لندن ـ «القدس العربي»: يتزايد الحديث عن الجرائم الإسرائيلية والانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، كما تتزايد التساؤلات عن إمكانية مقاضاة إسرائيل وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية أو حتى القضاء المحلي في بعض الدول التي تتيح ملاحقة المتورطين في جرائم حرب، كما هو الحال في بريطانيا وبعض الدول الأوروبية.
وخلال 20 يوماً فقط من الحرب الإسرائيلية على غزة وثقت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد أكثر من سبعة آلاف فلسطيني، إضافة إلى إصابة آلاف آخرين بجراح بسبب القصف الهستيري المتواصل على القطاع، فيما قالت منظمة الصحة العالمية إنها تُقدر وجود أكثر من ألف جثة تحت أنقاض المباني المدمرة التي هدمتها قوات الاحتلال ولم يتم انتشالها حتى الآن، كما أنه توجد عائلات بأكملها تحت أنقاض منازلها ولم يتم إبلاغ السلطات الصحية عنها.
وتقول المنظمات الحقوقية إن إسرائيل ترتكب جرائم حرب واسعة في قطاع غزة، حيث إن عمليات العقاب الجماعي والقصف العشوائي وقطع الكهرباء والماء والخدمات الأساسية عن أكثر من مليوني شخص داخل قطاع غزة، كلها تُشكل جرائم حرب محظورة بموجب القانون الدولي، وتشكل انتهاكاً لاتفاقيات جنيف الأربع وغيرها من النصوص والمواثيق والمعاهدات الدولية.
وتسعى العديد من المنظمات الحقوقية إلى ملاحقة إسرائيل في المحافل الدولية، وإلزامها بالتوقف عن الجرائم التي ترتكبها في القطاع، كما تسعى بعض المنظمات أيضاً إلى إلزام الدول الديمقراطية الكبرى بوقف تقديم الدعم العسكري والمادي والسياسي لإسرائيل على اعتبار أن هذا الدعم يتم استخدامه في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وقال رئيس منظمة «العدالة الواحدة» في فرنسا، المحامي خالد الشولي، وهو فرنسي من أصول فلسطينية، إن «هناك إمكانية لملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية أمام محكمة الجنائية الدولية» مشيراً إلى أنه في الحالة الفلسطينية أيضاً يُمكن ملاحقة إسرائيل، حيث أن «المحكمة في قرارها الصادر عن غرفتها التمهيدية الأولى في 5 شباط/فبراير 2021 حددت ممارسة اختصاصها في إقليم فلسطين وهو الذي يغطي الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة».
وقال الشولي في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إن «كل الجرائم الموصوفة في نظام روما المرتكبة على هذا الإقليم تقع ضمن اختصاص المحكمة وإن المدعي العام عليه فتح تحقيق فيها علماً بأن فلسطين الدولة قد قدمت إحالة إلى المحكمة في سنة 2018 بصفتها عضو في المحكمة».
جرائم ضد الإنسانية
يلفت الشولي إلى أن الضحايا أيضاً يستطيعون في بعض الدول التي يسمح نظامها القانوني والقضائي ووفق شروط معينة أن يقوموا باللجوء إلى السلطات القضائية المختصة من أجل تقديم شكاوى لديها حسب ما يسمح به قانونها على أساس ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أو ارتكاب جرائم تقع ضمن اختصاص محاكم هذه الدول وفق الاتفاقيات التي صادقت عليها.
كما يؤكد الشولي أنه «يمكن أيضاً لأي دولة، حتى لو لم تكن ضحية مباشرة لأي انتهاك، إذا كانت قد صادقت على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها ولم تتحفظ عليها وخاصة المادة التاسعة، يمكن أن تقوم بإحالة دولة الاحتلال الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، وهو ما يعني أن بعض الدول العربية أو الإسلامية يُمكنها ملاحقة إسرائيل أيضاً أمام القضاء الدولي بتهمة ارتكاب جرائم الحرب».
ويلفت الشولي إلى أن «هناك مجموعة من الإجراءات التي يمكن أيضاً اللجوء إليها مثل تقديم تقارير إلى المقررين الخاصين التابعين للأمم المتحدة، ولجوء الدول إلى مجلس الأمن، أو اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإجراءات هي قيد التنفيذ الآن. كما أن المنظمات الدولية من ضمن اختصاصاتها أن تفتح تحقيقات في الانتهاكات التي تقع ضمن ما تسمح به أنظمتها الأساسية أو يمكن اللجوء أيضاً إلى بعض اللجان التحقيقية التي تنشأ عن اتفاقيات معينة».
كما يؤكد الشولي أن هناك من البلاغات والشكاوى ما يمكن أن تتقدم به الضحايا مباشرة عن طريق وكلائها من المحامين أو مؤسسات أو غيرها، أما منظمات حقوق الإنسان فهي تقوم بعملها بتوضيح الانتهاكات المرتكبة والمساعدة في توضيح الإجراءات ومرافقة الضحايا في إجراءاتها أمام الجهات المختصة وفق ما يسمح به القانون، كما أنها تقوم بعملها بمخاطبة السلطات الرسمية والدولية وتقديم تقاريرها وفق رؤيتها وتحقيقاتها.
ويؤكد الشولي أن هناك العديد من الفرق القانونية التي تقوم بأعمال قانونية وإجراءات أمام القضاء الدولي وهناك العديد من البلاغات التي تم تسجيلها لدى مدعي عام محكمة الجنايات الدولية بحق الاحتلال الإسرائيلي.
إجراءات قانونية ضد السياسيين في بريطانيا
يشار إلى أن مركزاً حقوقياً في بريطانيا أرسل مذكرة إلى رئيس الحكومة البريطانية ووزير الخارجية والمدعي العام في المملكة المتحدة، أخطرهم فيها بأنه ينوي التقدم بإجراءات قانونية ضد السياسيين في بريطانيا وغيرها من الدول، ممن يتوفر دليل على أنهم «ساعدوا أو حرضوا أو دعموا بأي طريقة أو شجعوا أو قدموا مساعدة مادية لتنفيذ جريمة حرب».
وقال «مركز العدالة الدولية من أجل الفلسطينيين» الذي يتخذ من لندن مقراً له، ويديره النائب في البرلمان البريطاني كريسبن بلانت إنه في ضوء الوضع المأساوي الذي يتدحرج في غزة، وما يمثل دليلا واضحا على أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب، فإن هذه المذكرة أرسلت للحكومة البريطانية للتأكيد على أنه وفق القانون الدولي وولايته القضائية على المسؤولية الفردية الجنائية، فإن تقديم دعم لمرتكبي جرائم الحرب يمكن أن يتم التحقيق به من قبل محكمة الجنايات الدولية، وفي دول أخرى تحت مبادئ «الولاية القضائية العالمية».
وحسب الرسالة التي بعث بها المركز، وحصلت «القدس العربي» على نسخة منها، فإنه قد يتم ملاحقة عدد من السياسيين والمسؤولين في بريطانيا إذا ما تبين بأن الدعم الذي قدموه لإسرائيل تم استخدامه في ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين في غزة.
و»مركز العدالة الدولية من أجل الفلسطينيين» هو مؤسسة مستقلة تضم عدداً من المحامين والأكاديميين والسياسيين وتعمل لحماية حقوق الفلسطينيين، ويديره النائب عن حزب المحافظين، والرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية، كريسبين بلانت.