اليوم الخميس هو آخر موعد لتجديد اتفاقية تنتهي العام المقبل بتأجير «الباقورة والغمر» وأجزاء أخرى من الأراضي الأدرنية للاحتلال الإسرائيلي، فهل يتراجع الملك عن قراره أم يكتفي به؟ خاصة أن الموقع الالكتروني لصحيفة «دايلي ميل» البريطانية، يدعم قرار الملك بإلغاء جزء من الاتفاقية، ويحترمه لسببين: الأول أنه نابع من سيادة حرة، والثاني أنه يعمل ببنود اتفاقية السلام، التي تعطي الحق لصاحب العقار بإلغاء عقد الإيجار، بعد ربع قرن، فلم تخاف من خبر «دايلي ميل»؟ هل يصدق المثل الإنكليزي حين يعتبر أن «لكل سحابة بطانة من الفضة»، طالما أن عقوبة إسرائيل بقطع المياه عن الأردن، تعني إعطاء الملك فرصة لتغيير قراره حتى يوم الخميس، أو الاكتفاء بـ»الباقورة»؟
أليست هذه غمزة إعلامية من بريطانيا، تبرهن أن «السلم الكاذب أكثر خطرا من الحرب المكشوفة»، كيف لا، والعقاب الإسرائيلي لزعماء السلم أشد منه على زعماء الحرب؟ فذنب الملك مع الاحتلال ليس بالتمرد على الاتفاقيات، إنما الالتزام بها! متى تضجر إذن من وقاحة المستأجر المحتل؟ ثم هل تبكي لأن الحدث انتهى؟ أم تضحك لأنه حدث!؟
سلالات الملوك الإعلامية
دولة بلا إعلام، كروح بلا جسد، ولأن للملك حظوة في الإعلام البريطاني الذي سيدافع عن قراراته السيادية، بصفتها حقا وطنيا وشرعيا، طالما أنه خاضع لبنود متفق عليها، فالبطولة في الإعلام الغربي لا تستجيب لدغدغة العواطف وفلتانها، إنما لتشذيبها ولضبطها، ففي حين يسرق الملك الأضواء من خاشقجي بتغريدة واحدة، ليشعل مواقع التواصل العربية، وفزعة الإنكليز، يختطف خاشقجي كرامة العروبة وعزتها، وكبرياءها، بشنطة هدوم (متعلقات)، وجثة مفقودة، وقبعات كثيرة بلا ماشية، فهل كان مجنونا بما يكفي مثل «نيتشه»، لكي يؤمن أن بمقدوره أن يغير العالم، أم كان خائنا إلى الدرجة التي احتمى فيها بإعلام الغرباء من سلالته العربية، متناسيا أن أمريكا لا تثق بالحصان ذي الرأسين، لأنه لا يفوز بالسباق!
الملك الأردني كان الأذكى «إعلاميا» حين فاق الجميع بتغريدة «الباقورة»، لأنه أدرك أن النعجة الجرباء تعدي القطيع، ولذلك سَتَحْتَسِب لتركي الدخيل فطنته المتأخرة – ولو إشفاقا – إلى أن العلاقة بين «العربيّة» والإعلام الأمريكي ليست علاقة حلفاء إنما «راكب ومركوب»، وهذا تحديدا السبب في أن ما ناله خاشقجي من إعلام الغرباء يفوق مجده، فالكلب الحي في عُرْفِ الغُزاة أفضل بكثير من الأسد الميت!
أيها المشاهد، زعلان؟ إوعك تزعل، لأن الحياد جريمة، يجب أن يُقطع رأس الكاتب عليها، بما فيهم رأس هذا القلم، فالانحياز لأي طرف ليس وضوحا، بل تضليلا، والمطلوب من أصحاب الضمير أن يتحيزوا للحقيقة فقط، وهذه ملك الغيب، فأن تكون معها ولا تبالي، يعني أنك ضد كل من يتخوث على سمائك!
قد ينسى الناس الخبر، وقد ينسون أيضا تفاصيله، لأن ما سيبقى منه ليس حقيقته، إنما أثره فيهم، وهو ما ينطبق بالضرورة على الأفكار، التي تم اختطافها من مقالتين نشرتهما «القدس العربي» حول «سقوط خاشقجي وأرامكو مقابل خاشقجي»، من لصوص الفكر، وإعلاميي الشنبات، الذين يعيبون على القنصلية جريمة اغتيال الآراء والأقلام، وهم يفوقونها جرما منذ عبارة: «المجرم يحقق في جريمته، وليس انتهاء بتفاصيل مقارنة خاشقجي بالسادات»!
بماذا يختلف هؤلاء الإعلاميون المجرمون عن حملة المناشير وشبيحة التلحيم؟ أليسوا أبناء طغاتهم؟ يشوهون منافسيهم وهم يتلبسونهم ويتقمصونهم ويختطفون أرواحهم، ويحهم! هل هؤلاء هم من وليتهم على خديعتك وجرائم الطغاة؟
حسنا إذن، من ستحاكم في مذابح الاغتيال الفكري، والتشويه الإعلامي والتضليل التاريخي؟ ماذا عن جريمة تزيين الاحتلال الروسي والإيراني، الذي لم ينب الشاك منهما سوى التلطيش الصهيوني؟ الإعلاميون الذين يشمتون اليوم بتركي الدخيل، لأنه لم يتبع ملتهم باستمالة الاحتلال الصيني والروسي ضد الاحتلال الأمريكي، هم شركاء في جريمة خاشقجي، لأنهم يخطفون الميت من القتلة ليس لإحيائه، إنما ليدينوا به غرماءهم وخصومهم السياسيين، بترجيح كفة غزاتهم على غزاة إخوتهم الأعداء، وبعد هذا تقول لي أيها المشاهد، إنك ترفض الحياد؟ ويلاه… يا أمة ضحكت!
كفالة إعلامية
خطاب أردوغان أثبت أن «الباب ذا الصرير يعمّر طويلا»، وأن «الخاسر هو الذي يُشهر محفظته المثقوبة بسرعة»، ولكن ماذا عن تصريحات ترامب بعد خطاب أردوغان؟ إنها بطولة حصرية للإعلام لم يشهد لها التاريخ مثيلا، لأن الدور السياسي تجمد بل وصل متأخرا جدا عن الريادة الإعلامية للجريمة والتحقيق، وحتى المحاكمة التي تمت فعليا دون محكمة، عبر منصات التواصل وفضائيات العالم، فهل الإعلام ورقة سياسية كالجريمة؟ ثم هل الإعلام بريء من دم خاشقجي؟ كيف يمكن للجريمة الإعلامية أن تكشف الجريمة السياسية؟ لا يمكن لجريمة أن تكون دليلا على جريمة أخرى، لأن الحقيقة وحدها من تفعل هذا! ولهذا تُثبت «الميديا» مجددا حكمة ترامب: «الصديق الجيد هو الذي يدفع كفالة خروجك من السجن، ولكن الأفضل منه، هو الذي يدخل السجن معك، يجلس قربك هناك، ليخبرك أن ما فعلتماه كان مجرد غباء»، فهل سيتبادل الطغاة في ما بينهم الندم على الغزاة؟ أم أنهم في الهم أولاد «بابا سام»، وما الذي بعد هذا سوف يهم؟
ذئاب الكترونية لا جيش ذباب!
لا بد أن العقل المثالي هو مَشْغل الشيطان، وورشة الإعلام، وإن أردت أن تكون قويا عليك أن تستعين بذئاب الكترونية تفترس عقل الشيطان، لا بجيش من الذباب، تنحصر قوته الأقوى في معارك الطنين، لأن حال من لا يملكون سلطة إعلامية تماما كمن يدخلون الغابات ولا يشاهدون الخشب، ولذلك كان الجيش الإعلامي التركي المنتصر الوحيد في هذه التمثيلية الإعلامية، التي خرج منها أردوغان برتبة أول سياسي تركي يعلن ارتكاب جريمة متعمدة مع سابق الإصرار والتخطيط، حسب «سكاي نيوز» الإنكليزية، التي تعتبر أن الرئيس التركي سحب قبضته قبل أن يسددها، في حين تعلق «رويترز» على خطابه بأنه كلما اتضحت الأمور زادت الجريمة غرابة، فماذا تفهم من هذا؟!
صدق معتز مطر حين قال: «أي حاجتين مع بعض، يعملو في مصر سانداوتش»، ولكن في تركيا، يغدو الأمر كومضة المقلاة، لا يمكن أن يتكرر مرتين، وما حاجته به، إن كان لن يضطر لتذكر أي منه ما دام يقول الحقيقة؟
الغباء الوحيد في الإعلام العربي، أنه من الذكاء إلى الدرجة التي لا يفهم بها ما يقوله، وإلا لكان فهم أن تشويه وجه خاشقجي، كما ذكرت «سكاي نيوز»، مع الموسيقى، هو تحلل من الخطيئة، وأن تبرئة أردوغان «فاطمة غول» من جريمة الاغتصاب، هو تأكيد على مقولة معتز مطر: «رأس خاشقجي سيطير رؤوسا كثيرة»، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الرؤوس التي تقف في طابور الموت، رؤوسا إعلامية تحك أصابعها بانتظار جريمة تليق بالقاتل لا المقتول، لأن فاطمة غول كعمل درامي ساهم بتغيير القانون التركي، ولكنه لم يمنع الاغتصاب، بينما يتمسك المنافقون بجريمة خاشقجي، ليس من أجل إنقاذه، ولا الثأر لقلمه، ولا كشف الحقيقة، ولا الحد من الجريمة السياسية، بل فقط من أجل بطولة وحيدة: الابتزاز الإعلامي!
الجميل في هذه الجريمة، هو ما أنتجته من فكاهات، ومسخرة الكترونية، أعادت تدوير الجثة بمنطق تهكمي، أتاح للقاتل فسحة مجانية للتسلية، والترفيه عن الميت، فبدل أن يتحول الحدث إلى مجزرة، أصبح منشرة إعلامية، تستبدل فيها الأمة السيف بالمنشار، ليس كأداة للنضال والقتال، بل لعبة للقتل ومراقصة الموتى، ومداعبة الشعوب الافتراضية، بين أغنيتين: «إلعب إلعب» و»ادبح ادبح يا حزين»، فهما سيان، طالما أن أجمل مداعبة في أحضان أمهاتنا ونحن صغار، كانت على وقع مذبحة حمام في أحلام «ريما الحندقة»، وسلامتكم!
كاتبة من فلسطين