«همسات القمر» للشاعرة اللبنانية فاطمة منصور… مغامرة الرومانتيكية في أفقها الجمالي

حجم الخط
0

هل يتوجه الشعر الحر بعد عقدين من القرن الواحد والعشرين إلى رومانسية من نوع جديد؟ هل أفق كتابة الشعر تتشكل بحيث تتخذ منحى يخفف من تحولات الواقعية ثم الرمزية ثم السيريالية ثم التجريبية، مما غلف الشعر بطابع المأزق الوجودي الثقافي، لتتجاوز الشعرية المعاصرة أفق الفانتازيا التي غلبت على شعر نهاية الألفية الماضية، وبدايات الألفية الجديدة، لنعود من جديد أمام رومانسية بنكهة خاصة؟ هل كان حلما ثقيل الوطأة تغريد الشعر لفترة بعيداً عن العلاقة الأبدية بين الرجل والمرأة؟ وهل مهما تطورت فكرة النسوية والاهتمام بقضايا المرأة واعتبار أنها يمكن أن تعيش حياتها بمعزل أو بمنأى عن الرجل، فتصور النسوية في منعطفها الأقصى الرجل لاحقاً وتابعاً للمرأة، كرد فعل نقيض الهيمنة الذكورية التي ترى المرأة عالة على الرجل، وبدلاً من هذا وذاك، تعود الرومانسية كهدنة بين شقي العنصر البشري، لتؤكد على أن ما يستمر بينهما هو مشاعر الحب والألفة وتبقى لوعة الحب وعذاباته ومشاعره المتناقضة هي المهيمنة على علاقة الرجل بالمرأة؟ وماذا عن النظر للكون وللحياة بعيون الشاعرة العاشقة؟ إلى أي مدى تذهب فاطمة منصور في ديوانها «همسات القمر» لأفق المغامرة الجمالية؟
قطاف الحب
«قطاف الحب
زهرة النارنج
الحب الذي حصد قمرين واشتهاء
كلها تذوب على أطراف الحديث
………….
قد تتلامس
خواطرنا
عند ذلك
وعند اقتراب موج الظنون
وقد ترحل هامسة بالغياب
يا أيها الهائج بذكريات كسيحة
مدد أرجل المسافات
قد يلمحك العشاق
وأنت تصف نهداً غارقا بالشهوة
أو بتولاً تحمر وجنتاها
بلمسة خاطرة مسافرة
انا فاطمة ساحلك القصي
وانت موج تائه
حط رحل الاماسي
قرب مدفأة العتاب
ودعنا نكحل المسافات
بقبلٍ شاردة»
تمثل هذه القصيدة المرتكزَ الأساسيَ للرؤية المهيمنة على الديوان، وهي الرؤية المتقوقعة بين الرغبة في الحب واستشعار الأسى عليه في الوقت ذاته، ومن ثم يتم التلاعب بالصور وتقديم الدفقة الشعورية على نحو ينفذُ إلى المتلقي بشكل يجعله يطرح ذاته وأوجاعه، ونلمس هنا إحدى الخصائص التي صارت من مسلّمَاتِ الشعرية الحديثة، ألا وهي استعارة خصائص الأجناس الأدبية المغايرة، فيستعين الشكل الشعري بالنمط السردي، فكأننا نبدأ المشهد بشيء خرافي هو «قطاف الحب» ثم يبدأ المشهد بإيضاح هذا الغامض ويقربه لنعرف أنه يشبه زهور النارنج في زهوها الأبيض وتيجانها الصفراء، وبعدما تعطي للمفهوم المعنوي معنى قريباً مادياً، يذهب في الغموض مرة أخرى، فيتم تشبيه زهور النارنج بالحب الذي اكتمل بحصاد إنسانينِ كل إنسان منهم كالقمر، وهما في حصادهما ممتلئانِ اشتهاءً، ولا شيء يصلح بعدها لإكمال تصاعد المشهد حول ذلك المتخيل الأسطوري لقطاف الحب؛ فيتم اللجوء إلى الإسكات مرتين، مرة بالذوبان عند أطراف الحديث، ومرة بالنقاط الفاصلة التي توحي أن ثمة فعلاً ما أو شيئاً ما مختفياً لم تتحدث عنه الشاعرة، تاركة للمخيلة رسمه وتوظيفه كيفما يشاء القارئ.
تبدأ بعد ذلك عملية المراوغة في خلخلة المفهوم المتكون من رسم صورة باقتراب العاشقين، وتوحي بأن قطاف الحب هو اجتماع المحبوب مع حبيبه، لكن خلخلة هذا المفهوم توحي بأن اللقاء إنما كان في المخيلة وليس على أرض الواقع، وبعدما غرقنا في قطاف الحب، نكتشف أننا نبتعدُ عنه، وأن هناك مسافات بعيدة تحول دون إمكانية تحققه، وتستخدم الشاعرة تعبير «مدد أرجل المسافات»، لتوحي بمدى الابتعاد بين العاشقة ومعشوقها، وتصبح الذكريات «كسيحةً»، كنايةً عن عدم القدرة على تحقيق أية فاعلية في إمداد المتذكر بالتلطف، ومن ثم تبدأ باجترار حالة من البتولية الأولى، ومن وسط هذا التأكيد على البعد والفراغ، لا تبدو شاعرتنا بوصفها منكسرة أو متأسيةً على هذا البعد، بل هي على يقين من أن من ابتعَدَ هو من خسر، فهي تبدو كمركز – Logos – للاستقرار، وإذا ما سحبنا الصورة من الشاعرة إلى المرأة عامةً فإن رمزيتها هنا تمثل المرفأ والحنان، وهي من يتوجب على الرجل أن يعود إليها، وليس العكس.
بل النقيض تماماً لدى الرجل، فهو يبدو كمن يتخبط في ذاته كالموج التائه، قد يضرب سواحل عديدة، لكن ساحله الوحيد الذي يستقر عليه هو مرفأ الشاعرة، وما بين الصورة التي بدأنا منها في اقتراب العاشقين معا، نبحر في مقدار التأسي والحسرة على الصورة التي تتكاتف في تصوير مقدار استحالة تحقق اللقاء، فبحكم ما رسمته من مشهدية ختامية، لا الموج يكف عن التلاطم، ولا الساحل يستطيع أن يحضن الموج الذي ما إن يلمس طرف الساحل حتى يغادره سريعاً، ويصبح الحلم كاملاً قبلة شريدة، قد تستطيع أن تُهدئ من زخم اشتياق هائل، نلمس هنا كيف يتم الانتقال في مستويات الصورة، لتصبح رسماً لمشهديةٍ سينمائيةٍ يتمُ التقريبُ والبعدُ بداخلها كمن يمسك كاميرا ويستطيع أن يقرب أو يبعد الزاوية من زخم المشاعر بحسب الهدف المرسوم مسبقاً للصورة، لكي تعبر عن حدٍ أقصى من الحنين والشوق وعدم الأمل في اللقاء مع كامل الاشتياق له.

ضد الهامش

وتمثل القصيدة المُتناولة طريقةَ رسمِ الصورة وطرح مستويات التأويل في مجمل ديوان «همسات القمر»، ومن بين قصائد الديوان البالغ عددها (55) قصيدة، تتدرج المشاعر التي يقوم أغلبها على فكرة التذكر، وفكرة تلمس السبل إلى الوصول للحبيب ولو حتى برائحة عطره في مكان ما، أو ببقايا حوار أو حديث، ويتم مزج الصورة بمزيج يجمع بين تقليدية الموضوعات المعتادة في الحب، والتي تدور غالباً حول الفراق واللهفة والأمل في الاطمئنان على المحبوب أو في التواصل معه، وفي الوقت ذاته يتم التعبير عن هذه الأغراض التي يبدو أنها أغراضٌ خالدةٌ في مجالِ العشق والهوى، يتم التعبير عنها بكامل دمج المعطيات العصرية، فالجسر مثلاً يتحول إلى استعارة مكنية، وطوال الوقت يتم طرح المرأة بوصفها مركزاً وليست هامشاً، حتى أن الشاعرة تقول عن ذاتها – وهو في اعتقادي قولٌ رمزيٌّ يتمثّل المرأة عامةً– تقول:
فأنا الاسطورة
أمشي على الغيم
وأمنح الارض
شهوة الربيع.

عشقتك
عشقتك
وردا
وعطورا
عشقتك شفة
تنضح خمرا يسكرني
ثغرا يتأوه جذلاناً
بعشق
قدسي
بالقبل تتغاوى
فوق شفاه
وردية
وانامل تعزف
يومياً ألحاناً للحبِ على أوتار أثيرٍ
وإيقاعِ تراتيل يؤديها العاشق
في محراب إله الحب
ونلاحظ تكرار العنونة في أول سطر شعري، وهي خاصية متكررة في مجمل قصائد الديوان، بيد أن هذه القصيدة تعد تتمة للرؤية المهيمنة على الديوان، في محاولة نقل المركزية التعبيرية من الرجل إلى المرأة، وفي محاولة تقديم نوع من النسوية الجديدة، التي تقوم على التواصل مع الرجل وليس النقيض والضدية معه، لكنه تواصل يحافظ هذه المرة على كامل حقوق المرأة، بما في ذلك حقها في التغزل، فعلى امتداد ميراث الغزل في الشعرية العربية، قليلة تلك القصائد التي تغزلت في رجلٍ من قِبلِ امرأة، وبهذه الكيفية، التي يتم تحويل الرجل فيها إلى جسد، تماماً، مثلما حول الرجل المرأة إلى جسد من قبل، وبعد الانتقال من المعطى المعنوي ـ الورد والعطور ـ التي عهدناهما دائماً أوصافاً من الرجل تجاه الأنثى، هذه المرة يتم وصف الرجل بهما، بإسقاط المفاهيم ذاتها التي أعجبت الرجل في الأنثى عبر ميراث الشعرية العربية – وربما الشعرية العالمية – على الرجل، لتصير هي ذاتها الأوصافَ التي يصفُ بِها كلُ عاشقٍ معشوقَهُ، سواء كان هذا العاشق رجلا يصف امرأة، أو امرأة تصف رجلا.

أساطير العشق

تقيم الشاعرة حالةً من حالات الفانتازيا التي تنقل مشاعر الحب من العالم المعاش إلى عالم الخيال الصرف، إلى العودة للأساطير القديمة لدى اليونان والرومان، فتستحضر كيوبيد آلهة الحب، وتجعل من عشقها وعاشقها مبتهلين في محراب الحب، وفي وسط هذا التبتل يتم ابتكار لغةٍ خاصة بأهل العشق، لغة حروفها من نور، وبعدما يتم استلهام وتمثل الحب وحالة العشق بوصفها ممثلة للعالم كله، يتم اختزال هذا العالم في تغريد بلابل على النافذة، بهذه الكيفية التي تشبه تصوير العالم ووضعه في كف اليد، أو التلميح بشكلٍ كبير إلى مقدار ما في الوجدان والمشاعر والانفعالات الإنسانية من خصبٍ وغنى، فبداخل كل إنسان عوالم ضخمة، لا ينتبه إليها الآخرون الذين ينظرون لبعضهم البعض عبر نوافذِ البصر، استطاعت الشاعرة تجاوزها بطريقةٍ متفردةٍ من التصوير، وقدرةٍ على تقديم رومانسية جديدة، يمكن وسمها بأنها رومانسيةٌ عصريةٌ وإن تقاطعت مع التراث في عناصره، فقد تميزت عنه بتوظيفها.

٭ شاعر مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية