لندن ـ «القدس العربي»: «الجميع يظن أن السيتي سيفوز، لكن عليهم الحذر، أولا لأن كل شيء يمكن أن يحدث في المباراة النهائية، ثانيا وهذا أكثر أهمية، لأنه عندما تلعب ضد فريق مثل الإنتر لديه نظام دقيق للغاية ومحدد وتم اختباره كثيرا، ومع وجود 5 مدافعين و3 بخط الوسط واثنين من المهاجمين، يصبح كل شيء صعبا جدا، الإنتر قد لا يخلق العديد من الفرص، لكنه يلعب بمهاجمين اثنين ضد مدافعين اثنين، وفي هذه الحالة، أعتقد أنهم قادرون على إلحاق الضرر بالسيتي، كل شيء يمكن أن يحدث»، بهذه الكلمات الذهبية، حذر أسطورة برشلونة سيرجيو بوسكيتس، مُعلمه ومدربه السابق بيب غوارديولا، من خطورة وعواقب الاستهانة بأفاعي الشمال الإيطالي في المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا، المقررة في عطلة نهاية الأسبوع على ملعب «أتاتورك الأولمبي».
الطريق نحو اسطنبول
قبل التطرق إلى نقاط القوة والضعف وفرص الأوفر حظا لاقتناص الكأس ذات الأذنين، دعونا نستنتج بعض المؤشرات أو الاستطلاعات الأولية من خلال لغة الأرقام والإحصائيات، أو بعبارة أخرى ما قدمه كل فريق من أجل الحصول على تأشيرة عاصمة تركيا القديمة في نهائي السبت المقبل. وتقول البديهيات إن كل طرف خاض تجربة عالية المخاطر على مدار 12 مباراة، والمفارقة أن كليهما عرف طعم الفوز في 7 مناسبات. وبالنسبة لممثل البريميرليغ، فبدأ رحلة البحث عن أول لقب للسيتي في تاريخه تحت إمرة الفيلسوف، بإذلال بطل اليوروبا ليغ إشبيلية برباعية بلا هوادة في عقر داره «سانشيز بيزخوان» في افتتاح دور المجموعات، ثم بوروسيا دورتموند وكوبنهاغن وزعيم الأندلس مرة أخرى، قبل أن يأتي الدور على ثنائي البوندسليغا لايبزيغ وبايرن ميونيخ في بداية مراحل خروج المغلوب، وتبعهم حامل اللقب ريال مدريد بالرباعية المذلة في إياب نصف النهائي. أما النيراتزوري، فاحتاج لثلاثة انتصارات في مجموعته الحديدية، اثنان منها على حساب فيكتوريا بلزن والآخر الذي أطاح ببرشلونة من الدور الأول للموسم الثاني على التوالي، بعدها انتصر مرتين على عملاقي الدوري البرتغالي بورتو وبنفيكا في ثمن وربع النهائي، وفي الأخير أخذ بالثأر القديم من غريم المدينة ميلان، بالفوز ذهابا وإيابا في مباراتي دربي نصف النهائي. لكن في المقابل، يتمتع السيتي بأفضلية سجله الخالي من الهزائم، بتحقيق 5 تعادلات في باقي مبارياته في البطولة، يقابلها 3 تعادلات وهزيمتين لفريق المدرب سيموني إنزاغي، إلى جانب الأفضلية الكاسحة في مقارنة سجل أهداف كل فريق، بواقع 31 هدفا للفريق السماوي مقابل 19 للأزرق والأسود، دليلا على براعية وعنفوان هجوم السيتيزنز، هذا ولم نتحدث عن الصلابة الدفاعية ومعدل الشباك النظيفة، والحديث عن أقوى خط دفاع في البطولة، مانشستر سيتي الذي لم تهتز شباكه سوى 5 مرات فقط، مقابل 10 أهداف استقبلتها شباك حامي عرين ثالث جنة كرة القدم.
كما يتفاخر غوارديولا وفريقه بإحصائيات الاستحواذ ودقة التمرير، بنسبة استحواذ تزيد على 60%، بينما بلغت نسبة استحواذ الفريق الإيطالي 46%، ودقة تمرير لكيفن دي بروين ورياض محرز وباقي أفراد عصابة الخير بنسبة وصلت لـ90%، أمام 83% لباريلا ومخيتريان وباقي نجوم وسط الإنتر، والعكس في إحصائيات وأرقام المدافعين، مثل استعادة الكرة والحفاظ على نظافة الشباك في إجمالي عدد المباريات، وهذا يظهر في تفوق الإنتر في استعادة الكرة 461 مرة، في مقابل 449 للمنافس، وتجنب استقبال الأهداف في ثماني مباريات، بينما السيتي تفادى استقبال الأهداف في سبع مباريات، رغم أنه يمتلك أقوى خط دفاع في البطولة، كما أشرنا أعلاه، وعلى مستوى التدخلات الصحيحة، فعلها أسياد الدفاع 83 مرة مقابل 41 للفريق الإنكليزي، فيما تميل الكفة الى مصلحة الحارس إيدرسون، بفضل نجاحه في إنقاذ فريقه من 26 تسديدة، مقارنة بثمانية تصديات للكاميروني أونانا، بدرجة أقل إيقاف التسديدات، بنجاح روبن دياز ورفاقه في منع 48 تصويبة، مقابل خمسة أقل للنيراتزوري، ونفس الأمر بالنسبة للعب النظيف، بحصول لاعبي السيتي على 20 بطاقة صفراء، بينما تلقى رجال سيموني ما مجموعه 24 بطاقة صفراء وواحدة باللون الأحمر، وكل ما سبق في أول معركة رسمية بينهما في كل البطولات، علما أنهما تقابلا مرتين من قبل بصيغة ودية، الأولى في بداية حقبة الملاك الإماراتيين في صيفية 2010، وحسمها بطل أوروبا آنذاك بثلاثية نكراء، وفي العام التالي رد مؤسس مشروع السكاي البلوز العظيم روبرتو مانشيني الصاع صاعين، بانتصار بنفس النتيجة في قلب العاصمة الايرلندية دبلن، فمن يا ترى سيكون صاحب الحظ في تحقيق ثاني انتصار وأول وأهم انتصار في تاريخ المواجهات المباشرة بينهما؟
البطل المنتظر
صحيح أنه على الورق وبلغة الأرقام، يبدو مانشستر سيتي المرشح المفضل لتحقيق اللقب، لكن كما تعودنا وتعلمنا دائما، أن الأمور لا تسير بهذه السهولة في عالم الساحرة المستديرة، فما بالك عندما يتعلق الأمر بنهائي لا يتكرر مرتين في العمر لأغلب نجوم وأساطير اللعبة في كل العصور؟ حتما المشاعر والرغبة وعوامل أخرى عادة تكون فاصلة في هكذا مواعيد، وهذا يعني أنه على عكس أغلب التوقعات، بأنها ستكون نزهة للفريق السماوي في ختام الموسم، سيكون عالم كرة القدم على موعد مع سهرة مليئة بالإثارة والمنافسة الشديدة بين الفريقين الأقوى والأحق في الترشح للمباراة الأكثر مشاهدة عالميا على مستوى الفرق، إلا إذا جرت الأمور كما يخطط لها العبقري الأصلع، بتكرار ما فعله في حامل اللقب ريال مدريد في موقعة السابع عشر من مايو / أيار الماضي، تلك المباراة التي صنفها أغلب النقاد والمحللين، على أنها واحدة من أكثر العروض هيمنة وعنفوان من طرف واحد من مباراة رفيعة المستوى من عيار أم الأبطال في محطتها قبل الأخيرة، وذلك للطريقة التي تفنن بها بطل إنكلترا في إذلال سلطان القارة ونادي القرن الماضي والحالي، معيدا إلى الأذهان ما كان يقدمه بيب من سحر وخيال علمي مع الجيل الذهبي لبرشلونة في الفترة بين عامي 2008 و2012، بدليل أننا لو سألنا 10 من مشجعي الإنتر بشكل عشوائي عن رأيهم أو انطباعهم والصورة المحفورة في أذهانهم عن خصمهم في النهائي، لن نتفاجأ باتفاق الأغلبية على حقيقة أن فريقهم سيصطدم بأقوى وأعنف منظومة جماعية على هذا الكوكب في الوقت الراهن، دعك من صعوبة نسيان ما حدث في كبار وعظماء القارة واحدا تلو الآخر، بافتراس بايرن ميونيخ بالثلاثة ثم الاستعراض الهوليوودي على رفقاء كريم بنزيمة في قلعة «الاتحاد» برباعية مع الرأفة، لكن هناك كوابيس أخرى ستطارد مشجعي الأفاعي في ليلة النهائي، وربما تسبب للكثير منهم التواء في المعدة، وتكمن في فيلم الرعب الخاص بسجل مان سيتي أمام عمالقة البريميرليغ وأوروبا، على غرار سداسية مانشستر سيتي وانتصاراته الساحقة على منافسه المباشر آرسنال والقديم ليفربول بالإضافة إلى توتنهام وتشلسي، وهذا يعني باختصار شديد، أنه لا خيار أمام إيدين دجيكو ورفاقه سوى القتال وتقديم مباراة العمر بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهذا ليس بالأمر الجديد أو الحديث على وكر الأفاعي، كواحد من كبار القارة وأبطالها السابقين، الذين يصعب الرهان ضدهم، بذكريات معجزة «كامب نو» في إياب نصف نهائي نسخة 2010، بإقصاء الفريق الذي كان يتمتع بنفس سمعة وجبروت السيتي في الوقت الراهن، ونتذكر يومها احتفال جوزيه مورينيو الخالد، حين ركض إلى دائرة منتصف الملعب، ليشير بيده إلى السماء، احتفالا بما أنجزه من تاريخ، باعتباره الرجل الذي فك شفرة بيب غوارديولا وسلاحه الرادع ليونيل ميسي، في أوج وأعظم لحظاته هو وتشافي وإنييستا وباقي أساطير تلك الحقبة. الشاهد عزيزي القارئ، أن الإنتر في الغالب لن يكون بالصيد السهل، كما يتخيل أو يتوقع البعض.
مفاتيح ذات الأذنين
بوجه عام، يصعب الاختلاف أو الجدال على كثرة وتنوع الحلول بالنسبة للمان سيتي، ليس لأنه فرض احترامه على الجميع، باعتباره الفريق الأقوى والأكثر إعجابا في أوروبا في الأمتار الأخيرة للموسم، بل لامتلاك المدرب الكثير من الأسلحة الفتاكة القادرة على فض الاشتباك في الأوقات الحاسمة، أو بمعنى آخر، فريق وصل لقمة الانسجام والقوة في نهاية الموسم، من السهل على المدرب استدعاء أي لاعب للقيام بنفس دور الأساسي، بعد تخطيطه السليم في تطبيق مبدأ المداورة وتوزيع دقائق اللعب على اللاعبين، الاستثناء الوحيد كان مسمار الوسط رودري، الذي خاض أكثر من 4000 دقيقة في كل المسابقات، أما البقية، وخصوصا مفاتيح اللعب في الثلث الأخير من الملعب، أو من يُعرفون بانهم معاونون لكيفن دي بروين وإيرلينغ هالاند، والحديث عن رياض محرز وفل فودن وجوليان ألفاريز، الذين يتناوبون على اللعب مع بيرناردو سيلفا وجاك غريليش، وكما شاهدنا، كانوا جميعا عند حسن ظن المدرب، بإعطاء الإضافة المطلوبة في أوقات التدوير، ليجني ثمار عمله وتخطيطه، بحفاظ رجاله المخلصين على معدلاتهم البدنية في هذا التوقيت الحساس في الموسم، في حين، تكمن قوة فريق إنزاغي، في الاعتماد على دهاء وخبث لاوتارو مارتينيز وشريكه في الهجوم، في مواقف اثنين ضد اثنين أو لاعب ضد لاعب. بينما دفاعيا، فيراهن عادة على منظومته الدفاعية الترسانية، التي ترتكز على نفس إستراتيجية غوارديولا بعد تعديل أفكاره هذا الموسم، بالاعتماد على الثلاثي فرانشيسكو أتشيربي وأليساندرو باستوني وماتيو دارميان، تماما كما يغامر الفيلسوف باللعب بقائد الدفاع روبن دياز وعلى يمينه ويساره ناثان آكي ومانويل أكانجي أو كايل ووكر، مع تطويع جون ستونز في مركز الليبرو المقلوب في وسط الملعب.
لكن إنزاغي، يعي جيدا أن تألق ثلاثي الدفاع في المواجهات السابقة في كفة، ومعركة السبت المقبل في كفة أخرى، لشقاء وصعوبة مهمة الحد من خطورة هداف العالم هذا الموسم، الغول الاسكندينافي إيرلينغ براوت هالاند، الذي تعاقد معه غوارديولا الصيف الماضي، ليكون القطعة المفقودة في مشروعه الطويل، أو بالأحرى جاء ليكسر عقدة السيتي مع الكأس ذات الأذنين، وهو ما أظهره منذ مباراته الأولى وحتى ليلة رباعية الريال، رغم خروجه من المذبحة بدون أهداف، وهذا كما نتذكر، لتألق الحارس تيبو كورتوا بشكل لافت وخاص في المواجهات المباشرة بينهما، والتي كانت كفيلة بانتهاء المباراة بنصف دستة أهداف على أقل تقدير. وللتذكير أيضا، لم يكن الأشقر البلجيكي في أفضل حالاته في ملحمة الريال، لدرجة أنه صرخ في وجه المدرب، اعتراضا على كثرة تعليماته، لكن كانت هناك مفاتيح أخرى، ساهمت بشكل أو بآخر في القضاء على اللوس بلانكوس، والحديث عن رجل المباراة بيرناردو سيلفا، ومايسترو الوسط وصانع البهجة إلكاي غندوغان، وحتى البدلاء محرز وفودن وألفاريز، تكفلوا بالهدف الرابع من الألف إلى الياء، ما يظهر ويعكس ثقل المهمة على ثلاثي دفاع الإنتر وحامي العرين الكاميروني، وبالمثل ستكون أم المعارك، وسط الملعب، فاصلة وفارقة في أحداث ونتيجة المباراة، إما أن يواصل نيكولا باريلا وهاكان ومخيتريان على نفس النسق التصاعدي، ويكونوا مصدر قوة حقيقية للفريق كما ينتظر إنزاغي ومشجعو النادي، وإما يكونوا ضحية لفورة وسط السيتي، والصورة العالقة في الأذهان أمام الريال، بذاك الضغط المجنون من لحظة إطلاق صافرة البداية وحتى الاحتفال بالرباعية، بواسطة الخماسي سيلفا ودي بروين وجون ستونز ورودري وغندوغان، الذين تفننوا في خنق مودريتش وكروس وباقي وسط الريال، بخطة محكمة، على إثرها عجز الريال على إتمام 14 تمريرة صحيحة بين 4 لاعبين، إلا مرات نادرة في 15 دقيقة، لكن نعود ونكرر، أن هذا لا يعني بالضرورة أن السيتي سيخوض مباراة مضمونة أو في المتناول، فهي ستكون بمثابة القصة الجديدة المختلفة عن كل المواجهات السابقة، ومباراة قابلة لكل الاحتمالات، بما في ذلك ما تُعرف بـ«اختراعات» غوارديولا في المواجهات الحاسمة، بالمبالغة في الفلسفة والمفاجآت العكسية في اختياراته للتشكيل الأساسي وإستراتيجيته، ما يتسبب في ارتباك لاعبيه ويفقد الفريق قوته الضاربة في أوقات ومباريات لا تقبل القسمة على اثنين، أشهرها نهائي نسخة 2021 أمام تشلسي، حين ركز على نقاط قوة المنافس، على حساب أسلوبه وطريقته المعتادة التي كان يُهين بها خصومه، بطريقة قريبة من الوضع الحالي، مع اختلاف وجود كاسحة الألغام النرويجية هالاند، وسؤال المليون دولار هنا: هل ستصدق توقعات الأغلبية ويتوج السيتي بأول لقب في تاريخه وبالتبعية يصبح غوارديولا سادس مدرب في التاريخ يعانق الكأس ذات الأذنين مع فريقين؟ أم يُفجر الإنتر المفاجأة وينصب نفسه بطلا للقارة العجوز للمرة الرابعة في تاريخه؟ هذا ما سنعرفه الأسبوع المقبل. مشاهدة ممتعة للجميع