسكر الشيعي. ويجد هذا تعبيره في سحب معارضة “حزب الله” للاتصالات مع إسرائيل في موضوع ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين. كما فهم نصر الله بأنه باستفزازه العلني، يحرج حليفه الرئيس اللبناني ميشيل عون الذي يعمل على انتخاب صهره جبران باسيل رئيساً في السنة القادمة.
كي ينقذ لبنان نفسه، عليه إلغاء النظام الطائفي القطاعي واتخاذ خطوة تعتبر كل اللبنانيين متساوين أمام القانون دون صلة بدينهم أو طائفتهم. يبدو هذا خيالياً، ولكن الظروف تنشأ بين معظم السكان، ولا سيما بين الشباب، لتغيير النظام الطائفي في صالح عموم اللبنانيين. إذا لم يكن هذا بكاف، فسيدخل لبنان في عاصفة جديدة بعد تهجمات وزير الإعلام على السعودية. فردت هذه بشكل غير متوازن وخلقت أزمة طاقة مهددة. في نهاية الأمر، سيحقق لبنان المساعدة المالية من المؤسسات الدولية لتلقي الطاقة اللازمة، وهذا سيخفف من الأزمة التي يعيشها لبنان. ولكن إذا ما بقي النظام الطائفي كإطار لإدارة حياة المواطنين، فستكون مسألة وقت إلى أن ينفجر عنف إضافي بين الطوائف.
معاريف 2/11/2021