كتب “الوف بن” في مقال له تحت عنوان “تاريخ المنتصرين” (“هآرتس”، 30/1) بأن صفقة القرن للرئيس الأمريكي ترامب تعرض على الفلسطينيين صفقة تشبه الصفقة التي حصلت عليها ألمانيا واليابان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية: تنازلتا عن النازية والإمبريالية وعن مكانتهما وطموحاتهما كدول عظمى عسكرية وبحرية. ووضعتا الأمن في أيدي الولايات المتحدة، وهما تحظيان منذ عشرات السنين بفيض من القوة الاقتصادية. الآن حان دور الفلسطينيين للخضوع دون شروط، والتخلي عن “رواية الماضي” والنظر إلى الأمام نحو الاعتراف الدبلوماسي والنمو الاقتصادي اللذين ينتظرانهم. هذا الأمر كان مجدياً في ألمانيا واليابان، كتب ألوف بن. فلماذا لا يساعد هذا الأمر الفلسطينيين؟
لهذا السؤال ثلاث إجابات. أولاً، الفلسطينيون مثل الإسرائيليين، غير مطلوب منهم التنازل عن “رواية الماضي” أو “أحلامهم”. ومن أجل وضع نهاية للنزاع، على الشعبين التنازل عن تطبيق “رواية الماضي” وعن تجسيد الحلم بكامله. ولا يستطيع أي اتفاق سياسي محو أشواق أي لاجئ فلسطيني إلى بيارته في يافا، التي يحلم بأنه سيأتي يوم ويقطف ثمارها. والمخلون من غوش قطيف يتباكون حتى الآن على ما اعتبر بالنسبة لهم طرد من منازلهم ويحلمون بالعودة إليها.
في إعلان الجزائر في 1988، وعن طريق إلغاء الميثاق الفلسطيني، تنازل الفلسطينيون عن تحقيق “رواية النكبة” والموافقة على مبادرة السلام العربية من العام 2002 التي ترتكز على حدود 1967. صحيح أن ليس جميع الفلسطينيين مستعدين للتسليم بحق وجود دولة يهودية تعيش بأمان وسلام إلى جانب دولة فلسطينية، لكن في الوقت الحالي، حيث يتعرضون للإهانة، فإن قيادة السلطة و”فتح” برئاسة محمود عباس لم تقم بإلغاء اتفاق أوسلو، وتستمر في التمسك بحل الدولتين. حكومات إسرائيل قامت بالفعل باتصالات من أجل الدفع قدماً بحل الدولتين. ولكن في الوقت نفسه قامت بزرع حقول الألغام في طريقه على شاكلة عشرات المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وعن طريق استخدام ذرائع تقوم على “رواية الماضي”.
ثانياً، خلافاً لألمانيا واليابان اللتين اضطرتا إلى التنازل عن مكانتهما كدولتين عظميين عسكرياً وبحرياً، فإن اتفاق خنوع الفلسطينيين لا يشمل فقط التنازل عن الجيش والسيطرة على المعابر الحدودية والفضاء الجوي، بل عليهم التنازل أيضاً عن استقلالهم. ومثلما أشار ألوف بن، فقد نجح نتنياهو في أن يبيع ترامب الرواية الكاذبة التي تدعي أن الحركة الوطنية الفلسطينية هي منظمة إجرامية أقنعت ادولف هتلر بقتل يهود أوروبا من أجل عدم استيطان أرض إسرائيل. والمتهم بجرائم جنائية جند رئيساً مصاباً بجنوب العظمة لمشروع حياته – تصفية الحركة الوطنية الفلسطينية من أجل إبعادها عن أرض إسرائيل.
ألوف بن، يقدر بأن المهلة الزمنية التي منحها ترامب للفلسطينيين من أجل هضم الخطة وتبنيها تم تخصيصها لانتظار انتهاء عهد أبو مازن وصعود بديل له يكون أقل التزاماً منه برواية الظلم والضحايا وحق العودة. “جبريل الرجوب، هل تسمع؟”، سأل ألوف بن، في تلميحه لأحد المرشحين لوراثة أبو مازن. أعرف شخصياً أبا رامي، كما يسميه معارفه، لم ألاحظ أي ميول انتحارية لديه، لا من ناحية جسدية ولا من ناحية سياسية. ولا أعرف أي سياسي فلسطيني يحب الحياة سيتعامل مع الوثيقة التي أملاها نتنياهو على ترامب كقاعدة للمفاوضات. ونحن بحاجة إلى خيال خصب بشكل خاص لتشخيص وجود “دولة مستقلة” في وصمة العار التي عرضها ترامب في الاحتفال الهستيري في البيت الأبيض. ومن يعتقد أن هناك زعيماً مسلماً يمكن أن يوقع على وثيقة تعطي اليهود السيادة في الحوض المقدس بالقدس، فهو لا يعرف تاريخ مئات السنوات الأخيرة.
لا تتنازل الشعوب عن هويتها وحقها في تقرير المصير، وهي تناضل وتضحي من أجل ذلك، وفي النهاية تنتصر. ظاهرة مثل ترامب تذكر كل يوم تقريباً بأن الإعلان عن “موت التاريخ” كان سابقاً لأوانه. ويمكن بعد بضعة أشهر أن يجري ضم “صفقة قرن ترامب” إلى جعبة أكاذيبه إلى جانب “الاتفاق النووي” مع كوريا الشمالية ونفي أزمة المناخ، وأكاذيب كثيرة غيرها. ذات يوم سينتهي الاحتلال. وهذا سيحدث بعد 10 أو 50 أو 100 سنة. ومن يعرف كم سيكون عدد القتلى والأرامل والأيتام. الخيار كان وما زال بين تقسيم البلاد إلى دولتين، ومصالحة بين الشعبين، وبين دولة ثنائية القومية متنازعة فيها شعبان يسفكان دماء بعضهما.
الإجابة الثالثة على سؤال: لماذا لا يسير الفلسطينيون في أعقاب ألمانيا واليابان ويرفعون الراية البيضاء، هي أن تلك الكولونيالية أخلت منذ الحرب العالمية الثانية مكانها لحوار حقوق الإنسان؛ أي بدءاً من انهيار الإمبراطورية البريطانية وحتى انتهاء نظام الابرتهايد في جنوب إفريقيا، وبدءاً من حرب الجزائر وحتى انتهاء الاحتلال الفرنسي، وبدءاً من الاعتراف بحق الشعب اليهودي بدولة خاصة به وحتى انتهاء التمييز العنصري في الولايات المتحدة. الاستسلام الفلسطيني هو انبعاث أموات الكولونيالية. إن تنازلاً عن حق الشعب الفلسطيني في دولة قابلة للحياة وليست كانتونات، سيكون انتصاراً للفاشية المسيحانية اليهودية وهدية للقومية المتطرفة المسيحانية العربية.
وإذا عدنا إلى استسلام ألمانيا واليابان، فعلينا أن نذكر بأن الإشارة إلى الحرب العالمية الثانية أعطيت من خلال اتفاق أعطى فيه رئيس حكومة بريطانيا، تشمبرلين، مباركته لضم منطقة السوديتن لاند لألمانيا. ممثلو الضحية، حكومة تشيكوسلوفاكيا، لم تتم دعوتهم إلى الحفل أيضاً.
بقلم: عكيفا الدار
هآرتس 4/2/2020