بين العمل الإبداعي والمرجعيات الفاعلة في إنتاجه، تمتد مسالك ومسارات تتعدد وتتنوع جماليات تشابكها، حيث لن يكون من السهل على المقاربة النظرية استنباط القوانين المؤثرة في نسج شبكة هذه المسالك وهذه المسارات. ومهما بلغت مقوماتها النظرية من نضج نظري ومعرفي، فإنها سوف تصطدم لا محالة، بعوائق غيرها من المقاربات التي تستند إلى وجهات نظر مختلفة، من حيث استخلاصها للقوانين والأسس الجمالية، الناظمة لعلاقة العمل الأدبي بمرجعياته. ما يعني، ضرورة دمج أكثر من منهاج نظري، بغية التوصل – نسبيا – إلى إضاءة المسارات التي يعتمدها العمل في استشرافه لآفاقه، ذلك أنه يتعذر فصل آلية اشتغال العمل الأدبي، عن باقي العناصر المساهمة في بنائه، وفي بلورة خصوصيته. وهي بالمناسبة خصوصية متحركة ودينامية، بفعل تمحورها حول هوية الكائن البشري، بالنظر لتمركزه في عمق كل الإشكاليات المادية والرمزية التي تضج بها سماوات الخالق وأراضيه، خاصة أن علاقة الإبداع ككل بالكائن البشري، هي في الأصل التعبير الرمزي، عن تجارب ترحاله الدائم في أمكنة حياة الإشارات وأزمنتها، أي تلك المسافات التي ينكتب خلالها تاريخ كامل من مصائر الكائن وأقداره، تلك التي لا تتسع لأسرارها اللغات، لا الفهم، ولا التأويل.
وبالنظر إلى جسامة المهام الملقاة على كاهل العمل الأدبي، والمجسدة في مصاحبته لهذا الكائن في تنقله الدائم بين المسارات اللانهائية، التي تتفاعل فيها مصائره وأقداره، فإنه مطالب بتملك ما أمكن من الخرائط المعرفية، التي يكون مطالبا بالتردد على معالمها ومجاهلها. والحديث عن الخرائط المعرفية في صيغة الجمع، يحيل مبدئيا على غزارة وتنوع الإشكاليات المؤثرة في سيرورة المجتمعات البشرية، التي يستدعي فهمها واستيعابها، امتلاك ما يكفي من الإواليات المعرفية، المهتمة أساسا باستكناه دلالات المقامات الروحية والفكرية، المتميزة بثرائها وغموضها في آن. وإذا كانت فضاءات اليومي، بمثابة مدارس حياتية يعمق فيها الإبداع خبرته في تعقب تفاصيل المعيش، فإن الكتابة وبتواز مع ذلك، تتفرد بقيمتها الاعتبارية، بوصفها العتبة الرمزية، المفضية إلى إكسير التخييل والتفكير، فضلا عن إكسير القول. ما يعني أن الكتاب، هو العتبة المفضية إلى فضاء المكتبة، بما هي كون إشكالي بامتياز، تتربع فيه المعرفة على أبهى عروشها. فضلا عن كونها دليل الإبداع إلى أصوله ومنابعه الحقيقية. علما أن المعرفة هي التي تتدخل في تنظيم فوضى الواقع، كاشفة بذلك عن اختلالاته، وعن القوانين المتحكمة في بناء أنساقه، وبسط مساراته في اتجاه الخسارات الكارثية، أو في اتجاه المرافئ الآمنة.
والذهاب بأسئلة الواقع، إلى الأسئلة المعرفية المتفاعلة في فضاءات المكتبات، هو الذي يساهم عمليا في إنتاج الأعمال الأدبية والفنية الكبيرة، خاصة أن دمج أسئلة الواقع في أسئلة المكتبة، يعني مبدئيا دمج راهن الذات المبدعة، في مختلف الأزمنة الثقافية التي عاشتها وتعيشها البشرية، بما هي حلقات متواصلة أو منفصلة، لسلسلة طويلة ومتداخلة من التحولات المجتمعية والحضارية، ذات المنحى السلبي أو الإيجابي. وبالنظر إلى أن مجال اشتغال الإبداع، هو مجال تحولات الكائن البشري بامتياز، فإن هذا الأخير مدعو للتردد على فضاءات المكتبات، بحثا فيها عن أسرار ذلك الجوهر المنفلت دائما، الذي ليس في نهاية المطاف، سوى جوهره الإنساني، العصي على أي تقنين نهائي ومطلق. فبقوة الاستئناس المعرفي بهذه الأسرار المتعددة، من حيث مرجعياتها الجغرافية، الإثنية والثقافية، يمكن الإنصات إلى أصوات الكون، بوصفها امتدادا متفرعا ومتشعبا، للأزمنة الطالعة من عمق التاريخ، ومن قلب منعطفاته، والمقبلة أيضا من مشارف المستقبل، بكل ما تطرحه علينا من أسئلة وما تقترحه علينا من إضاءات.
ولعل أخطر أنماط السيوف المسلطة تاريخيا على رقاب الإبداع، هي سيوف الحكام الذين يفوضون لأنفسهم الحق في إلصاق تهم الزندقة والهرطقة، بكل فكر إبداعي يتجرأ على اجتراح صيغ جديدة ومغايرة للقول والفهم والتأويل.
وبين القناعة الإبداعية المقتصرة في اشتغالها على ما تمده بها فضاءات المعيش، والقناعات الحريصة على دمج هذا المعيش، في نار وبرد الأرواح الناطقة بألسنة الذاكرة المكتبية، تمتد هوة سحيقة من الفوارق والتباينات التي يتعذر معها العثور على أي قاسم مشترك يجمع بينها. ذلك أن العمل الأدبي، لا يمكن أن يحظى بمصداقيته الإبداعية والجمالية، إلا من خلال اكتشاف لملامحه في مرايا نصوص الكون. تلك المتوزعة على لأمكنة والأزمنة. كما لو أن الأمر يتعلق بالبحث عن إمكانية تماه محتمل مع شبيه ضائع بين أجرام القول، وكواكبه. وعبر هذه الاستحالة العالية، المجسدة في المصاحبة الاستغراقية للنبض المكتبي، يحق للعمل الأدبي أن يهتدي لموقع الأثر الغائب والحاضر في آن، الذي يأخذ شكل إكسير، به يتجدد جسد الكلام وجسد الكينونة.
إلى جانب هذا المدخل الذي يرى فيه العمل الإبداعي مصدر وجوده الفكري والجمالي، ثمة مدخل آخر، يحيلنا على تلك الحلقة الدرامية التي تكون فيه الكتابة مكرهة على مكابدة أهوال الإحراق والنهب والتخريب، التي طالما عانت من مكائدها، منذ إحراق مكتبة الإسكندرية، إلى محطة إحراق العدوان الأمريكي لشارع المتنبي في بغداد، الذي كانت مكتباته تغص بأمهات المصنفات النادرة، مرورا بإحراق وإتلاف عشرات المكتبات العالمية بنيران الكراهية النازية.
وتعد حلقة الإحراق والنهب والتخريب هذه، أبلغ تعبير عن مختلف أنماط المطاردة والتضييقات الهمجية، التي دأب الفكر والإبداع على تجرع علقمها عبر العصور. حتى ليمكن القول، إن إبادة المكتبات، بما تغتني به من كنوز معرفية، كان يعتبر أولوية كبرى بالنسب للغزاة، الذين تعودوا على إدراج مواقعها ضمن مقدمة أهدافهم الاستراتيجية. وهو موضوع جدير بأن يتحول إلى مادة إبداعية قائمة الذات، من شأنها تسليط الضوء على ظاهرة الرهاب الذي يستشعره الهمج، إثر مثولهم صاغرين أمام سلطة وهيبة المكتبة، إنه رهاب صادر عن إحساسهم العميق دونيتهم الثقافية، وبوحشيتهم البدائية التي لا تجد لها أي أداة ممكنة للانتقام من تخلفها الحضاري، سوى إصدار الحكم على هذه المعالم المعرفية، بالفناء والزوال. بحيث يمكن قراءة الصراعات الحضارية القائمة بين شعوب الأرض، من خلال اقتفاء أثر الروح الهمجية الحالة في الكثير من قادتهم، وهي تعيث خرابا في منابع المعرفة.
ولعل أخطر أنماط السيوف المسلطة تاريخيا على رقاب الإبداع، هي سيوف الحكام الذين يفوضون لأنفسهم الحق في إلصاق تهم الزندقة والهرطقة، بكل فكر إبداعي يتجرأ على اجتراح صيغ جديدة ومغايرة للقول والفهم والتأويل. وفي السياق ذاته، يمكن تناول ظاهرة لصوص نفائس الوثائق العلمية والمخطوطات النادرة، الذين يمتهنون نهبها بكل ما ملكته قرائحهم السوقية من أساليب السطو، ضمن شبكات مافيوزية ذات أذرع طويلة، وضاربة، ومتعددة الوظائف والمهام.
أما مدخلنا الثالث والأخير في مقاربة علاقة الإبداع بالمكتبة، فسيرد في صيغة استفسار مفارق، موجه بصيغة أو بأخرى إلى القارئ المهتم، وهو كالتالي: إلى أي مدى يمكن القول، بأن التجربة الإبداعية والفكرية، الموسومة بتجددها المنفتح على المستقبل، تضمر في ذاتها، نزوعها الجامح إلى تجاوز السلطة المعرفية التي تمارسها المكتبة على حوارييها؟ والتساؤل هنا، يتمحور حول التجربة /التجارب الاستثنائية، المسكونة بهوس تحقيقها لاستقلاليتها، تلافيا للبقاء تحت وصاية نفوذ الرصيد المكتبي. ولربما كان الهدف من طرح هذا التساؤل المفارق، هو التأكيد على أن حياة المكتبة، تدين في تجددها واستمرارية إشعاعها، لتوهج تلك الأعمال الأدبية والفكرية، المقبلة إليها من صلب استقلالية خطاباتها، بوصفها قيمة مضافة ونموذجية، وقابلة هي أيضا للتجاوز، كلما توافر لديها ذلك الاستثناء المعرفي والإبداعي، الوارد على فضاء المكتبة من خارجها.
شاعر وكاتب مغربي