هل يعد بريكست بداية تساقط أحجار دومينو الاتحاد الأوروبي؟

علاء جمعة
حجم الخط
0

برلين ـ”القدس العربي”: بعد مصادقة قادة الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على اتفاق بريكست وعلى الإعلان الذي يحدد العلاقة مع المملكة المتحدة في مرحلة ما بعد خروجها من الاتحاد، يبدو أن الاتحاد الأوروبي مقبل على مرحلة جديدة، وعليه الاستعداد لمرحلة ما بعد بريطانيا فيما تريد أحزاب اليمين الأوروبية تكرار هذه التجربة من أجل تفكيك كامل للاتحاد.

وكانت أحزاب يمينية ألمانية قد ردت فرحة على نتائج الاستفتاء بتغريدة في تويتر وقالت: “الوقت ملائم لأوروبا جديدة”. كما تم إطلاق تصريحات داخل ألمانيا تطالب بإجراء استفتاء مماثل في ألمانيا. ولعل أهم نتيجة سوف تترتب على خروج بريطانيا هي ذات طبيعة سياسية: دول أخرى قد تلجأ إلى تقليد المثال البريطاني. وليس بالضرورة أن تخرج دول من الاتحاد الأوروبي، بل يكفي أن تهدد بتنظيم استفتاء مماثل، وأن تطالب، مثل بريطانيا، بالحصول على استثناءات وحقوق خاصة. وفي النهاية يتبقى اتحاد أوروبي يسعى كل عضو فيه لتحقيق مصالحه دون الالتزام بواجباته. وبذلك سيختفي هذا التكتل كلاعب عالمي يحسب الآخرون له حساباً.

وأعلنت الدول الأوروبية في البيان الختامي لقمة بروكسل إن “المجلس الأوروبي يوافق على اتفاق انسحاب المملكة المتحدة وايرلندا الشمالية من الاتحاد الأوروبي ومن الهيئة الأوروبية للطاقة النووية” مؤكدة العمل على إرساء “أقرب علاقة ممكنة” مع لندن بعد بريكست.

وكانت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، قد صرحت أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بعد 45 عاما، هو “حدث مأساوي” لكنها “تحترم قرار الشعب البريطاني”. ووصفت اجتماعهم بالتاريخي، وأعربت عن شكرها لمن ساهموا في إعداد الإعلان السياسي المتعلق بخروج بريطانيا. وقالت: “هذا يوم تاريخي يسبب مشاعر غامضة، فخروج بريطانيا بعد 45 عاما من الاتحاد الأوروبي مأساوي، لكننا نحترم قرار شعب بريطانيا العظمى”. وأضافت أنه رغم انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي؛ إلا أنها ستواصل الحفاظ على صفتها باعتبارها بلدا أوروبيا.

وصادق قادة دول الاتحاد الأوروبي على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد، وأعلنوا تأييدهم للإعلان السياسي بشأن مستقبل العلاقات بين الطرفين. وأُطلق على الاتفاق اسم “اتفاق الانسحاب” ومن المفترض أن يصادق البرلمان الأوروبي والبرلمان البريطاني عليه قبل أن يدخل حيز التنفيذ، في 29 آذار/مارس 2019.

واستغرقت مباحثات “اتفاق الانسحاب” بين لندن والمفوضية الأوروبية 17 شهرًا. وشملت نحو 60 صفحة، تضمنت إعلانًا سياسيًا ملحقًا بالاتفاق حول العلاقة المستقبلية المأمولة بين الطرفين.

وبعد موافقة الاتحاد الأوروبي على خطة بريكست، يتعين على رئيسة وزراء بريطانيا، تريزا ماي، أن تنجح في تمرير الاتفاق في مجلس العموم لاستكمال مراحل الخروج. واتخذت بريطانيا قرارًا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، تنفيذًا لنتيجة استفتاء أجري في 23 حزيران/يونيو 2016.

فيما سلطت ميركل الضوء على أنه تم استيفاء الخطوط التوجيهية بالكامل التي تعاملت في إطارها الـ 27 دولة المتبقية في الاتحاد الأوروبي من أجل إجراء المفاوضات بشأن خروج بريطانيا من التكتل وشكل العلاقات المستقبلية بين الطرفين.

وردا على سؤال عما إذا كان يمكن التحدث عن خروج حقيقي من الأساس، في حال وجود مثل هذا التعاون الوثيق، أجابت ميركل: “بالطبع إنه انفصال”.

وأكدت أنه بشكل إجمالي، نجح الإنجاز الدبلوماسي في التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الطرفين ويفتح أفقا للمستقبل أيضا، في ظل وضع صعب للغاية وغير مسبوق.

الإعلام الألماني أعرب بدوره عن تخوفه من أوروبا بدون بريطانيا وعلى تزايد نفوذ الأحزاب الشعبوية فقد كتبت صحيفة “فرانكفورتر ألغيماينيه تسايتونغ”:

“في جميع بلدان العالم الغربي تزداد شعبية القوميين والشعبويين. في بريطانيا دُعمت حملة بريكست من قبل الأحزاب القومية بصورة خاصة، كحزب استقلال المملكة المتحدة، وكان أحد أسباب دعمها للحملة هو قولها إن الكثير من الأجانب يأتون لبريطانيا بسبب الاتحاد الأوروبي. في ألمانيا ترتفع شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا. أما في الولايات المتحدة فلا يهتم الناخبون بمدى قرب كلام دونالد ترامب من الواقع، طالما كانت قريبة من الحقائق المحسوسة التي يريدون سماعها”.

كما تخوفت مجلة “دير شبيغل” من “أن تحذو دول أخرى في الاتحاد الأوروبي حذو بريطانيا وتجعل مواطنيها يصوتون على خروجها من الاتحاد. ويجب على القادة والزعماء الأوروبيين التفكير ملياً لإيجاد وسيلة توقف الانهيار. ويعتمد ذلك بصورة دقيقة على مسار المفاوضات مع الحكومة البريطانية”.

ومهد الاتفاق الذي توصلت إليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي الأحد الطريق لإنهاء زواج استمر نحو 46 عاما بين الطرفين، وقام على الحذر المتبادل بدلا من الأحلام المشتركة. وعارضت بريطانيا الانضمام في البداية إلى المشروع الأوروبي عندما ظهر بعد الحرب العالمية الثانية. وبدلاً من ذلك فضلت التركيز على علاقاتها الخاصة بالولايات المتحدة وما تبقى من امبراطوريتها.

ومع ذلك فقد دعمت لندن المساعي للتكامل في القارة الأوروبية، ودعا رئيس وزراء بريطانيا وقت الحرب العالمية الثانية ونستون تشرتشل إلى إنشاء “الولايات المتحدة الأوروبية” في كلمة القاها في زيوريخ عام 1946.

ولكن في مطلع الستينيات تدهورت الأوضاع في بريطانيا، وبدأ نموها الاقتصادي في التراجع عن اقتصادي فرنسا وألمانيا، مما جعل خيار الانضمام إلى السوق الأوروبية الموحدة أكثر جاذبية.

ومع تعمق الوحدة السياسية الأوروبية في التسعينيات، تسارع رفض بريطانيا لبروكسل، ما قاد إلى تأسيس حزب “استقلال بريطانيا” الذي دعا إلى خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.

وأدى نجاح الحزب خاصة في انتخابات البرلمان الأوروبي في 2014 عندما تصدر الانتخابات، بالحكومة التي يقودها المحافظون إلى تشديد خطابهم.

وزادت أزمة منطقة اليورو والهجرة واسعة النطاق من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا وأزمة اللاجئين في السنوات القليلة الماضية من الاستياء، ما دفع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى الدعوة إلى اجراء استفتاء حول البقاء في الاتحاد الأوروبي في حزيران/يونيو 2016.

وبالنسبة لمؤيدي بريكست، فإن التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي سيعني أن بريطانيا “ستستعيد التحكم” أخيرا في حدودها وفي القانون والوضع المالي.

شراكة غير مسبوقة

 

وأعلن كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه الخميس أن الاتحاد الأوروبي مستعد لـ”شراكة غير مسبوقة” مع بريطانيا بعد بريكست إذا التزم الطرفان بالتعهدات التي قطعت خلال مفاوضات خروج بريطانيا.

وقال خلال جلسة للبرلمان الأوروبي “الاتفاق المطروح هو الوحيد وأفضل الممكن” في إشارة إلى معاهدة خروج بريطانيا وإطار علاقتها المقبلة مع الاتحاد الأوروبي اللذين وافق عليهما الأحد القادة الأوروبيون خلال قمة استثنائية.

وعلى هذه الاتفاقات أن تنال موافقة البرلمان الأوروبي وخصوصا البرلمان البريطاني. وقال بارنييه “سأحترم فترة النقاشات البرلمانية الديمقراطية” مع أن الاتحاد الأوروبي حذر من أنه لن تكون هناك مفاوضات جديدة في حال رفضها البرلمان البريطاني.

وأعلن أمام النواب الأوروبيين في بروكسل أن “مصلحتنا المتبادلة هي التوصل إلى شراكة طموحة” في العلاقة المقبلة إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بشكل “منظم” أي في إطار اتفاق تم التفاوض بشأنه.

وأشار إلى “السلع والخدمات والرقمي والنقل والتنقل والأسواق العامة والطاقة والأمن الداخلي وبالطبع السياسة الخارجية لضمان استقرار قارتنا”.

وقال بارنييه “الشراكة مع بريطانيا ستكون غير مسبوقة بسبب حجم مواضيع التعاون” إذا ما احترمت بنود “الإعلان السياسي” حول العلاقات بعد بريكست.

وأضاف “نظرا إلى الإرادة البريطانية بالخروج من الاتحاد الأوروبي والسوق الواحدة لا يمكن أن يسود الجمود مستقبلا وواجبنا هو أن نقول ذلك خصوصا للمؤسسات التي يجب ان تستعد”.

ورأى النائب الأوروبي البريطاني نايجل فاراج الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة أن اتفاق بريكست “جيد للاتحاد الأوروبي”. وتابع “لبريطانيا أعتقد أنه أسوأ اتفاق في التاريخ كما قال ترامب” متوقعا ألا يصادق عليه البرلمان البريطاني.

وكان فاراج أحد الداعمين الرئيسيين لحملة بريكست، طالب أن يصبح يوم 23 حزيران/يونيو عيدا للاستقلال. وقال: “الاتحاد الأوروبي يخسر. الاتحاد الأوروبي يموت. آمل أن نكون قد أسقطنا الحجر الأول من الجدار. وآمل أن يكون خروج بريطانيا هو الخطوة الأولى لتكون دول أوروبا ذات سيادة”.

ويمهد الاتفاق الذي توصلت إليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي الطريق لإنهاء زواج استمر نحو 46 عاما. بيد أن هذا الزواج كان قائما على الحذر المتبادل بدلا من الأحلام المشتركة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية